في الأكشاك هذا الأسبوع
صورة ليست من القرون المخزنية، وإنما لأحد الولاة الذين نصبهم السي لفتيت، صاحب فكرة هيبة المخزن، والصورة للوالي الجديد الكروج، في الجديدة، بعد تنصيبه في الأسبوع الماضي. هذه هي الهيبة وإلا فلا.

الحقيقة الضائعة | وزير الداخلية يتحدث عن هيبة المخزن

الحواص نموذج من نماذج رجال المخزن

بقلم: مصطفى العلوي

   عندما كان وزير الداخلية، السي لفتيت، ينصب الوالي الجديد للرباط، المهيدية، كان الحاضرون من منتخبين وأطر وحزبيين، يتبادلون بين أناملهم، “واتسابات” عن ملياردير بوسكورة، الحواص الكبير، وهو يرقص بقالب السكر على رأسه، بينما توصل واحد من الحاضرين بـ “واتساب” آخر من الصحفي مصطفى الفن، كتب فيه معلقا على الحواص والسبعة عشر مليارا: “سرقوا فأكلنا ونسرق فيأكلون”.

   هنا أطلق وزير الداخلية الجديد العنان لمهامه ليذكر الحاضرين ((بحتمية حضور وهيبة الدولة، لأن هيبة الدولة مرتبطة بهيبة ممثليها)) علما بأن حواص الملايير كان من بين ممثلي هؤلاء المهابين(…) في البرلمان. شيء يبعث على الغثيان والتيهان، لأنه صورة طبق الأصل للأسلوب المخزني، كما كان العمل جاريا به قديما، وكما نرى أنه يجري حديثا (انظر الصورة)، ونحن المتعودون على الهيبة، نتيه قليلا في حلقة اليوم لـ “الحقيقة الضائعة” في نموذج من نماذج الهيبة منذ زمن المخزن.

  من جملة الأسرار التي تم إخفاؤها عن الرأي العام المغربي، تفاصيل ضخامة المخزن، وتجاوزات أساليبه، لتتحول إلى مصاعب للسلطان نفسه، وحيث أن أقطاب المخزن، وعلى رأسهم أقرب الناس وأكثرهم تأثيرا على السلطان، صديق الملك، مستشاره، أو حاجبه، فإن مصالح هؤلاء المقربين، لا تكون في علم السلطان، وعندما يكتشفها، لا يستطيع مواجهة أحدهم بها.. لتتحول هذه التراكمات السرية عند السلطان إلى عقدة نفسية، لدرجة أن المؤرخ الذي عايش الفترات الصعبة في صراع الأخوين، مولاي حفيظ ومولاي عبد العزيز، الإنجليزي “هاريس” حكى في كتابه: ((كنت أنا والسلطان مولاي عبد العزيز، خارج أسوار المدينة، نصارح بعضنا، فقلت له: إن المشكل هو أن أوامرك لا تنفذ، فأجابني: ولكنني أمير المؤمنين، فأجبته وأنا أعرف أن كل هؤلاء الناس مؤمنون.. فأحنى رأسه مفكرا وهو يقول لي: بصراحة، إنك لا تعرف أنني تعبت جدا من هذه المسؤوليات، ومن السلطنة، ثم أخذ يذرف الدموع)) (هاريس. أيام السلاطين).

   لأن أسلوب المخزن، بعيدا عن النصوص وقبل الدساتير، كان عبارة عن دولة داخل الدولة، لكنه دولة أقوى من الدولة، ولكن كل سلطان يجد في المخزن وسيلة للحكم، والتحكم، خرقا لجميع القوانين.

   ولم يكن الحكم في الفترات ما بين السلاطين، الحسن الأول 1880، والحسن الثاني 1961، ولا حتى في أيامنا هاته، وها هم كل المقربين من المخزن، يربطون طريقة الحكم بالتحكم – مهما أنكروا- بمعنى أن المفوضين من طرف السلطان، باحماد، أو المنبهي، أو اعبابو، أو جديرة أو البصري، ولا حتى فؤاد الهمة، بمعنى أنهم هم كل شيء في الدولة، فقد عرف تاريخ المخزن، حول هؤلاء الأقطاب، جموعا من الأعوان، وزراء وقيادا وضباطا وقضاة، وكبارا من الموظفين، وحتى صغارا منهم، يعيشون على هامش الأقطاب الكبار، ويعتبرون أنفسهم أقطابا كبارا، هم أيضا.

