في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | بعض المغاربة يتوقون إلى النظام الجمهوري وكثير من الفرنسيين يتوقون إلى النظام الملكي

بقلم: مصطفى العلوي

توافقت نظرات ملايين المتتبعين المغاربة، لوصول الرئيس الفرنسي الجديد، ماكرون، مع عيون هذا الرئيس الجديد، وهي تتفحص لوك واحد من مستقبليه، ولي العهد، الأمير مولاي الحسن وحلاقة شعر رأسه على طريقة أولاد اليوم(…) في تناقض مع الإطار المخزني المهيب، المهيمن على مطار الرباط- سلا، وصفوف المخازنية بشواشيهم الحمراء، عند كل قنت، يهتفون: “الله يبارك فعمر سيدي” لتنطلق ألسنة النظارة المتحلقين حول موائد الحريرة والتمر والشباكية، معلقة على هذه الطريقة المعروضة(…) لكشف هذا التناقض بين البروطوكول المخزني والعولمة العصرية، كما تعقبت ألسنة السيدات الثرثارات نظرة زوجة الرئيس مدام ماكرون.. وهي في سن أمه، عندما لم تستطع ظروف الاستقبال منع عيني مدام لابريزيدانت، وهي تسجل مثل آلة التصوير لحظة سلام ضابط التشريفات، وهو يحيي السيدة الأولى في المغرب، الأميرة للا سلمى، واضعا ركبته على الأرض، مراعاة لما تفرضه الطقوس المخزنية، لتزداد التعاليق على هذه النظرة الاستغرابية من عيون حرم رئيس واحد من أعظم رؤساء الدنيا، وقد لبست كسوة لا يعادل ثمنها حتى قيمة قرط واحد من الأقراط التي كانت تضعها الأميرة المغربية في أذنيها.

لكن.. هذه طقوسنا، وهذه تقاليدنا، المتحدية لواقع هذا العالم المحيط بنا، والذي لم تستطع أية قوة منذ قرون وأجيال، أن تفرض علينا التأقلم معه، وهو التحدي الذي يجعل هؤلاء المكتشفين لتناقضات واقعنا، يبدون إعجابهم بطريقة تعاملنا، رغم ضخامة التناقض والتباعد بين أطراف واقعنا.

فهذه الأساليب البروطوكولية والتقليدية المهيمنة على التقاليد المخزنية، نكاد نرى تناقضاتها يوميا في كل حفل رسمي، خصوصا بعد أن ألغى البروطوكول الملكي تقليد تقبيل اليد، فترى المستقبلين لجلالته حيارى، في الجمع بين مظاهر الطاعة والولاء والرتبة والإباء(…)، هذا ينحني حتى إلى الأرض بالخف، وهذا يقبل الكتف، وهذا يتفادى عدسات الكاميرات وكأنه يبرر فقط حضوره المفروض.

فقد تغير المجتمع المغربي واخترق التطور صفوف تقاليدنا، وكثير من المغاربة، وكأنهم غرباء في عالم البروطوكول المخزني، كيف لا ونحن مع جيل أصبح يتأفف حتى من عملية تقبيل يد الأب والأم، وعن كل واجبات الاحترام الذي كانت تفرضه الطقوس العائلية، وقد أصبحت المآدب الأسرية فرصا نادرة تكون عندما تجرى، خاضعة للصمت الذي يفرضه انشغال الكبار والصغار والعريسات والأصهار بتفحص تلفوناتهم التي أصبحت بمثابة العبادة، والصلاة، والطاعة، والولاء، لأغلب الأجيال المغربية، بعيدا عن كل حشمة ووقار.

