في الأكشاك هذا الأسبوع

متابعات | لماذا السيناريو المغربي أفدح من المصري؟.. تحرير الدرهم بعد رمضان خطوة انتحارية لإشعال المغرب

إعداد: عبد الحميد العوني

   من المؤكد أن تحرير الدرهم بعد شهر رمضان، سيبقي الأسعار على وضعها المرتفع مع إضافة 10 في المائة إلى قيمتها، ولن ينتبه المستهلك إلى نهاية هذا الشهر الاستثنائي، أو تعود الأمور إلى طبيعتها، بل سيكون الوضع مهيئا أكثر لتصاعد الاحتجاجات “المعيشية” أو “الخبزية” وحجب الاحتجاجات “المطلبية” كما في حالة الحسيمة التي يريد حراكها إنشاء مؤسسات جديدة (مستشفيات وجامعات).

   وتسعى دوائر القرار في إطار خطوتها لتحرير الدرهم، إلى تفكيك “المطالب” التي توحي بتوزيع عادل للثروة من خلال ضغط الشارع، ورفع مطلب “الخبز” والتغذية لا غير.

   وحالة المغرب أفدح من حالة مصر في تعويم الجنيه، لأن العاصمة الرباط، فككت صندوق المقاصة، ولا تدعم الخبز، ولا يخبزه الجيش كما يفعل في القاهرة، بل يفكك المغرب الدرهم ويترك “الدولة” للعبة السوق تماما، بما يرفع درجة المخاطر إلى درجات قصوى، فاللوبيات تتجاوز النظام، لأول مرة، وبشكل مكشوف.

   في مصر مثلا، أكثر من 40 في المائة من الاقتصاد المصري يقوده الجيش، وهو ما شكل “بارشوكا” في تعويم الجنيه، وقطاعا عاما غير متطرف في الأرباح، وقد ينزل بها إلى الصفر، فيما لم يعرف الاقتصاد المغربي أي منسوب من الاشتراكية، فخياره نحو العملة الوطنية “انتحاري” بكل المقاييس، أمام قطاع خاص، ريعي، ومتطرف في جني الأرباح، يتبع دوائر القرار من دون فحص لأمن الدولة ومستقبلها.

   وجاءت فرصة رمضان، والاحتجاجات مندلعة في الريف، لتجريب الخيار الأمني في مواجهة انعكاس ربط الدرهم بالسوق في خطوة “نهائية وغير قابلة للتراجع”، فالدرهم انتهى عمره الذهبي إلى الأبد، وقد يجد في “الأوقية الموريتانية” أمانا ماليا في الجنوب، كما سيحافظ مغاربة العالم على الدولار واليورو دون صرفه إلا في شراء المأكولات والمشروبات وقضاء بعض الليالي في الفنادق، فالاحتياط بالدرهم سينزل إلى الحضيض رغم وعود بنك المغرب، بأن التحرير الكامل سيكون بعد 15 سنة، لكن درجات الانهيار والتدخل المالي بـ 7 مليارات درهم أسبوعيا طيلة الأزمة العالمية لـ 2008، لن تكون كافية، وستكون العملة دون “بارشوك”، لأن سياسة الشركات الكبرى في المملكة، ومنها الهولدينغ الملكي، لا تؤدي دور الشركات التابعة للجيش في مصر مثلا، بما يجعل الاقتصاد “السيادي” وغير الربحي والذي يحافظ على الدولة، ليس قائما في التجربة المغربية، فالشركات تستفيد من السياسات العامة للدولة لأرباح إضافية، ولا تستفيد منها الدولة في دفع فواتير الإصلاح والتحرير أو التدخل للاستجابة إلى مطالب محددة.

   وتحويل الجيش بفرقه الهندسية إلى قوة عاملة، قد يسرع في بناء المستشفيات والجامعات وكثير من المشاريع الاجتماعية، كي لا تكون عرضة للأرباح، وللمزيد من الأرباح في دورة متطرفة ونيوليبرالية السوق المغربي.

