في الأكشاك هذا الأسبوع

مراكش مستمرة في توحيد شعوب المغرب العربي

    وحدتنا هناك في تلك الربوة المعمارية بمدينة مراكش الحمراء التي اتسعت كسماء لكل خلافات دول المغرب العربي حتى المصطنعة منها، وحدتنا رائحة السنين وطعم التراب ومتعة الانتفاضة من أجل غد أفضل، جمعتنا إلى بعضنا رغم أنف الآخر الأمسيات الحالمة والكلمات المعصومة التي تربط بالحرف العربي بين جغرافيا واحدة، فصلها الاستعمار على المقاس لكي يسود وسط باحة خرافية قاسمت العصافير كبرياءها كما قال الشاعر المويسي، وأبقت رغم المحن على الأهالي كظل نبت في عزلة العمر وتحت رحمة البنادق، انتبه المشاركون في ذكرى تأسيس اتحاد المغرب العربي انتبهوا جيدا إلى الممر المفتوح على طول، بينوا السبيل الذي كانوا يبحثون عنه منذ الأزل، والذي قطعوا من أجله المسالك الوعرة (السياسة طبعا) والمسافات الطويلة في ما يشبه الركض والجري من أجل الوصول إلى نقطة الانطلاق، تبادلوا نظرات الحسرة على مسافات وما ولى، أخرجوا ما بداخلكم بكل صدق ودون مؤاربة، وصل إلى أن هناك ما يجمعهم دون أن يكون هناك ما يفرق، سوى تعنت بعض الجماجم التي تختزل كل هذا العالم الكبير وهذا المد الترابي العميق في كرسي يحقق نشوة زائلة تنتصر للحقد والكراهية وحب الذات، ويستباح معها بيع كل الأوطان الخصبة وكل شعوبها المحبة للسلام والاستقرار في سوق الدلالين وعلى يد من يمشون على الجثث الحية بدون حلم ولا رؤيا، تكلموا كل من موقعه وكان بينهم كوكبا شاسعا بارزا في الكلام، كما قال الشاعر، ومن دون تجيير للتاريخ هو “لخبطته”، أشعلوا الحرائق بتلك الكلمات الصادقة النابعة من جذور الأوردة في قاعة بشساعة قلوبهم كلمات عرست (في العرس) في أرواحنا أحلاما هي أحلى أحلام، ذكرتنا جميعا بلحظة الوحي الأول أو لحظة الولادة التي كانت بوضاءتها أكثر شمولا وعمقا، وأغزر معنى وآمالا، رغم البداية التي كان التطلع إلى أن تسقى فيها من عين آنية شروط النضج ووصايا التعقل، فجروا كل الاقتراحات الفاعلة، وضعوها على الطاولة المستديرة، رتلوا إن صح التعبير وجهات نظر أضافت قيمة أخرى، وقدمت دليلا آخر غير قابل للمزايدة أو المساومة أو التخفي وراء أشياء تعتبر في حقيقتها من السيادة أو شأنا داخليا يخص المعنيين به، دون الفضوليين الذين يتسللون كل مرة بأقنعة مختلفة عبر السطوح تحت ذريعة واهية، عرضوا (أي المجتمعين) أمام أعين العالم العراقيل التي تكلس عملية الانخراط الفعلي والعملي في تسريع الاتحاد وتفعيل كل بنوده التي لم تأت مصادفة أو من فراغ كما قيل، بل من حاجة الشعوب المغاربيين أبناء الوطن الكبير (حلمنا جميعا) الذين لهم تطلعات مشتركة وآمال عريضة لا يمكن أن ينطفئ وهجها بخلق “أجواء الترقب والحذر في المناطق الحدودية”، أو أن يتخلى عنها خوفا من لعبة إطلاق النار أو الرصاص الحي على العزل والأبرياء بعمق التراب المغربي “دوار شراكة مثلا”، تلك اللعبة التي تبقى الجميع بأنها فعلا “لعبة” الهدف منها هو “تلهية” المواطنين عن طريق سلسلة من عجين الأساطير المبنية مرة على الحماقات والتصريحات الكاذبة ومرة على التهديد والوعيد.

لقد كان اللقاء بحق وبشهادة الجميع مثمرا إلى أبعد حد، برزت فيه محاولات جادة وعملية، وطفت على سطحه توجهات زائدة، وسمعت قراءات للماضي الجميل الهدف منها فقط هو إنعاش ذاكرة جماعية (مغاربية)، حاول البعض ممن لهم رغبة في استمرار الركود والقطيعة محوها ومعها لقطات من حقيقتنا التاريخية، الحاشدة بكل أنواع التضامن والوحدة الكاملة، تلك الحقيقة التي أميط عنها اللثام بجرأة نادرة، خاصة من طرف إخواننا التونسيين الذين تدفقت بين بيع الحرية بأرضهم الخضراء بعد عقود من الجفاء الديمقراطي، والتحكم العسكري، بفضل طبعا النضال والتضحية والتطلع إلى الغد المشرق.

قبل اللقاء الذكرى، الذي اعتبره المتتبعون بداية من النهاية كانت هناك إرهاصات ومبادرات خاطفة، اشتغل عليها فنانون مغاربيون ورجال إعلام ونساءه، وتلقفها مثقفون كبار من كل الفروع بشغف كبير، وترجمها أكمة من اللقاءات وتلال من الاجتماعات، طمعا في السير بالاتحاد إلى الأمام وإخراجه من الغرفة المعلومة (غرفة الإنعاش) كما سماها أحدهم، يمكن الإشارة في هذا الباب بالذات إلى المنتدى الثالث للمقاولين المغاربيين الذي انعقد، الأسبوع الماضي، بالأرض المعطاء (مراكش الفيحاء) والذي دعا فيه المجتمعون، وبلغة واحدة، إلى الإسراع بتفعيل “فضاء اقتصادي مغاربي مندمج” يكون في مقدوره وفي استطاعته (إذا توفرت الإرادة) إزاحة كل التحديات الحالية عن المنطقة المغاربية، والتي لم يعد فيها مكان للتقزيم والتشرذم وخلق دويلات وهمية، ملمحين في بيانهم الختامي إلى “ضرورة نهج سياسة تقويمية، إن صح التعبير، لتفادي ما تعانيه المبادرات التجارية المغاربية من ركود ونسب متدنية رغم الإمكانات الهائلة التي تزخر بها المنطقة، والإسراع بالتوقيع على مشروع اتفاقية التبادل الحر بين دول المغرب العربي وتنسيق التعاون في مجال المواصفات وتجديد السياسات المالية والنقدية، قبل أن يرى النور المصرف المغاربي الذي ستنعقد جمعيته التأسيسية في متم سنة 2014، وهو مصرف معول عليه كما قيل في تمويل المشاريع الاندماجية في مجال الاستثمار ودعم التنمية وإحداث مواطن الشغل وتوفير الخدمات المشتركة وتحسين القدرات التمويلية واتخاذ التدابير الكفيلة، بالتشجيع على الانطلاقة السريعة، مثل تحسين الاتفاقية الخاصة بتفادي الازدواج الضريبي، وتسهيل تبادل المنتجات الفلاحية المصنعة ومنتجات الصيد البحري.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!