في الأكشاك هذا الأسبوع
الزفزافي و المحارشي

الحقيقة الضائعة | الزفزافي اكتفى بالكلام أما المحارشي فقد اتهم رجال الأمن وتحداهم دون أن يعاقبه أحد

بقلم: مصطفى العلوي

  منذ عام وتسعة شهور(…) حملت جريدة “الأسبوع” في عمود “الحقيقة الضائعة”، بهذا الجنين الذي وضعته الأيام بين أيدينا، واسمه حراك الريف، انطلاقا من انعدام التعمق ونقصان البحث في ما أسماه بعضهم: الجهوية المغربية، التي تعني بحكم الطبيعة المغربية، الفوضى والتلاعب بالملايير، وها هي الأسابيع كلها تحمل بالاعتقالات والمتابعات للمسؤولين الجهويين، ليكون عنوان “الحقيقة الضائعة” في ذلك التاريخ: ((هل تتحول الجهوية إلى انتهازية؟))، ويتوسع الموضوع الذي نعيد نشره، لأهميته، في الأسباب التي مهدت لهذا الحراك، والمكونات البشرية التي زرعت بذور الفتنة مثلما يزرع الحشيش في مناطق الريف، كذلك تم زرع الفتنة التي نخشى أن لا تزول، حتى ولو تدراكت الدولة الموقف، أو استطاعت أن تهدئ الوضع، توقيتا مؤقتا.

هل تتحول الجهوية إلى انتهازية

   يوجد في أحد أطراف مدينة مكناس، ضريح مقام على قبر إحدى الوليات، اسمها للاخميسة، روى قصتها الكاتب الكبير، المرحوم عبد المجيد بن جلون، وكتب: ((حين كان أتباع طريقة سيدي بنعيسى، قد هيمنوا على العاصمة مكناس -بوسائلهم الخاصة – فقرر السلطان مولاي إسماعيل، أن يطرد رئيس الطائفة، سيدي بنعيسى، من مكناس، خوفا من تضخم نفوذ أتباعه (وكانت في ذلك الزمان تحل محل الحزب) ليفاجأ السلطان برئيس الطائفة بنعيسى، يفتح بئرا.. ويخرج منها كميات هائلة من الذهب، قدمها للسلطان، عارضا شراء مكناس من السلطان، الذي قبل العرض(…) وبعد موت رئيس الطائفة ثار المكناسيون حفاظا على ملكيتهم للمدينة، فابتدع السلطان مولاي إسماعيل، طريقة لتحدي إصرارهم، وحفر حفرة كبرى ملأها بالأفاعي المفترسة، وقال للمكناسيين: من أراد التعبير عن ملكيته لمكناس، أن ينزل إلى هذه الحفرة، وتردد ورثة نفوذ سيدي بنعيسى، خوفا، لتتطوع امرأة اسمها خميسة، وتدخل الحفرة متحدية للقرار السلطاني، لتموت، ويقام على قبرها ضريح، لازال يحمل اسمها إلى الآن)) (جولات في مغرب أمس. عبد المجيد بن جلون).

    وربما كان ذلك أول حادث يكرس حقيقة ما نسميه اليوم(…) الجهوية، ويتفضل عليها بعض الكتاب وسيمونها الجهوية الموسعة، لتعطينا التفاصيل والتصريحات التي نشرت مؤخرا، حول ظروف الانتخابات الجهوية الأخيرة، أن الكثيرين من مجذوبي السياسة(…) أقطاب الطوائف الحزبية(…) اشتروا المدن والأقاليم، ليحكموها، لكن هذه المرة، بمقتضى الدستور، ولن نجد شاهدا أكثر فصاحة من الوزير، رئيس حزب التقدم، نبيل بنعبد الله، الذي صرح ((بأن القواعد التقليدية للانتخابات، اختفت، لتترك الكلمة الأخيرة في هذه الانتخابات، للتلاعبات المالية، وأن سبعين في المائة من المقاعد المحصل عليها مشتراة من طرف الذين سيتحكمون في المستقبل)) (جريدة ليبيراسيون. عدد 9 أكتوبر 2015)، ثم ((طالب بإلغاء مجلس المستشارين)) (الأخبار عدد 5 أكتوبر 2015).