   وتكاد دول مثل الصين التي لها قواعد الحزب الشيوعي إلى جانب الجيش، وروسيا التي حركت جيشها والاستخبارات لتغطية العجز، ومصر، عبر مؤسستها العسكرية، أن تتحرك لتحرير اقتصادها دون صدمات.

   وتقدم جنرالات المغرب في فترة من الفترات، للمشاركة في اقتصاد السوق الربحي، ولم ينقلوا تجربة الآخرين في وضع الجيش (بارشوك) في حركة الاقتصاد ضد همجية السوق، ولا يمكن للمغرب أن يغامر لتحرير عملته دون درع استراتيجي يتدخل لوصول مستوى معين من المعيشة إلى كل مواطن، فالمغرب نجح عبر صندوق المقاصة ودفاعه عن عملتة في بناء اقتصاد اجتماعي، يكاد تفكيكه، أن يغير الخارطة، ويتقدم المغرب العميق، حاليا، لقيادة الاحتجاجات الاجتماعية، لأن الوضع ساء إلى أبعد حد في القرى والمدن المتوسطة.

المغرب يدخل غمار تحرير عملته دون مساعدات أمريكية سنوية أو ضخ خليجي مباشر، بل تأخر دعم مجلس التعاون الخليجي إلى العاصمة الرباط بطريقة غير مفهومة

   عكس ما لدى مصر من مساعدات أمريكية سنوية لاقتصادها وجيشها، لا يتمتع المغرب بأي مساعدة سنوية من الولايات المتحدة أو الشريك الأوروبي، ولا يعرف ضخا خليجيا مباشرا كما حدث للعاصمة القاهرة قبل أن تقرر تحرير عملتها، والاعتماد على الإمكانيات الذاتية للمملكة، لا يسمح إلا باستمرار المرحلة الأولى من تحرير الدرهم إلى حين ظهور مؤشرات بنيوية جديدة.

   والواقع، أن نظام الصرف القديم ليس صالحا والتحرير الكامل للدرهم، لا يمكن توقعه، فالأول لا يسمح بمواجهة الأزمات المالية أو الاستجابة لاحتجاجات المستثمرين، والثاني لا يسمح بمواجهة “الأزمات الاجتماعية” ومواجهة احتجاجات المواطنين، ولا يكفي احتياط نقدي من 25 مليار دولار للمناورة في ظل تراجع الصادرات وعدم الاستفادة من السوق الأمريكي، وركون المستثمرين إلى “العقلية الفرنسية”، والمقارنة غير الدقيقة مع مصر في تحرير الجنيه كما تبناها مرارا وزير المالية بوسعيد، عاملان مساهمان في تكريس الأزمة إلى جانب احتمالات ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، وهذه العوامل تحاصر قدرة النقد الأجنبي للمملكة في تلبية الطلب.

   ووصل عجز الميزان التجاري، العام الماضي، إلى 18.4 مليار دولار، وارتفعت واردات المغرب من الخارج في نفس الفترة، إلى 40 مليار دولار، بما يجعل التخلي عن مرونة الصرف، عاملا مساعدا في تفاقم الوضعية، إن تقرر احترام اتفاقيتي التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، واتفاقيتي الشراكة مع الصين وروسيا وعشرات الاتفاقيات مع الدول الإفريقية.

   إننا أمام سيولة مفرطة في الإيرادات، ناتجة عن الاتفاقيات الموقعة، وتشكل 9 ملايير دولار، هامشا غير طبيعي للمملكة، لوجود خسائر جراء الاتفاقيات المتعددة والمتضاربة وغير المنسجمة مع السياسة التجارية والمالية.

   ومن دون احتساب عاملين يشجعان على زيادة التضخم (تفكيك صندوق المقاصة، والنظام الحالي للعملة)، فإن بلورة آليات التحول لصالح الشركات لمواجهة تقلبات الصرف، لن تكون دون آليات “التحوط” الاجتماعي لاستيعاب الردات الجماهيرية على اقتصاد يخضع لقانون العرض والطلب.