وحتى لا يبعدنا واقعنا التقليدي، وحتى المخزني، وقد كشفته نظرات الرئيس الفرنسي الزائر وحرمه، بمجرد نزوله من طائرته المتوقفة بالمطار المغربي، عن ضخامة هذا التباعد الفرنسي المغربي في مجال الممارسات السياسية والاجتماعية، تفاجئنا الصحافة الفرنسية الصادرة بعد رجوع الرئيس الفرنسي لبلده، يومين من بعد، بما لم يكن في الحسبان، وها هي زيارة الرئيس ماكرون للمغرب تفتح شهية واحد من رؤساء الجمهورية الفرنسية الخامسة، وتحت تأثير هيمنته السياسية، وتقزيمه لكل الأحزاب الفرنسية، واستيلائه على الأغلبية المطلقة في البرلمان، ليكون في وضعه هذا أقرب إلى ملك المغرب محمد السادس، فتنقض مجلة «le courrier International» على المناسبة، وتنشر له هذه الصورة المركبة، لرمز الملكية وهو يعرض على الرئيس ماكرون بأن يختار النظام الملكي لفرنسا، وقد جعلته نتائج التطورات السياسية الفرنسية أقرب إلى ملك، من قربه إلى رئيس جمهورية.

مضى إذن ذلك الزمان الذي كان أقطاب فرنسيون يحلمون بدخول التاريخ المغربي من أبوابه المغلقة، مثل الرئيس الفرنسي “جيسكار ديستانغ”، الذي يعتز بأنه أول رئيس مسيحي في التاريخ يسمح له بدخول الضريح المقدس، للفاتح المولى إدريس، بينما اكتفى الشريك الاقتصادي الفرنسي للناس الكبار(…) “بويغ”، بعد أن أصبحت الصحف الفرنسية تسميه “ملك الإسمنت في المغرب”، أو الثري “هنري برنار ليفي” الذي يستقطب أمجاده من ضخامة قصره “الزاهية”، الملاصق لأحد قصور محمد السادس بمراكش.

وهي أمجاد اقتصادية تضاءلت بفرط تضخمها دون أن تخلف أمجادا على مستوى الرئيس الحالي ماكرون الذي شبهته صحافته بالملك.

هذه الصحافة التي كانت قد انشغلت في السنة الفارطة بموضوع نشرته جريدة أخرى «le parisien» علقت على واقعة أزعجت إحدى الأميرات المغربيات، افتقدت حقائبها المشحونة خلال عبورها لمحطة القطار الباريسية “لاكار دونور” بفعل سطو أحد اللصوص الأذكياء على أمتعة سمو الأميرة، لتتوسع الجريدة في وصف المسروقات بأنها كنز من كنوز ألف ليلة وليلة، وعما سرق من الأميرة المغربية من عقود ومجوهرات، وحتى أقراط نفيسة، كانت جدة الأميرة قد أهدتها لها، كقطع من تراث الأسرة المالكة.

وتوسعت الجريدة الفرنسية في جوهر الموضوع الذي يثيره وصول أميرة مغربية إلى عاصمة فرنسية، وتتعرض للسرقة، كما يحصل للكثير من السيدات، ليتطرق الصحفي إلى العجز البوليسي عن حماية أميرة مغربية، لو كانت في بلدها لما استطاع أحد الاقتراب منها، وبصيغة أخرى لو لم تذهب هذه الأميرة لفرنسا، وبقيت في وطنها لما تعرضت لهذه الخسارة، لولا أن الصحفي يلمح إلى حدث يتناسب مع النخوة المخزنية(…) حينما يكتب أن الأميرة قررت سحب الشكاية التي سبق أن سجلتها لدى الشرطة الفرنسية، وعندما سئلت في أحد الصالونات الباريسية عن سر سحبها لشكايتها باللصوص، صفعت بنخوتها المغربية نبل الحضارة الباريسية(…)، وقالت مبررة سحب شكايتها: ((لأني أعرف أنه لا جدوى لهذه الأجهزة البوليسية الفرنسية، التي عوض أن تبحث عن اللص سربت الخبر إلى الصحافة)) (المرجع: جريدة لوباريزيان. عدد 20 فبراير 2016).

تبقى الصحافة إذن أقدس من المخزن المغربي، بالتأكيد، في إيصال الرسائل إلى الرأي العام الفرنسي.