   وحتى قبل فتح سوق شراء المدن(…) والتحكم في مصائر الأقاليم، كان الأولياء الحقيقيون، يتدربون على الأسلوب الجديد في حكم المغرب(…) عبر نموذج رجل قوي في كوليمين، استطاع بقوة نفوذه، أن يدفع بوسائله الخاصة، إلى توقيف والي الإقليم الحضرمي، لتبقى الشاحنات التي يملكها “سيدي بنعيسى كوليمين” تعبر طرق تهريب البنزين من المناطق الصحراوية، إلى المناطق الأخرى، ورجال الدرك المراقبون، يديرون رؤوسهم تفاديا لمشاهدة تلك الشاحنات، المحملة بالبنزين المدعم. والأموال المحصلة، تخصص لشراء الأراضي الشاسعة مثلما اشترى سيدي بنعيسى مدينة مكناس من عند السلطان مولاي إسماعيل.

   ويجرنا الحديث عن رجال الدرك، المسؤولين عن الأمن الوطني في الأقاليم، إلى الجرأة النادرة لأحد الأقطاب الذين على بالكم(…)، وكان هذا المسمى العربي المحارشي، وهو من أقطاب الحزب الذي كان يسمى الحزب المدعوم من الملك(…) حزب الأصالة والمعاصرة، ينزع القفازات من يديه، ويمسك بخناق جهاز الدرك الملكي(…) ليقول في تجمع حزبي: ((إني أتوفر على تسجيلات مصورة لبعض رجال الدرك، ورجال السلطة وهم يبتزون(…) مزارعي الكيف ويأخذون الرشاوي بيد، ويحررون مذكرات البحث باليد الأخرى)).

    ورغم أن صيغة هذا الاتهام الخطير، تطعن في الصميم مؤسسة وطنية كبرى، فإن بين سطورها، تلميحات صريحة إلى ابتزاز مزارعي الكيف، الحشيش، الذين سبق للرئيس الجديد للغرفة الثانية في البرلمان، أن طالب من على منصة المجلس التشريعي(…) بإلغاء القوانين التي تعاقب مزارعي الحشيش، لتضيف يومية “الصباح” أن أوامر صدرت بفتح تحقيق، وأن هذه الاتهامات، استنفرت وزير الداخلية، وقائد الدرك الملكي، وأنه تم اعتبار تصريحات المحارشي، تحريضا على الثورة على رجال حسني بنسليمان، ودعوة إلى العصيان، لتؤدي هذه الاتهامات، ومعاقبة صاحبها(…)، إلى رفع درجة برلماني الأصالة والمعاصرة المحارشي والذي ترقى من درجة نائب في البرلمان، إلى رئيس المجلس الإقليمي لمدينة وزان، ومن يدري، فقد يبدأ مهامه بطرد رجال الدرك من الإقليم خصوصا بعد أن أصبح ساعدا أيمنا، لرئيس المنطقة الريفية كلها، إلياس العمري الذي، بمقتضى التشريعات المخططة لسياسة الجهات(…) أصبح الرجل القوي في منطقة الريف التي أضيفت إليها، في المخطط المرسوم(…) مدينة الحسيمة التي كانت من قبل تابعة للناضور تكريسا لإمارة عبد الكريم الخطابي، الذي لم يستطع بالحرب ضد إسبانيا وفرنسا إنجاز ما أنجزه العمري، حيث لم يبق الريف مرتبطا بعاصمته أنوال، وإنما أصبح الكبار الراغبون في المناصب والولايات(…) يحجون بسياراتهم ومواكبهم، والكباش المقدمة كقرابين في عيد الأضحى، عند كعبة “دوار أمنود”، مسقط رأس القطب إلياس العمري، رغم أن عدد سكان هذا الدوار، لا يتعدى عدد سكان ثلاث عمارات من عمارات مدينة طنجة، حيث لا يرجع الفضل في صناعة الأغلبية المبررة للحكم، لا إلى نضال سياسي، ولا صراع تاريخي، ولا مجد عسكري، بل الفضل كله يرجع إلى الجيل الجديد، من أثرياء الريف(…) والاجتماعات السرية والاتفاقيات الشبه علنية، على كراسي مقهى الجزيرة في تطوان، حيث تبادل الأصالة غرامياتها مع حسناء المعاصرة.

   وما بين فلسفة المسمى “شعو”، وهو هارب في هولندا وضمانة المليون درهم التي أخبرتنا جريدة المساء (عدد 15 أكتوبر 2015) أن المسمى “سعود” (النائب الأول لإلياس العمري، كان رهن الاعتقال بتهمة النصب(…) وحصل على حريته بدفع ضمانة مائة مليون)، وما يكشف أن المخطط مدروس، فإن إدارة حزب الأصالة، أبعدت واحدا من أقطابها، “المتيوي”، من رئاسة الشاون، لتضع محله منتم آخر لنفس الحزب، ضمانا لهيمنة أكثر على إقليم شفشاون.