   وبالنظر إلى المساس الإضافي بالقدرة الشرائية من خلال تخلي الدولة عن دعم أي ميكانيزم للحد من التضخم، سيكون المواطن في مواجهة مصيره مقابل السلطة، وقد يشجع، من ناحية أخرى، لجوءه إلى الصناعة المحلية، فيما تصل السلع والواردات المستهلكة من الفرد المغربي إلى 25 في المائة، أي ربع حاجياته، وهو ما يعني مساسا بمعدلات الاستقرار الحالي.

الأدوية سترتفع بشكل صاروخي جراء تحرير الدرهم

   في وقت لم يكن لدى حكومة بن كيران السابقة، سوى منجز يكاد يكون وحيدا، هو خفض ثمن بعض الأدوية، سيشكل تحرير الدرهم ارتفاعا صاروخيا لها، لأن جميع احتياجات شركات الأدوية من المواد الأولية بهدف التصنيع إلى جانب الآليات القادمة من الخارج، ولا تتيح هذه الوضعية، تغطية العجز الذي يصل إلى 500 مليون دولار.

   وبتحرير العملة، سيزيد العجز وستزداد التكلفة بإضافة 50 إلى 70 في المائة، ولن تستطيع الصناعة الوطنية، التي تأخرت لخوف الملك الراحل من “احتجاجات العمال” كما قال رئيس الحكومة السابق، أن تسد العجز، ولذلك فدعم الصناعة مكلف وغير سريع، ويكاد يكون مجرد استغلال لبعض الشركات العالمية للعمالة المغربية التي نزعت الحد الأدنى للأجور من الصين.

العمال المغاربة أقل أجرا من الصينيين بما يخفض القدرة الشرائية إلى مستويات تصل إلى سبعينيات القرن الماضي

   بشكل رسمي، أصبح العامل المغربي أقل أجرا من العامل الصيني، بما يخفض قدرته الشرائية إلى مستويات تصل إلى 25 في المائة من القيمة السوقية لما كان يتقاضاه العامل المغربي في سبعينيات القرن الماضي، وخوفا من أزمة تتوقعها الدوائر الغربية، أوصت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، بتطوير صناعة الغذاء عبر التعاونيات، وإبعاد سيطرة الشركات عن الميدان لضمان بعض التوازن للسوق.

   وجاءت هذه الدعوة من ممثل المنظمة في المغرب، مايكل جورج هاك، لإيجاد بدائل للنمو والتشغيل وخفض الأسعار بشكل تضامني، وليس تنافسي بالضرورة، كما تتيح للعامل المغربي إعادة تثمين القطاع الفلاحي للخروج من انعكاسات تحرير الدرهم وباقي مستلزمات العملية المالية في المملكة.

   وفي هذا السياق، نبهت دراسة صادرة عن “الفاو”، إلى “أن التشريع القانوني الذي ينظم عمل التعاونيات والمجالات التضامنية في الصناعة المحلية والتجارية المغربية، لا يساعد على خلق الشراكات بين المستثمر الخاص وبين التعاونية لإنتاج فرص الشغل وصناعة الغذاء، خوفا من المجاعة لضعف إيرادات الفرد والعائلة في المغرب”.

   ولا تزال الفجوة متفاقمة جراء ما حددته السياسة الزراعية قبل عشر سنوات، فيما تضعضعت القدرة الشرائية للعامل المغربي في القطاع الفلاحي وخارجه، إلى الحد الذي لا يمكن معه الوصول إلى تحقيق نفس وضعه السابق في 2007، ومن المستحيل التفكير في الوصول إلى نفس ما كان عليه وضعه في سبعينيات القرن الماضي، حيث تبخرت قدرته الشرائية بـ 75 في المائة.