   وقد توسع الكتاب الفرنسيون على الخصوص، والإنجليز كما هو حال هاريس، الذي كان بنفسه يضرب الأمثال بالصديق الإنجليزي للسلطان “ماك لين” النبيل الإنجليزي الذي كان يعتبر نفسه بالجلباب والرزة، خليفة للسلطان، وكان يحكم منطقة طنجة مكملا للاحتلال البريطاني في جبل طارق، مثلما كان في المحيط السلطاني، عجوز جبار يسمى محمد الطريس، خبير في مجال الكذب ومجاملة السلطان، لدرجة أن المؤرخ الاستقلالي، عبد المجيد بن جلون، في كتابه: “جولات في مغرب أمس”، سجل أن هذا الطريس، لما سمع بانتصار السلطان مولاي حفيظ على أخيه مولاي عبد العزيز: ((دخل المستشار الطريس عند مولاي عبد العزيز، الذي سأله عن موعد إبعاده نحو المنفى، فقال له الطريس: هذه مجرد إشاعة، والإشاعة تحتاج إلى تأكيد))، الطريس هذا، هو صاحب المقولة التي ارتبطت به كقاعدة للسياسة المخزنية: ((ميزات الكذب على الرأي العام، أن كذبة واحدة تكفي لأن تشغل أروبا كلها سنة كاملة، وعندنا خزينة ملئى بالأكاذيب)).

   لم يكن في المحيط المخزني في الشمال، العجوز الطريس وحده الذي عايش مرحلة الاحتلال الفرنسي والإسباني للمغرب، فقد ورث الأرشيف المغربي منذ أيام السلطان مولاي عبد الرحمن (1822 – 1859): ((إنه عندما كانت أجرة وزير الخارجية لا تتعدى سبعين فرنكا في الشهر، كان وزير الخارجية يسمى بركاش، فظهر في الشمال شخص تطوع ليكون وزيرا للخارجية بدون أجر، واسمه، محمد الخطيب، فعينه السلطان انطلاقا من أن المرشح غني، ليظهر من بعد أن وزير الخارجية الجديد، كان قطبا من أقطاب التهريب ما بين طنجة وجبل طارق، وعندما استدعي لتسلم مهامه، علمه رجال السلطان أصول المهنة، مهنة وزير الخارجية، وهي أن يكون خبيرا في التأخير، فعندما يطالبه قناصل الدول الكبرى بشيء، فعليه تأخيرهم ما أمكن، حتى يملوا ويتنازلوا، وأما عندما يهددوا بالحرب مثلا، فإنه يجب التنازل عن التماطل)) (كتاب المغرب. إدمون دوا أمسيس).

   وكان المرحوم عبد الهادي التازي، السفير الكاتب، قد تحدث عن شخصية مغربية تسمى عبد السلام التازي، كان يتكلم الإسبانية والإنجليزية، عايش الباحث الفرنسي “ويزبيرغر”، وكان مشهورا بأنه يواظب على تدخين السيكار الكوبي حين كان أمينا لمال الدولة المغربية، وأراد يوما أن يدفع تعويضا لعمل قام به “ويزبيرغر” فدفع له أجره، وكان المدفوع أكثر من المطلوب، ليرد له “ويزبيرغر” الزائد، فيقول له الأمين التازي: ((لا، هذه عادة المغاربة، فإننا ندفع أكثر من المطلوب)) (العلم. عدد 26/11/1995).

   تقاليد المخزن وأصوله، منطلقة ومرتبطة دائما بالمصالح المالية، وتكمن عظمة أقطاب النظام، في المصالح المادية المرتبطة بها، وإذا كانت غاية المخزن هي الكسب، فإن ميزته هي الأداء.

   ورأسمال المخزنية الأساسية، هي ما كتبه الفرنسيون عنا مرارا بالحروف اللاتينية التي تعني “الكلْمَة”، الكلْمة هي أول تفويض من المخزن لرجال المخزن، يكون الرجل لا يساوي شيئا، وعندما تعطيه الكلْمة، التي تعني النفوذ، فإنه يستغني، وكل حاصل على نفوذ الكلْمة، التي كان المغاربة يقولون عنها: “إن الكلْمة تمنع من الشيخوخة”، فإن صاحب الكلمة، يعمل ليل نهار ليقترب من السلطان، وعندما تحصل المعجزة ويصبح صاحب الكلمة من المقربين للسلطان، فإنه يستغني ويعرف أن ثروته تضاعفت، خصوصا وأنه ((في المغرب، فإن أول مهمة يقوم بها الأجانب الراغبون في التعامل مع المغاربة، هي رشوة الأقوياء وكل من لهم نفوذ)) (مذكرات بيير راوول سنة 1888. رسالة إلى ابن العم).

