في الأكشاك هذا الأسبوع
ناصر بوريطة و عبد القادر مساهل

ملف الأسبوع | مفاوضات سرية بين الجزائر والمغرب

إعداد: عبد الحميد العوني

تأييدا لسحق حراك الريف وتعديل مبادرة البوليساريو

 

بدأت اتصالات سرية بين المغرب والجزائر فور مغادرة رمطان لعمامرة لوزارة الخارجية في الجارة الشرقية، وكان لقاء 29 ماي 2007 بين ممثلي البلدين في الأمم المتحدة، إيذانا بأن توجيه الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا هولاند في 2 مايو الفارط، قد “أخذته العاصمتان على محمل الجد” خوفا من إشعال منطقة القبايل بعد حراك الريف.

ودعمت دوائر القرار في الجزائر “إجهاض الاحتجاجات في شمال المملكة” وبدعم من المخابرات الخارجية الفرنسية التي عين إيمانويل ماكرون سفير بلاده في الجزائر بيرنارد إيميي في قيادتها لإنجاح هذه الخطوة، فيما قرر بوتفليقة إبعاد رئيس حكومته، عبد المالك سلال وتعويضه برجل اقتصاد، عبد المجيد تبون، لخفض التوتر مع المغرب وبداية حوار يبدأ من المساعدة على حل قضية الصحراء.

وقبل محمد خداد، عن جبهة البوليساريو، في تصريح صحافي، أن تكون الجزائر “مفاوضا استراتيجيا” من خلال مفاوضات مع المغرب، لأن مبادرة البوليساريو التي اعتمدها مجلس الأمن، جعلتها الأمم المتحدة على قدم المساواة مع مبادرة المغرب، ويريد أمينها العام، تركيبهما لإعلان مبادئ لا يشمل كل مصالح الجزائر، مما استدعى الحوار مع المغرب، تقول وثيقة لبرنارد إيميي، أهلته للوصول إلى رئاسة المخابرات الخارجية الفرنسية، لمواصلة هذه الجهود ورغبة الدولتين الجزائرية والمغربية في التوصل إلى “صفقة” واسعة بتعبير الوثيقة.

 

+++ الجزائر تتخلى عن صقورها في الخارجية والمخابرات لحوار متقدم مع المغرب

 

جاء إعلان الحوار حول الصحراء من جريدة “لاكروا”(1)، لتؤكد المصادر حدوث اتصالات أهلت لمفاوضات جزائرية مغربية يوم 29 ماي الماضي، وجاء مقال ماري فيرديي حول التعاون لتأمين طرق الهجرة لأنها طرق السلاح(2) كاشفا للإجراءات التي اقترحها سفير فرنسا في الجزائر والذي غادر يوم عيد الفطر لرئاسة المخابرات الخارجية، وقد دافع بقوة في حواره في “الشروق تي. في” عما قدمه للعلاقات الجزائرية ـ الفرنسية، وتأهيل المنطقة إلى حوار استراتيجي يبدأ أمنيا، لأن التخوف الفرنسي، قائم على انزلاق محتمل لمشكل الريف نحو العنف وإشعال القبايل، لذلك، فإن التنسيق لمنع هذه الخطوة يأتي من طرق السلاح، وجاء الإفراج الوحيد في حراك الريف، عن سلفي توفي والده اتهمته السلطات في ما سبق بالإشادة بأعمال إرهابية.

وتقيس الأجهزة الأمنية التطورات من خلال علاقات السلفيين بحراك الريف الذي ينزلق مما يسمى “الانفصال” إلى اتهامات بـ “الإرهاب”.

وتدخلت إسرائيل لدعم التطبيع الجزائري المغربي ضد الريف، كي لا تستغله التنظيمات الجهادية، وعبر عن هذا الخوف مركز “أوشليم للشؤون العامة” في تصريح الكولونيل الإسرائيلي، جاك نيريا، الذي قال: “لابد من نسف الاحتجاجات والسيطرة على الريف، وتهدئة مشاعر المحتجين”.

وتساند الجزائر المجهود الأمني للمغرب في سحق حراك الريف كي لا ينتقل إلى القبايل، كما أنها تساند “تعديل” مبادرة البوليساريو الموجهة إلى مجلس الأمن لحل قضية الصحراء.