   وبلجوء العامل إلى القروض المالية الصغرى، لا يمكنه توفير تكاليف الحياة اليومية عبر مشاريع مدرة للدخل، وحسب دراسة لجمعية “أطاك ـ المغرب”، فإن كفاءة التمويل الأصغر والموجه في 30 في المائة منه للنشاط الزراعي، لا يعطي “زراعة معيشية، ولا يمكن من تأمين الغذاء”.

   وبزيادة عوامل التضخم (تفكيك صندوق المقاصة ووقف دعم العملة الوطنية)، سيكون الوضع سيئا للغاية، فيما فشلت القروض في صناعة أي فرصة للوصول الآمن إلى الغذاء، بفعل تجاوز 60 في المائة من المقترضين أداء فوائد على القروض الصغرى بما يصل إلى 30 في المائة، ويتجاوز 40 في المائة منهم أداء فوائد تتجاوز 30 في المائة من قيمة القروض.

   وحسب نفس الدراسة، فـ “هناك من باع منزله أو ماشيته، وهناك من اقترض من جديد كي يفي بما عليه تجاه مؤسسات السلف الصغرى”.

   وفي هذا الظرف، الذي تتراجع فيه القدرة الشرائية للعامل المغربي وأجرته الشهرية إلى مستويات قياسية، ولا يتمكن فيه “القرض الصغير” من خلق فرصة للعمل، وليس الربح بأي حال، سيكون الملجأ هو السوق السوداء التي تضعف القطاع المهيكل وتبني اقتصادا موازيا لخدمة “الأهداف الاجتماعية” بعد تخلي الدولة عن دورها، ويهاجم تجار القطاع غير المهيكل الشوارع وبأسعار أقل، لعدم طموح الفاعلين فيه إلى الربح، بل يريدون العمل وإيجاد مورد مستقر، فالمواطن يتقاسم مع هذا البائع تكاليف الدولة كالضرائب والجمارك، ويربح الطرفان الفقيران، الهامش الموجود.

   ويتحول القطاع غير المهيكل حاليا، من صانع للسلم الاجتماعي إلى صانع للشغل ما دام أنه يتولى توفير العمل لفئات واسعة من المغاربة، ولا يمكن في المستقبل القريب، عدم تحرير التجارة في ظل تحرير الدرهم بما يحول المغرب إلى اقتصاد أسود يضعف الدولة ولا يدفعها للبقاء، وبصناعة الغني، لتهربه الضريبي، إلى جانب الفقير، يكون اختيار تحرير الدرهم ليس سوى تهريب لهذا التملص إلى العملات الأجنبية.

   ونقل 41 مليار دولار، رقم معاملات القطاع غير الرسمي، حسب المندوبية السامية للتخطيط، إلى خارج تداول الدرهم، ذبح للعملة الوطنية، لأن 2.4 مليون شخص من الفقراء سينضمون إلى الأغنياء في عدم تداول الدرهم، وسيزيد القطاع الذي يعرف ارتفاعا بـ 7.9 في المائة منذ 2007 إلى الضعف، وستتطور المعاملات غير الرسمية وخارج العملة الوطنية بـ 15 في المائة سنويا، وهو ما سيؤدي إلى انهيار مالي كامل في حدود 8 سنوات.

   ومن المهم التذكير، أن القطاع غير الرسمي أو الاقتصاد الأسود، يشارك في الصناعة بـ 13 في المائة، أي بمعدل جيد في مقابل المخطط الرسمي للصناعات الحديثة، وسيتطور تحرير الدرهم بـ 10 في المائة على الأقل سنويا، وهو ما سيدفع إلى صعوبات متوقعة تتجاوز ما هو مطروح.

تحرير الدرهم قبل تحرير الملكية الفلاحية والملكية بصفة عامة للأجانب، ودخول الرأسمال المتعدد الجنسيات للفلاحة المغربية، خطوة في الهواء

   لا يمكن بأي حال تحرير الدرهم دون تحرير الملكية للأجانب، فخطوة تحرير العملة دون تحرير الملكية مسألة غير اقتصادية ولا فائدة منها.