ليفرض التساؤل نفسه أمام نموذج آخر لطغيان الأساليب العصرية على التقاليد الزمنية(…).

ففي إطار التعامل المخزني مع إحدى الصحف الفرنسية “جون أفريك”، مثلا، ومديرها القطب القيدوم البشير بنيحمد، الذي عاشر الملك محمد الخامس، والملك الحسن الثاني، والملك محمد السادس، يعرف المخزن حق المعرفة، ويتعاطف مع النظام المغربي تعاطفا تقليديا(…) وفي إطار وفائه لهذه التقاليد، وهو يتحدث عن الموضوع الذي نحن بصدده، وكان قبل مجيء ماكرون للمغرب سبق إلى هذا التقارب في أساليب الحكم بين الملكية المغربية والرئاسة الفرنسية، محللا في افتتاحية طويلة بعنوان: “الأجيال الجديدة” (les nouvelles générations) موضوع هذا التحول الذي فرض على الأجيال الجديدة التأقلم مع التقاليد القديمة، ليعطي مثال الملك المغربي محمد السادس: ((الذي بادر بعد توليه الملك، وسنه 35 سنة، إلى تجديد أطر الدولة، وإسناد المهام إلى رجال ونساء من جيله، مكونين ومتخرجين من الجامعات الأوروبية والأمريكية، ليكتشف أن هذه المبادرة أعطت نتائج مرضية)) (جون أفريك. 14 مايو 2017).

ليفاجأ الصحفي البشير بنيحمد، يومين من بعد(…) بشبه بيان حقيقة من مهندس دولة مغربي من القنيطرة اسمه عبد الرحمن بن حيدة، يعنون له: “لست متفقا معك”، وتفرض النزاهة الصحفية على بنيحمد أن يخصص افتتاحية العدد الموالي لنشر وجهة نظر المعلق المغربي الغير متفق(…) ورغم أن هذه المجلة تخصص في ركن البريد بصفحاتها الأخيرة مجالا للردود، إلا أنه حول رسالة المعلق المغربي، إلى افتتاحية رئيسية، فالزمن، لم يبق يرحم المتعاطفين، ولا المستضعفين أمام قوة الصداقة أو المجاملات(…) فالمهندس المغربي لم يكتف ولم يقنع بحكم البشير بنيحمد على تجربة الملك المغربي بالرضى، ويكتب له: ((فعلا لقد كان النجاح في المغرب حليف عنصرين اثنين فقط: الجانب الأمني، وجانب الأعمال التجارية والبزنس، لفائدة الناس الكبار)).

((ففي المجال السياسي فإن الممارسات وتعديل الدستور، إنما كرسوا الحكم المطلق، بينما تبقى الوضعية الاقتصادية تدعو للانشغال، خاصة في ضعف مجالات التعليم والصحة، والسكنى والشغل، بينما عرف المغرب انحطاطا كبيرا في مجالات القضاء، وحرية الصحافة، والحرية الشخصية، وتأخر المغرب كثيرا في مجالات محاربة الرشوة حسب شهادات المؤسسات العالمية المتخصصة، أما تجديد الأجيال، فإننا نتساءل: هل كان لفائدة الشعب، أو لفائدة أقلية)) (جون أفريك. عدد 21 مايو 2017).

سرد موجز للملف الفرنسي المغربي من خلال المنشورات الصحفية، ولكنه يخلص إلى نتيجة إيجابية بالنسبة للمغرب الذي أصبح نموذجه الملكي في الحكم، يراود المشغولين بمستقبل السياسة الفرنسية، ولكنه سرد يحتم على النظام المغربي أن يصلح أحواله ويتجرأ على قطع خطوة واحدة في اتجاه شبابيك الانفتاح المشرعة أمامه، ولا يترك كمشة من المحظوظين المقربين إليه يستنشقون الهواء النقي المعطر وحدهم من هذه الشبابيك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!