وتخلى بوتفليقة دفعة واحدة عن كل صقوره في الاستخبارات وفي الخارجية، حين أبعد رمطان لعمامرة، وفي رئاسة الحكومة عندما طلب من عبد المالك سلال الخروج من دائرة القرار، لأن هذه المرحلة لا تقبل المشاداة مع المغرب، لأنه اختار أن يكون محايدا، وبدا موقف الرباط واضحا في القمة العربية الأخيرة في العاصمة عمان، وأيضا في قمة ترامب والدول العربية الإسلامية في الرياض.

وجاء دعم بوتفليقة للمغرب، لدعم موقف بلاده المماثل لخلق كتلة ثالثة في العالم العربي، يتقدمها الجزائريون والمغاربة.

وأتت أزمة حصار قطر، لتأكيد العاصمتين الجزائر والرباط على هذا الموقع، ولتعزيز موقف بلاده إلى جانب المغرب، تحفظ بوتفليقة مؤخرا على شراء أسلحة أمريكية بعد موافقة الرئيس الأمريكي ترامب على بيعها للجزائر، لإبعاد سيناريو الحرب الشاملة، وطالب بقطع التغطية على جنود البوليساريو في نطاق “الكركرات”، ورفض أي تسليح للجبهة.

وشجع على هذا الانفراج، تنازل المغرب قانونيا ونهائيا على أي مطالب في الصحراء الشرقية، لتوقيعه على كل من ميثاق الاتحاد الإفريقي وباقي الاتفاقيات ذات الصلة، في الاجتماع الوزاري الأخير.

ويأتي تحدي التعاون الجزائري ـ المغربي المتسم بالحياد، بين المحورين المتصارعين: الرياض ـ قطر والسعودية ـ إيران، في الموضوع الليبي لمنع أثاره على أمن البلدين، وهذا الوضع الغريب من “صوملة” ليبيا، إلى جانب الضغط المالي على النظامين في المغرب والجزائر، بفعل مطالب لتمويل عاجل لمشاريع منطقة الريف وتراجع أسعار النفط في الجزائر، يشكل عاملا ضاغطا لحوارهما، ويعرف النظامان، أن أي حراك مطلبي واسع، يهددهما، نظرا لصعوبة المساس بآليات الدولة المطبوعة بالفساد، وعدم نجاح الحكومتين في الاستجابة لمطالب الشارع الاقتصادية.

وحضور الاقتصاد في تعويض رئيس الحكومة الجزائري عبد المجيد تبون لعبد المالك سلال وإبعاد رمطان لعمامرة لمنع التصعيد ضد المغرب، إشارتان مهمتان، حيث لا يريد أي طرف في ظل الظروف الاقتصادية الاستثنائية للبلدين، التورط في إغراق الطرف الآخر بالمهاجرين السوريين أو جنوب الصحراء، بعد قبول الرباط استضافة 50 سوريا كانوا عالقين على الحدود، وقبلت الجزائر قبلا بعودتهم عبر معبر حدودي إلى أراضيها.

ويعرف الجزائريون أن إغلاق حدودهم مع المغرب، ساهم في خنق اقتصاد الريف، لأن المسألة لم تعد قائمة على من تعود إليه المسؤولية في إغلاق 1553 كيلومترا أو اعتذار المغرب(3)، بل في محاصرة التهديد الذي يمس أمن المملكة، ولم ترغب الجزائر في تغيير الأنظمة في حراك الربيع العربي.

+++ الجزائر تغير طاقمها الدبلوماسي بعد تغيير المغرب لاستراتيجيته في الصحراء، مما سهل الاتصالات لخروج “الصقور” من وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء

 

غيرت الجزائر طاقمها، وغير المغرب استراتيجيته في الصحراء، و”لا أحد يريد المواجهة في هذه المنطقة” كما تقول “لوموند” الفرنسية(4)، ففضلت الأطراف البدء باتصالات جزائرية ـ مغربية تسبق مفاوضات المغرب والبوليساريو، والجمود لا يفيد المغرب، فحالة “اللاحرب واللاسلم”، عائق في وجه الطموحات الاقتصادية للمملكة في القارة السمراء، كذلك، فإن حالة الاحتجاجات في الريف عرقلة لهذه الطموحات التي يدفع ثمنها الفقراء، وفي دعم الدولة للشركات المصدرة والمنتجة في الخارج، وزاد الأمر تعقيدا برفع دعاوى لحجزها صادرات فوسفاطية على العموم من ميناء العيون بعد قرار محكمة العدل الأوروبية التي تفصل قانونيا بين الصحراء والمغرب.