  مخطط ضخم معقود بالتأكيد على مستوى توسع فيه الكاتب العوني (الأسبوع عدد 17 شتنبر 2015). وها نحن مساء تكريم الولاة ورؤساء الأقاليم الجدد ومساء الأحد الأخير (18 أكتوبر 2015) نشاهد رئيس فرنسا هولند، غاضبا أمام كاميرات الصحفيين وهو يتفحص أطنان الحشيش التي ضبطها البوليس الفرنسي في قلب باريس، ونشرت القنوات التلفزيونية خريطة طريق تلك الأطنان، من المغرب إلى باريس.

  ورحم الله الكاتب الفرنسي مارتن، الذي عاد بنا إلى زمان مشابه(…) تحدث فيه عن أقوام الزمن، الذين فتحت تصرفاتهم أبواب المغرب للاحتلال سنة 1903: ((حيث كان الأقطاب المحليون، رغم أنهم تحت حكم الشيخ والمقدم، فإنهم يعيشون أمراء حقيقيون، وولاة مستقلون(…) حتى وإن لم نعطهم هذا اللقب، وها هو بوحمارة يحكم من تطوان إلى تازة إلى الريف حتى أعطاه الإسبانيون تسهيلات جمركية للتعامل مع مليلية)) (أربعة قرون من تاريخ المغرب. الضابط مارتن).

  ورحم الله الملك الحسن الثاني، وكان يتعامل مع مخططات الجهوية(…) بحذر واحتياط، لأنه يعرف، أن الفتنة لازالت معششة في عقل كل مغربي يمسك بأطراف النفوذ، وخاصة النفوذ الجهوي، “الكلاوي والمتوكي والكندافي”، مثلما الانفصال معشش خلف بعض العقول، مهما كانت سلامتها، فأصر رحمه الله على رسم الخطوط الحمراء، وكأنه يؤشر بإبهامه والسبابة: ((عليكم أن تدرسوا الجهات أكثر، وتكونوا على بال من جهتكم(…) حتى تكونوا على اطلاع تام بما لديكم من وسائل(…))) (31 مايو 1974).

((لابد من تشكيل لجنة وطنية من أكثر عدد من النزعات والجهات والمستويات للاتفاق على النص الجديد لقانون صلاحيات هذه المجالس، فذلك هو الجهاد الأصغر.

  وعلى الأقل(…) ستعرف السلطة المركزية في الرباط أن فلانا هنا، وفلانا وفلانا.. هناك، هي أطر صالحة، سيسيرون الأمور على المستوى)) (10 يوليوز 1975).

  وإذا كان مفكرونا(…) المقررون، والشك مشروع في كل مخطط لا يناقشه ذوو التجربة، قد انساقوا مع الربط بين أقرب حل(…) لقضية الصحراء، وأن الحكم الذاتي سنمنحه للجهات، حتى يكون مقبولا في الصحراء، فإن الأب المطلع، الحسن الثاني، سبق لإعطاء رأيه في موضوع الصحراء التي هو قطبها، وكان صريحا صارما وقال: ((يلزمنا أن لا نقدم، بمجرد دخولنا للصحراء، على أن نطبق على أولئك الناس(…) القوانين التي نطبقها في طنجة أو مراكش)) (10 يوليوز 1975).

  ثم إن هذا الدستور، الذي نجعل منه منطلقا لحتميات، قد تمهد لخطر انفصال بعض الأقاليم(…) وقد أصبحت ملكا(…) لبعض أقطاب معارضين، كانوا إلى الأمس القريب، يدعون إلى الانفصال وكثير منهم دعوا إلى سقوط النظام(…) وفيهم من صرح علنا برفضه لطقوس الولاء من قبيل تقبيل اليد العليا(…) هو دستور ليس إلزاميا، على الشعب كله، أن يتحمل أعباءه، وها هو المفكر عبد الله العروي، أحد الشهود على العصر يكتب: ((أمام ظاهرة النفوذ الإسلامي(…) يطرح هذا المفكر(…) سؤالا طرحه قبلهم الإخوان المسلمون، ومن تأثر بهم أمثال الزعيم علال الفاسي(…) وهم يتساءلون: لماذا لا يكون الدستور عندنا إسلاميا، لأن اصل فكرة الدستور أي دستور، منبثقة من التعاليم المسيحية(…) أما الليبرالية، فأنا أفضل تسميتها بكلمة نفعية)) (عبد الله العروي. خواطر الصباح).

حذار إذن، أن تتحول الجهوية إلى فوضوية أو انتهازية.

(الأسبوع عدد 22 أكتوبر 2015)

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!