في الأكشاك هذا الأسبوع

خـاص | الإهمال المغربي للوثائق التاريخية يهدد مصير قضية الصحراء

متى يستفيق المغاربة من سباتهم؟..

محكمة العدل الدولية لم تعترف بالوثائق التي قدمها المغرب لتأكيد مغربية الصحراء

إعداد: سعيد الريحاني

   في كل مرة يتجدد النقاش حول قضية الصحراء، تتباين الآراء والمواقف، لكن تأثير هذه الأراء ومعظمها سياسي(..)، لا يؤثر بشكل إيجابي على مسار القضية في كواليس الأمم المتحدة رغم الجدل الذي قد تخلفه بعض التصريحات المرتبطة ببعض قدماء السياسيين في المغرب، آخرها التصريح الذي أطلقه القطب اليساري، محمد بن سعيد أيت إيدر، هذا الأخير أكد على هامش تكريمه مؤخرا بمدينة مكناس، أن المغرب، فوت فرصة تاريخية لاسترجاع الصحراء من يد الاستعمار الإسباني، ((حيث أن جيش التحرير تمكن من إرغام الإسبان على المفاوضات، فاقترحوا التنازل عن سبتة ومليلية، مقابل خروجهم من الساقية الحمراء وادي الذهب))، غير أن جيش التحرير رفض هذا المقترح، ليضيف أيت إيدر أن ((هذه الفرصة التاريخية، أجهضتها حكومة عبد الله إبراهيم خلال تلك الفترة، واليوم، وبعد مرور 50 سنة على النزاع، ها هي قضية الصحراء لازالت معقدة..)).

   بنسعيد أيت إيدر، واحد من الشخصيات السياسية التي تتوفر على بعض الأسرار، لكن ما مدى انعكاس تصريحاته على القضية؟ يقول الباحث والخبير الدولي، هشام الشرقاوي: ((سواء تعلق الأمر ببنسعيد أو غيره من السياسيين، فإن هذه التصريحات تبقى تعليقات سياسية لا تفيد في تغيير الوضع، ولا يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار داخل الأمم المتحدة، لأنها ليست آلية للترافع)).. موضحا أن المغرب يجب أن يترافع عن قضيته من خلال الأدلة التاريخية.

   في هذا السياق، يؤكد الشرقاوي أن المغرب، أهمل الأدلة التاريخية على مغربية الصحراء منذ سنة 1975، عندما صدر الرأي الاستشاري عن محكمة العدل الدولية في لاهاي، ((واش مقدرناش من 1975 نلقاو أدلة جديدة على مغربية الصحراء)).. هكذا يتحدث الشرقاوي، قبل أن يضيف بأن الدولة، ملزمة بأن تأخذ بعين الاعتبار، مجهودات الباحثين والأكاديميين الذين يشتغلون على القضية في صمت دون أن ينتبه إليهم أحد..)) يكفي أن نعرف، أن ((نقطة ضعف المغرب في الأممية الاشتراكية، على سبيل المثال، هي أنه لا توجد فيها أية دولة  تعترف بمغربية الصحراء، إذ لابد من الحجج الأكاديمية والعلمية والتاريخية لإقناع هذه المجموعة.. وكذلك الشأن بالنسبة لباقي دول العالم، حيث يتعين على المغرب إتقان أسلوب الترافع الدولي بالحجج، كيف يمكن إقناع السويد والدنمارك بمغربية الصحراء، بالاعتماد على رأي استشاري لمحكمة العدل الدولية، بدون وثائق للترافع)).

   يقول الباحث الشرقاوي، رئيس المركز المغربي للسلام والقانون، والذي قدم لـ “الأسبوع” تفاصيل منسية عن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في قضية الصحراء، حيث قال بأن الفقرة 95 من رأي المحكمة الدولية جاء فيها: ((من المؤكد أنه في الوقت الذي استعمرت فيه إسبانيا الصحراء “الغربية”، كان للدولة الشريفية – دولة المغرب – طابعها الخاص، وهذا الطابع الخاص كان ينبع من حقيقة أن هذه الدولة كانت مؤسسة على رابطة الإسلام الدينية التي كانت توحد بين السكان، وكذلك على أساس ولاء القبائل المختلفة للسلطان عبر القادة والشيوخ أكثر منها على أساس مفهوم الأرض، وهنا يبدو الاختلاف جليا بين المفهومين الغربي والمغربي لمعنى السيادة، فهي في قوانين البلدان الغربية المؤسسة على أسس القانون الروماني، تأخذ شكل سيادة ترابية، ترتبط الدولة فيها بالأرض الوطنية مباشرة، بينما هي في الدولة المغربية، تعني سيادة شخصية، حيث يقدم السكان ولاءهم عبر ما يعرف بالبيعة لصاحب السيادة ممثلا في شخص السلطان، ويقبلون فيها بالخضوع لسلطاته السياسية والدينية ويكون تأثيره على الأرض من خلال تأثيره في السكان المقيمين عليها)).