وهذه الحرب الاقتصادية تخنق المغرب وتدفعه للتفاوض بنفس القدر الذي تتخوف فيه الجزائر من انتقال المواجهة مع أمازيغ الريف إلى مواجهة محلية في القبايل، في أجواء تراجع فيها ثمن برميل النفط.

ويعتقد المراقبون الغربيون، أن المغرب لم يرد أن يذهب إلى آخر المطاف في قضية الصحراء، فأنجز أنبوب الغاز النيجيري ـ المغربي دون إثارة مشكل الصحراء، ولا يختلف الوضع مع الجزائر بعد زيارة قام بها في وقت سابق رئيس المخابرات الخارجية، ياسين المنصوري إلى جانب ناصر بوريطة، وزير الخارجية الحالي.

ومن الطبيعي أن تكون خارطة الغاز في إفريقيا دافعا لحوار جزائري ـ مغربي، فهو الذي دفع العاصمة الرباط إلى “الحياد البناء” في أزمة قطر، ويؤسس لتحييد مشكل الصحراء عن العلاقات الثنائية الجزائرية ـ المغربية.

يقول عبد الرحمن مزيان شريف، وزير الداخلية الجزائري السابق: “إن المفاوضات مع المغرب، ممكنة، فيما تتراجع الجزائر في مشاريعها الاقتصادية في القارة، لأن مشروع نقل الغاز النيجيري ـ الجزائري لا تواجهه مشكلة أمنية(5)، فيما وافق البنك الإفريقي للتنمية على تمويل المشروع المغربي”.

وإن كان الجانب الأمني والاقتصادي دافعان لنجاح المفاوضات الجزائرية ـ المغربية، فإن رعايتها من المخابرات الخارجية الفرنسية برئاسة سفير فرنسا السابق في الجزائر بيرنارد إيميي، الذي يرأس حاليا هذه المخابرات، قد تساهم في التطرق إلى كل المواضيع الثنائية.

+++ برنارد إيمي يسعى لبدء محادثات جوهرية بين الجزائر والمغرب كما اقترحها سفير فرنسا في الجزائر، ويدعم هذا المسار في رئاسته للمخابرات الخارجية

 

عين الرئيس ماكرون مؤخرا السفير في الجزائر منذ 2 غشت 2014(6) برنارد إيميي لرئاسة المخابرات الخارجية الفرنسية، وهو حسب “لو فيغارو”، رجل التوافقات والاتفاقيات، وقد اشتغل على القضايا الحساسة وفي السفارات الحساسة(7): بيروت (2004ـ2010)، لندن (2011ـ2014)، والجزائر (2014) إلى حين تعيينه على رأس المخابرات الخارجية لبلاده.

واقترح برنارد إيميي محادثات جزائرية ـ مغربية “على أي مستوى” من أجل توحيد جهود فرنسا في المنطقة، ومنع الحرب المغربية ـ الجزائرية التي تعد مهمة فرنسا حاليا.

ولا يطمح إيميي إلى قمة جزائرية ـ مغربية، بل إلى الاتفاق على ملفات للعمل عليها، ويعرف أن حواره مع البوليساريو لا يختلف عن حوار سابق له مع “حزب الله”، لكن هذه المحادثات لم تشجعها وزارة الخارجية الفرنسية.

وقصد المدير المعين لجهاز المخابرات الفرنسية، أن يظهر في آخر حوار له، في مكتبه بالسفارة، وإلى جانبه صورة له مع بوتفليقة، وهو السفير الذي حضر كل اللقاءات التي عقدها الرئيس الجزائري و”السفير الأجنبي الأكثر رؤية لشخص بوتفليقة” بنص برقية وزارة الخارجية الأمريكية.

وعاش برنارد إيميي لحظة إعفاء الوزير سلال من رئاسة الحكومة، ورمطان لعمامرة الذي اعتبر ماكرون صديق الجزائر، لأن الرئيس بوتفليقة يفضل الحوار مع المغرب في هذه المرحلة، وأن المغرب لديه هذه الفرصة، لعدم عودة “الصقور” مرة أخرى إلى دائرة الحكم.