   وحاليا، يمكن القول، أن العقار إلى الآن، هو دورة محلية كاملة، ولا يمكن جلب الرأسمال متعدد الجنسيات دون فتح هذا القطاع لعامل المنافسة.

   والانتقال إلى تحرير الدرهم لأن العقار استعاد عافيته، ليس معيارا دقيقا، فبعد نهاية 2016، عرف مؤشر الأصول العقارية ارتفاعا بنسبة 4.6 في المائة، وهذه النسبة غير كافية للثقة في العامل المحلي لتحرير الدرهم، لأن مثل هذا الارتفاع بنسبة متواضعة، لا يكفي للقول بحركية داخلية للسوق.

   وارتفعت أسعار العقار في البلاد ـ المعد للسكن بـ 3,9 في المائة والموجه للاستعمال المهني بـ 8.6 في المائة ـ وعطل العقار في وقت سابق قرار تحرير الدرهم، وقد تراجعت مبيعاته بنسبة 17.5 في المائة، وحاليا، لن يكفي التقدم بـ 11 في المائة في تمتين وتصليب “الحالة الاقتصادية” التي تمكن من التحرير.

   وتتقدم الحاجة إلى الاقتصاد التضامني في حراك الريف وباقي المدن، ويقترح الجميع تأجيل خطوة تحرير الدرهم، لدعم التنمية الاجتماعية.

  وتكاد التقديرات تتفق بأن الوضع الاجتماعي في المغرب يتسم بنوع من الهشاشة، على اعتبار أن أغلب السياسات الاقتصادية لا تستهدف تشغيل الشباب، فمن أصل 35 مليون مغربي، هناك 7 ملايين شاب عاطل، أغلبهم يعملون في قطاع غير رسمي، فيما تبقى الوظيفة العمومية أقل استيعابا للأجيال الجديدة.

   وتحرير الدرهم، ليس قرارا بديلا عن ليبرالية اقتصادية شاملة ترفض الامتيازات الريعية أو الموجهة فقط للمغربي كحقه وحده في تملك الأراضي الفلاحية، ولا يمكن الاعتماد على الاقتصاد الموازناتي إلى حد كبير من واقع أن تحرير العملة، سينقل الاقتصاد إلى اقتصاد ليبرالي خالص، وإلى باقي ميكانيزمات اقتصاد السوق، ومن هذه المرجعية، يكون الاقتصاد المندمج ـ على أساس الرؤية المالية والرؤية الاجتماعية وأيضا على صعيد الماكرو وأيضا الميكرو في موضوع القروض الصغرى ومحاربة الفقرـ بعيدا عن تحقيق التنمية البشرية،

   والمطلوب، هو الوصول إلى تنمية التعاون بين القطاع الحكومي وبين القطاع الخاص، لبناء اقتصاد تضامني فاعل في الأرض لضمان الحياة وشروط السلامة والمناعة لكل فاعل اجتماعي واقتصادي من خلال طموحه في فرصة للعمل أو فرصة للربح، والفرصتان يجب أن تتكاملا لإنتاج قوة نشيطة في اتجاه المردود الاجتماعي أو الربحي للعمل، والقيمتان مرتبكتان في ظل تحرير غير مهيكل للدرهم إلى جانب نسب النمو المتراجعة واليقظة الاجتماعية من خلال انتفاضة الشباب، من شمال المملكة إلى الرباط، ومن تنغير إلى باقي أرياف المغرب.

جودة استثمار رمضان لجعل أسعاره دائمة في باقي شهور السنة

   بقاء الأسعار على ما هي عليه في رمضان، نقلة لم يصنعها السوق بفعل تحرير الدرهم، بل انتقل إليها السوق في حدث استثنائي يجب أن يكون عاديا ومتواصلا، في نظر أصحاب القرار، وهذا الإجراء، ليس تقنيا أو إراديا بقدر ما تفرضه الأجندة النيوليبرالية التي لم تتمكن من الوصول إلى غاياتها في تمليك الأجنبي للأراضي الفلاحية التي يستثمرها النافذون، أو تحويل التجارة إلى دورة مفتوحة من الملكية والعمل والمبادرة، ومن الانتقال بين نطاقاتها.