   ورغم أن الرشوة، كما وصفها الكاتب “راوول” في مذكراته سنة 1888، إلا أنها هي التي كانت سبب فقدان المغرب لحدوده الطبيعية، في إطار المخطط الذي تحول إلى اكتساح لأطراف المغرب من طرف القوات الفرنسية في إطار مفاوضات واتفاقيات أمضيت حتى قبل إمضاء عقد الحماية سنة 1912، ففي سنة 1901، أمضى الوزراء المغاربة، بن سليمان والكباص، الذين تنازلوا مقابل المال عن ثلاث قبائل مغربية: ولاد جرير، وذي منبع، والقنادسة، كما نصت على ذلك اتفاقيات مكتوبة تنازلوا بمقتضاها عن الأطراف المغربية في شرق المغرب وجنوب شرقه، وحتى في سنة 1912، كتب معارضو السلطان مولاي حفيظ ((اعلم أن الإمام الأكبر(…)، لا يهتم اليوم إلا بجمع المال وبيع الوظائف)) (الحركة الحفيظية. علال الخديمي).

   كما أنه لم يبق سرا، أن اتفاقية الحماية، ارتبطت وثائقها بمذكرة ((تتعهد فيها فرنسا بضمان وضعية لائقة بشخص السلطان، تعهد فيها السفير بوضع 500 ألف فرنك حالا في البنك المخزني تحت تصرفه، وإعطاء التسهيلات لجنابه الشريف في عقد سلف يكون معدا لأداء ما تحمله جنابه في صوائر المحلات السعيدة(…)، وتجعل الدولة الفرنسية تحت نظر السلطان، قدرا من المال مبلغه خمسمائة ألف فرنك)) (نفس المصدر).

   ولكن هذا المخزن الذي رسم له أهل الفكر والمكر، ظروف التعامل الذي كان يتناسب مع همجية الشعب المغربي، المعروف بطباعه المتمردة، كان حريصا على أن يقدم لهذا الرأي العام بين الفينة والأخرى، نماذج، بل أقطابا من أقوياء المخزن، ليرميهم في الشوارع تحت أنظار الرأي العام تكريسا لقاعدة الصعود والنزول.

   ويسجل التاريخ الذي كاد يوجز الفترة المخزنية في المغرب بخيرها وشرها، صفحات غزيرة تتحدث عن طريقة التنكيل بأقطاب الدولة، أقطاب المخزن إذن، عندما يتعرضون لغضبة السلطان، أو يرتكبون خطئا يحرك غضب الرأي العام، وتعوض عبارات صاحب السعادة، والفقيه المحترم، بكلمات النجيس بن النجيس من قبيل ما حصل لبن سليمان الذي تنازل عن حدود المغرب، وبعد أن أخذ الفرنسيون الأراضي التي تنازل لهم عنها فيؤتى به ((وهو ركن الفساد، الطاهر بن سليمان في قفص من حديد، وأحرق به مع حزبه وكاهنهم، الحرس المخزني، وبذلك انطفأت نيران البغي والفساد)) (إتحاف الأعلام. بن زيدان).

   وفي زمن لم تكن فيه صحف ولا مواقع إخبارية، يجب الاعتراف بأن بعض الكتاب، حتى المقربين للنظام، كانوا يتحلون بشجاعة التعبير. ابن زيدان هذا يكتب عن مسؤولية السلطان: ((هذا ملك البلاد وهو على رأس السلطنة، يضطر لتحمل إهانات شنيعة، من زعانيف صعاليك، بعد تجرع أنواع المضض وحوادث الاضطرابات، ثم تزوج عليه نساؤه(…) بدون موجب ويؤخذ منه حريمه غصبا)).

   ذلك أن الذي لم يكن يعرفه السلاطين أقطاب المخزن، هو دورة الزمان، وطبيعة الكون، فالذين خلفوا السلطان الحسن الأول، آخر من كان يعرف بجديته، كلهم عرفوا نهايات سيئة، بالدرجة الأولى، نتيجة تنازلهم عن مسؤولياتهم مقابل صداقاتهم وثقتهم فيمن يدعون أنهم أصحابهم، ليكون العقاب مادة للمؤرخين الذين يحملون المسؤولية للدولة المخزنية: ((إن الدولة المخزنية المغربية، لما انهد ركن سياستها المتين، فرزنت فيها البيادق، ووسد الأمر لغير أهله، وصارت الرؤوس أذنابا، والأذناب رؤوسا، وانفجرت براكين الاستبداد التي هي ثمرة الإفراط في الضغط(…)، وادعى الصعلوك أنه ابن جلا، ارتأت القبائل أن الخروج عن طاعة السلطان متجر ربيح)) (نفس المصدر).

   لا يمكن إذن، لمن يريدون في عهد الأنترنيت، أن ينفذوا سياسة المخزن، بدون مكوناتها، وخواتمها الإجبارية المنطلقة من طبيعة الكون، لكل خطإ عقاب.

   ليرى القراء في نماذج الفتنة التي سماها المخزن نفسه، السيبة، كيف انطلقت في كل جهات المغرب حركات تمردية لا علاقة لها بعقيدة ولا مذهب، وإنما طريقة للسطو على الحكم.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!