يقول موقع “كل شيء عن الجزائر”: “إن دفاع برنارد إيميي عما قام به في الجزائر في قناة الشروق تي. في، يكشف إلى أي حد يرغب في مواصلة نفس النهج من طرف السفير القادم لبلاده في الجزائر، لأن الفرصة الاقتصادية ذهبية بالنسبة للاستثمار الفرنسي في الجزائر بعد شركة رونو وهران، ومصنع الأجبان والصيدلية(8)، فيما قرر العودة الثقافية للفرنسية عبر ثانوية ألكسندر دوما في العاصمة وهران خلال هذه السنة، وفي عنابة 2018، وتعزيز دور النخبة الفرنكفونية في الجزائر والمغرب، عامل جدي في نجاح الحوار بين البلدين”.

ويقدم رئيس المخابرات الخارجية الفرنسي هذه التقديرات إلى جانب ما يراه “ملفات حساسة”، وهو مستعد للعمل على 5 جوانب:

أ ـ الحوار مع البوليساريو في الكواليس لتهييء ونجاح المفاوضات المغربية مع الجبهة تحت إشراف الأمم المتحدة.

ولم تقبل إدارة هولاند هذا التقدير، ودعت إلى حوار جزائري مغربي “شامل”، لكن رئاسته للمخابرات الخارجية الفرنسية، تسمح بتطبيق رؤيته كاملة إلى جانب خلق ما يدعوه “الشروط المهيكلة لحوار جزائري ـ مغربي” من خلال اضطرار الدولتين لبدء المحادثات الثنائية.

ب ـ أنه مستعد لشبكة حوار تؤمن مستقبل العلاقات، وسبق له إطلاق رهائن فرنسيين، ومستعد لنفس الخيار إن جرى اختطافهم من الجزائر والمنطقة، وسبق لنفس المسؤول أن شارك في إطلاق رهينتين (جورج ماليرينو وكريستيان شيسنو) في بغداد، بعد 124 يوما من الحجز، وهو الذي “أدار الخلفية” كما يقول الصحافيان في كتابهما “الطريق إلى دمشق: الملف الأسود في العلاقات السورية ـ الفرنسية”.

ومن المهم أن نعرف أن إيميي، لم ينتم يوما إلى المخابرات، لكنه كان الأقدر على إدارة الملفات الحساسة بطريقة عملية، ومنها استيعاب رد الفعل على إقالة بوتفليقة لجنرالات حاولوا الانقلاب عليه، ورفض أن يستثمر المغرب هذا الوضع بدخول “الكركرات” قبل أن تتراجع قواته، ويقبل بحوار حول الإرهاب مع الجزائر، من خلال ياسين المنصوري الذي اعتبر الجارة الشرقية “شريكا صعبا” كما تورد تسريبات “ويكيليكس”.

ج ـ أنه مستعد لدعم حوار جزائري ـ مغربي على مستوى محاربة الإرهاب والاستثمار، وتعديل مبادرة البوليساريو الموجهة لمجلس الأمن، والتنسيق الاستخباري في حراك الريف لمنع وصوله إلى القبايل، إلى جانب ما يدعوه “النقط العشرة” مفصلة، ورفعها مؤخرا لوزارة الخارجية الفرنسية، فالشخص صريح كما علقت الصحافية التركية، كاميليا سولار في “أوجوردوي لا توركي” وقد شغل سابقا، منصب سفير في أنقرة، وقد قالت: “إن صراحته نهج في خفض مستوى التوتر، وذكاؤه يجعله ضمن السفراء العشرة الأوائل للدولة الفرنسية”.

د ـ أن الحوار الجزائري ـ المغربي ناجح إلى الآن عبر فرنسا، ويمكن أن يكون حوارا مباشرا حسب رأيه.

هـ ـ أن قدرة المخابرات الخارجية الفرنسية على التوصل إلى اتفاق جزائري ـ مغربي في مادتين على الأقل من 10 نقط، شيء مؤكد، لكن رغبة باريس في “تعديل” مبادرة البوليساريو للوصول إلى حل لمشكل الصحراء، وإقبار أي دعم مغربي للقبايل، بعد تأكيد أحد دبلوماسيي المملكة على طرح المشكل على صعيد الأمم المتحدة، وأتى الرد الجزائري في حراك الريف داعما لما قرره القصر، إلى جانب المقاربة الأمنية الجاري بها العمل لمواجهة ما يقع في مدينة الحسيمة ونواحيها.