   وبعد أن خوصص المغرب كل شركاته العامة، وحولها إلى شركات نافذة وخاصة تتبع دوائر النفوذ، وبالتالي اقتصاد الريع، لم يعد ممكنا الحديث عن تحرير الدرهم في قطاع عام استراتيجي يحفظ من داخل الدورة الاقتصادية، انفتاحها دون مخاطر على الفئات الهشة.

   ولم يضطر المغرب إلى تحرير الدرهم أو تبني هذه الخطوة قبل 35 عاما من التأجيل، وستنخفض قيمة الدرهم أو ترتفع في حدود 5 في المائة، بما يجعل دائرة تأثير الإجراء في حدود 15 في المائة، إن لم يكن ارتفاع في الصادرات ولم يتحول الاقتصاد إلى جيل جديد من “التصنيع أو التصدير”.

   ومن الصادم، أن تعرف أن “بيجو” وغيرها من الشركات، ستزيد أرباحها بعد تحرير الدرهم ما بين مليار وملياري درهم.

شركات الطيران والسيارات التي فتحت معاملها بالمغرب، ستزيد أرباحها إلى مليار درهم، وسينزل معدل ما تدفعه إلى العامل، فيكون الأجر في حدود القيمة السوقية لألفي درهم

   عرف المغرب ارتفاعا طفيفا في رصيد العملة الصعبة (25 مليار دولار)، وهو تحسن راجع لانخفاض سعر البترول، وليس لعوامل داخلية هيكلية، فالمسألة ظرفية لكنها ستساهم في رفع عدد المعامل التي فتحتها منظومة “بيسا” وباقي الشركات الأجنبية، إلى ملياري درهم، فيما ستنزل قيمة الأجر إلى ألفي درهم في انزلاق شديد سيحول المعيشة إلى جحيم إن عاد برميل البترول إلى الارتفاع، وهو ما يضيف إلى الثمن والخدمة 10 في المائة.

   ولأن المغرب يستورد 50 في المائة مما يستهلكه، فسيكون انخفاض الدرهم، رفع لثمن البضاعة وسيدفع المواطن فارق السوق، فيما تهتم الدولة بـ “جماركها” وباقي ضرائبها كاملة.

   وفي سحق القدرة الشرائية إلى حدودها القصوى، لن تكون التجارة الداخلية سوى امتداد للخارج ولأرباحه، وأن عودة البنك المركزي إلى الوراء، غير ممكنة، لذلك فالتحرير التدريجي، وفي مرحلة أولى، لن يكون مسارا “قابلا للسيطرة”.

   من جهة، لأن الديون الداخلية مرتفعة إلى جانب الديون الخارجية، وقبل الدائنون الدوليون، بتفقير “الرأسمال المواطن”، ورفضت الدولة معه الحجز عليها، لأداء هذه الديون المستحقة عليها بما يجعلها معفية من الأداء، ولا توجد ضغوط حالية لإعادة السيولة إلى المستوى المعقول.

   من جهة ثانية، لأن التقلبات في السوق الداخلية والدولية والتقلبات الاجتماعية وزيادة نسب البطالة، تكاد تشكل عناوين لخسائر نظام الصرف، بل إن نسيج الشركات يلتحق بدائرة الفقر بسبب إفلاس مئات المقاولات كل سنة، وعدم أداء الحكومة لديونها الداخلية وتحصين نفسها عن الأداء، وعدم الانتهاء من التعديلات الهيكلية على نظام أسعار صرف العملات، حيث يفقد المغرب 10 في المائة من قدراته، لعدم نجاحه في الحفاظ على تنافسية اقتصاده من خلال البنك المركزي، أي أننا أمام انزلاق للمواطن وللمقاولة المواطنة إلى دائرة العجز الشامل، وهو ما يعني أن الحراك الاجتماعي في المغرب يستعر، وقد يشكل بركانا في المستقبل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!