وسيكون الوضع قابلا للسيطرة بخصوص دخول جماعات متطرفة على الخط، وتعاونت الجزائر مع فرنسا في تسليم مضامين بعض المعلومات لعرقلة أي تنسيق بين أمازيغ الجزائر وحراك الريف، وهذه القضية تجمع المخابرات الفرنسية والمغربية والجزائرية، لكن المخابرات المغربية لا تريد أن تخترق هذه القنوات الوسيطة والفاعلة، فاعتقلت باريس ضابطا فرنسيا متعاونا مع مخابرات المملكة.

 

+++ تسليم المعلومات الجزائرية بنسبة 98 في المائة حول حراك الريف خوفا من أي تنسيق مع القبايل

 

أول تحول عرفته فرنسا في عهد القيادات الثلاثة: لورينت نونيز في المخابرات الداخلية، وبرنارد إيميي في المخابرات الخارجية، وبيير دو بوسكيه دوفلوريان في “الديستي”، هو اعتقال ضابط يتعاون مع المخابرات المغربية لإنشاء خطوط حمراء جديدة تعمل على أمرين:

1 ـ أن تكون فرنسا وسيطا “نزيها” بين الجزائر والمغرب.

2 ـ دعم الحوار الجزائري ـ المغربي دون اختراق الدولتين لأي تشكيل من تشكيلات المخابرات الفرنسية، لأن ذلك يعرض مصالح فرنسا للخطر، فـ “الذي يريد عناده على الأرض الفرنسية خاطئ بعد اليوم”، من واقع أن الوجوه الثلاثة، عملوا مع جاك شيراك وقريبون جدا من بعضهم البعض، والتعاون بينهم مؤكد، دون مشاكل تذكر، و”إن لم يعمل إيميي مباشرة مع مخابرات بلاده” تقول “الإكسبريس” الفرنسية(9).

ومن التطورات الفارقة في المشهد الحالي، أن المدير المعين في المخابرات الخارجية الفرنسية، حصل من القيادة الجزائرية على ضمانات الدعم في ما تقترحه من حوار مع المغرب أو موريتانيا، وتسلم كل المعلومات التي حصلت عليها مخابرات الجارة الشرقية بنسبة 98 في المائة بشأن:

1 ـ الريفيين الذين عملوا على الأرض الجزائرية في صفوف التنظيمات الجهادية لمراقبة عائلاتهم والمتعاطفين معهم.

2 ـ مراقبة ردود فعل القيادات القبايلية على تطور حراك الريف.

3 ـ مجموع الاتصالات ذات الصلة مع مضامينها.

ويتخوف النظام الجزائري بشكل كبير من أي تنسيق بين لقبايل وحراك الريف.

وتوصل بيرنارد إيميي إلى اتفاق بين الجزائر وفرنسا لعدم دعم فرحات مهنى الذي يعيش فوق الأراضي الفرنسية في حراك حالي بمنطقة القبايل، لأنه لا يرغب في خسارة الدعم المغربي والفرنسي، فيما يسعى إلى تقديم “بعض المعلومات لوقف نشاطات لا تريد معها السلطات المتعاونة، تكرار الربيع الأمازيغي، أو أن يكون حراك الأمازيغ، حراكا إقليميا يندلع من جبال نفوسة في ليبيا”.

ونجحت المخابرات الفرنسية في عزل ليبيا عن القبايل وعن حراك الريف، ولدى برنارد إيميي، الفضل في قناعة الجزائريين بعزل القبايليين عن حراك الريف.

ويتأكد مما يجري أن:

ـ المخابرات الفرنسية تريد دعم حوار مغربي ـ جزائري، ودائما داخل علاقة ثلاثية مغربية ـ جزائرية ـ فرنسية، فمنذ عملية “إيبيرفيي” التي طالب القذافي بمشاركة جنود جزائريين إلى جانبه، وقاموا بدورهم على أكمل وجه، لم يعد هناك مانع من مشاركة الجزائر في عمليات خارج حدودها، وحاليا قطعت التواصل الميداني بين لقبايل وحراك الريف مباشرة فوق الأراضي الأوروبية، ولم تسمح باريس بعمل المخابرات المغربية أو الجزائرية لاختراق الجاليات الأمازيغية في دول الاتحاد الأوروبي، واعتقلت ضابطا فرنسيا وطردت آخر لتعاونهما مع المخابرات المغربية أو الجزائرية.

ومن المهم في نظر إيميي، اللعب على تناقضات الجزائر والمغرب لمنع لعبهما على تناقضات الأجهزة الفرنسية.

ولا يتذكر الجزائريون من كتاب، نوفل الميلي، سوى الصفحة 322 كما ورد في جريدة “الوطن” الجزائرية، فمباشرة بعد لقاء الرئيسين، الشادلي وميتران عام 1981، انتهى عرض الرئيس الفرنسي للجزائر ببيع “رادارات طومسون”.

وشكلت هذه القضية انقساما بين تيارات الحكم في العاصمة الجزائرية(10).

وهذه المعلومة، صدمت الشارع المغربي الذي عرف أن ميتران، عندما باع للملك الحسن الثاني طائرات “الميراج”، عرض على الجزائر “رادارات طومسون” لإسقاطها، فالفرنسيون يدافعون عن مصالحهم إلى أبعد نقطة، وجاء برنارد إيميي ليتحدث عن نقل الحوار غير المباشر بين الجزائر والمغرب إلى حوار جزائري ـ مغربي بإشراف أو قيادة فرنسية.

وتريد باريس التحكم في الخلفية، فيما تريد توقيعا على تفاهماتها بشكل علني، وملزم، ولا تكون قيد السر، فالمسألة تتعلق حاليا بأمن داخلي يمكن أن يعبث فيه الجار، ولا يمكن أن تترك باريس اللعبة مفتوحة دون كوابح.

وفي هذا الإطار، يجد إيميي أن دعمه لمحادثات جزائرية ـ مغربية يخدم:

ـ دعم المغرب ضمن الحياد الإيجابي في أزمة قطر، فبناء الجزائر والمغرب لكتلة داعمة في الشرق الأوسط، يخفف من حصار السعودية للدوحة، ويساهم أيضا في “تحييد” إيران عن الجزائر، وناقش ماكرون في العاصمة الرباط، مستوى التنسيق الجزائري ـ المغربي الداعم لقطر والمخفف للصراع الخليجي ـ الخليجي.

وتقدم باريس نفسها في هذا الوضع، على أساس أنها قادرة على تحييد دور إيران في المغرب العربي، لأن دعم حوار جزائري ـ مغربي في كتلة عاملة في الشرق الأوسط، وبدعم فرنسي، يسهل قول العاصمة الرياض بأن باريس، استطاعت عزل تأثير طهران في شمال إفريقيا.

 

+++ المخابرات الخارجية الفرنسية تدعم حوارا مغربيا ـ جزائريا لدعم “الحياد الإيجابي” للدولتين، وتقديمه على أنه “تحييد لإيران عن المنطقة المستعمرة سابقا من فرنسا”، تسويق لباريس في علاقتها مع الرياض، وتدعم السعودية جهود الرئيس إيمانويل ماكرون

 

يكاد الرئيس الفرنسي، أن يكون جازما في مسألة الحوار الجزائري ـ المغربي، وأتى برنارد إيميي لتحقيق الشروط الكفيلة بإطلاق جولات عميقة وحاسمة تدعم حسابات فرنسا في المنطقة، من واقع تسويق باريس لهذا العمل على أنه “تحييد” لدور إيران في شمال إفريقيا وعدم السماح لها بقاعدة الانطلاق من ليبيا، بدعم روسيا.

وتحاصر باريس هذا السيناريو، وتضع العاصمتين، الجزائر والرباط، في تقدير واحد لصالح الحياد الإيجابي للبلدين في أزمة قطر، وباقي أزمات المنطقة.

ويساند ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ما يسمى القدرة الفرنسية الجديدة على العمل من أجل منع أي حوار إيراني مع شمال إفريقيا.

ويعتمد ماكرون كليا على برنارد إيميي في إنجاز هذه المهمة من إرادته تحويل الجولات غير المباشرة والرسائل المتبادلة، إلى واقع جديد في علاقات الجزائر والمغرب.

و”الأفق المنشود، هو تجاوز العداوة بين الجيران المغاربيين، ومواجهة المشاكل الكبرى: الإرهاب والتقلبات الاقتصادية” كما تقول مجلة “لوبوان”(11).

وبعد حراك الريف في المغرب، وتراجع برميل النفط في الجزائر، يتقدم الاقتصاد على السياسة، ويمكن من هذه البوابة، بدء حوار لفتح الحدود المغلقة بين البلدين.

ويؤكد إيميي، أن “الفرصة والحاجة، ترسمان الحوار الجزائري ـ المغربي” الذي لم يعد مهتما بالحدود، بل بمناقشة تحديات النظامين في مواجهة حراك اجتماعي لديه مطالب اقتصادية قد تتحول إلى صدامات عرقية في أي لحظة، وهو ما تحذر منه تل أبيب بعدما عزلت مطالب البوليساريو عن باقي المطالب الأخرى، منذ قرر ديوان نتنياهو، الاتصال بإبراهيم غالي، واحتج المغرب على لقاء الوزير، أيوب قرة، برئيس البوليساريو، إلى جانب حوارات سابقة مع عبد القادر طالب عمر، “الوزير الأول” في حكومة الجبهة.

وتؤيد إسرائيل الجهود الإقليمية لعزل البوليساريو عن الحركات العرقية في القبايل والريف، أو استغلال الحركات الجهادية للاحتجاجات في الريف المغربي أو باقي مناطق التوتر، وهو ما وافق عليه تقرير إيميي، لخوف باريس من لقاء “القاعدة” والأمازيغ المتطرفين، كما حدث مع “أنصار الدين” و”الجماعات القومية” في أزواد شمال مالي.

واختراق “القاعدة” لمطالب القوميين الأمازيغ، ظاهرة متوقعة، وتحركت قوات خاصة جزائرية نحو الحدود مع المغرب لمنع هذا السيناريو، كما نشرت في وقت سابق، 3000 جندي من قواتها في الوحدات: 6 و3 و4 في ولاية بيسكرة، تمنراست، غرداية، بشار وأدرار، بطلب فرنسي لدعم جهود باريس في شمال مالي.

ويساهم عدم تحفظ بوتفليقة على الخطوات الفرنسية بشكل واسع، في إنجاح رغبة ماكرون في حوار جزائري ـ مغربي.

+++ خارجية فرنسا تدعم اتفاق الجزائر على تعديل مبادرة البوليساريو الموجهة إلى مجلس الأمن، بعد اعتمادها قاعدة مشتركة إلى جانب المبادرة المغربية لإعلان مبادئ، وهو ما دفع الرباط إلى تأجيل موافقتها على المبعوث الخاص، الألماني كوهلر الذي اقترحه الأمين العام للأمم المتحدة

 

بين دعم فرنسا لحوار جزائري ـ مغربي من أجل تعديل مبادرة البوليساريو للوصول إلى إعلان مبادئ إقليمي توافق عليه كل الأطراف، وبين مواصلة الحوار غير المباشر، يفضل برناد إيميي حوارا مباشرا تغطيه فرنسا بين الجزائر والمغرب لحل مشكل الصحراء.

ولعبت فرنسا على إقحام الجزائر وموريتانيا في المفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة لسحب قبول مجلس الأمن اعتماد مبادرة البوليساريو على قدم المساواة مع مبادرة المملكة.

وحاليا، تنظر فرنسا إلى ضرورة الوصول إلى حد أدنى من التفاهم بين الأطراف في قضية الصحراء قبل انطلاق الجولة المرتقبة بين المغرب وجبهة البوليساريو تحت إشراف الأمم المتحدة.

يقول الفرنسيون عن المغرب، أنه “حليف أساسي”(12) كما جاء في ورقة موجهة للنواب الفرنسيين في البرلمان الأوروبي، في القضية التي عرضتها جبهة البوليساريو على القضاء (محكمة العدل الأوروبية).

وحاليا، يقترح رئيس المخابرات الخارجية الفرنسية، وقف المتابعات القضائية بخصوص فوسفاط بوكراع استنادا إلى قرار محكمة العدل الأوروبية في مقابل الدخول في جولات التفاوض المغربي مع البوليساريو، فالمغرب لن يوافق بسهولة على أي اسم لمبعوث خاص للأمين العام لقضية الصحراء.

وتريد الرباط، بدعم فرنسي، الوصول إلى اتفاق مع الجزائر لإطلاق جولة جديدة من المفاوضات بين المغرب والبوليساريو تكفل للأمم المتحدة إعلان مبادئ يجب أن يحترم “مصالح الجزائر”، والمغرب مستعد، وبضمانات فرنسية، للوفاء بهذا التعهد الذي يخدم مصالح الرباط.

ومعلوم أن فرنسا، ضمنت حدود ونفوذ الدولتين ـ الجزائرية والمغربية ـ منذ استقلالهما، وحاربت باريس ابتلاع أي من الدولتين لجارتها، فعارضت عملية “أبريل 1961” التي قادها الجنرال، شال، مع أربعة آخرين من حلف الأطلسي، كما يورد تفاصيلها كتاب “الجيوش السرية للحلف الأطلسي”(13)، وكادت أن تعطي امتيازا للجزائر، ولا يمكن في تقسيم الخرائط الحالي بين الدول، (تسليم مصر جزيرتي تيران وصنافير للسعودية وكان ثمنه قبول الرياض باتفاقية كامب ديفيد) عدم الوصول إلى حوار مغربي ـ جزائري لحسم خارطة الحدود بين البلدين، والتي مال فيها نيكولا ساركوزي، الذي رباه زوج أمه، مؤسس “كلاديو”(14)، وأراد إحياء تقسيم الصحراء بين المغرب والجزائر دون السماح بوجود كيان “مستقل” على الجزء الجزائري، واقترح الجزائريون “كونفدرالية” بين الكيانين: المغرب وإقليم الصحراء.

وتوقفت محادثات ساركوزي غير المباشرة، التي قادتها فرنسا بين الرباط والجزائر العاصمة، وانتقل مشكل الحدود إلى مشكل جيوسياسي(15) أغلقه المغرب قانونيا بموافقته على ميثاق الاتحاد الإفريقي ومصادقة برلمانه عليه.

وبعد هذه الخطوة، نزلت فاتورة المرور عبر الحدود المغلقة بين الجزائر والمغرب من 40 يورو إلى 20 يورو، لكن التحديات الأمنية زادت، لأن الاحتجاجات في الريف اندلعت بقوة إلى جانب اندلاع أزمة “الكركرات”، وبقيت الرباط تعيش على التوترين، وتوتر آخر في أزمة تشكيل بن كيران لحكومته، قبل أن تقرر الرباط إغلاق الواحد بعد الآخر.

وبإغلاق قوس أزمة الريف، تريد المملكة أن تشرع في مفاوضات مع البوليساريو، ولا يمكن بدء جولة جديدة من المفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة، وحراك الريف يرفع علم جمهورية عبد الكريم الخطابي، وقالت فرنسا: “لا نريد للجزائر أن تدعم المغرب في وقف احتجاجات الريف، بل أن تبدأ حوارا مع المغرب”، وقبل بوتفليقة بالأمر، قبل أن يغادر السفير إيميي العاصمة الجزائرية ليدير المخابرات الخارجية الفرنسية.

هوامش:

  1. Le dialogue reprend l’avenir du Sahara, marie verdier, la croix 2/5/2017.
  2. Algérie – Maroc, nouvelles passes d’armes sur les migrants, marie verdier, la croix, (25/4/2017).
  3. Algérie – Maroc: 20 ans après, les frontières plus fermées que jamais le matin d Z (24/8/2014).
  4. Le Maroc est en train de modifier sa stratégie sur le Sahara occidental, le monde, (8/3/2017).
  5. Gazoduk – Maroc – Nigeria: un ancien ministre algérien demande des comptes aux responsables du fisco du transsaharien ,360.ma (23/05/2017).
  6. Jorf n° 177 du 2/8/2014, texte n° 50.
  7. Bernard Emié, un spécialiste du proche orient à la DGSE, Alain Barluet, le figaro (7/6/2017).
  8. Bernard Emie défend son bilan d’ambassadeur de France à Alger, Zahra Rahmoun, TSA-Algérie (23/6/2017).
  9. DGSI, DGSE, contre terrorisme, les nouveaux visages du renseignement français irisperon, l’express, (8/6/2017).
  10. Des relations bonnes sous le sceau du secret et quand elles son publiques, EL WATAN, (28/6/2017).
  11. Le point; (08/06/2017).
  1. Maroc, Sahara, Algérie, cette note secrète du Quai d’Orsay, Afrik.com (22/3/2017).
  2. Les armées secrètes de l’OTAN, 7 chapitre, éditions lune 2007.
  3. Extrait de gentile, Gladio, p: 24, agence associeted press, (13/6/1990).
  4. Les frontières Algèro – marocaine, étude de géographie politique de la fermeture et les échanges transfrontaliers. la revue géopolitique.doploweb.com.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!