   الخلاف حول تصور شكل الدولة بين النظرة الغربية وبين النظرة المغربية، يقتضي تقديم أدلة جديدة للمنتظم الدولي لدعم مسار قضية الصحراء في الأمم المتحدة، أو في ما يخص الدول التي يجب إقناعها بسحب اعترافها بالجمهورية المزعومة، حسب الشرقاوي الذي يؤكد أيضا، أن ((المقاربة القانونية في ملف الصحراء، من بين المداخل الأساسية لتشكيل وإقناع جماعات ضغط دولية فاعلة في صناعة القرار الأممي، كما يمكن الترافع بها في إطار الدبلوماسية الموازية للمجتمع المدني والفاعلين السياسيين والأكاديميين)).

   تاريخيا، في الثالث عشر من دجنبر 1974، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3292 القاضي بعرض مشكلة الصحراء “الغربية” على محكمة العدل الدولية في لاهاي لبيان رأيها الاستشاري حول مسألتين هما: هل كانت الصحراء الغربية قبل الاستعمار الإسباني أرضا لا مالك لها )بلا سيد(؟ وما هي الروابط القانونية بين هذا الإقليم وبين المملكة المغربية والمجموعة الموريتانية؟ وأمام المحكمة الدولية، كان على كل من المغرب وموريتانيا، أن يقدما ما لديهما من وثائق تثبت صحة ادعاءاتهما، فالمغاربة يدعون أن لهم حقوقا تاريخية في الإقليم الصحراوي، بينما يعتبر الموريتانيون أنهم وسكان الصحراء الغربية يشكلون شعبا واحدا، وبناءا عليه، فهم يطالبون بإلحاق جنوب الصحراء الغربية بدولتهم.

   يؤكد نفس المصدر، أن جبهة البوليساريو التي تطالب بحق شعب الصحراء الغربية في تقرير مصيره بنفسه، كانت غائبة رسميا عن مداولات المحكمة الدولية لعدم تمتعها بصفة الدولة، وقد تركزت مرافعات الجانب المغربي على مجموعة من الحجج، أبرزها: وجود رابطة البيعة بين السلطان المغربي وبين سكان الصحراء “الغربية”، تسمية القادة الصحراويين كانت تتم من قبل سلطان المغرب، الحماية العسكرية المغربية لقبائل ثكنة الصحراوية، مقاومة المغرب للوجود الاستعماري في الصحراء الغربية، الشيخ ماء العينين كان يعمل في الساقية الحمراء ممثلا للسلطان، وهو ما لم تأخذ به المحكمة دليلا على وجود سلطة فعلية للسلطان في الإقليم الصحراوي، جباية الضرائب من إقليم الصحراء الغربية، لكن المحكمة لم تقع على الدليل الواضح بهذا الشأن، حملات السلطان العسكرية في المنطقة الجنوبية من سوس عامي 1882 و1886، وقد رأت المحكمة أن حملات سلاطين مراكش على سوس في تلك الفترة، لم تصل وادي درعة، وبالتالي إلى الصحراء الغربية، الامتداد الجغرافي الطبيعي بين المغرب وسكان الصحراء الغربية، وجود روابط قومية وثقافية ودينية بين سكان المغرب وسكان الصحراء الغربية.

   أما بخصوص شواهد الإثبات المغربية، والمتمثلة بعدد من المعاهدات والاتفاقيات الموقعة بين المغرب وبعض الدول الأجنبية خلال فترة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والتي قدمها المغرب إلى المحكمة الدولية باعتبارها ذات صلة بإقليم الصحراء الغربية، وتشكل مستندا باعتراف دولي بسيادته على ذلك الإقليم، فقد صنفتها المحكمة على الشكل التالي، حسب نفس المصدر (ويلاحظ أن جلها لم يأخذ بعين الاعتبار):

  • معاهدات موقعة مع المغرب، وتتعلق بحماية وتحرير البحارة الذين تتعرض سفنهم للغرق على الشواطئ القريبة من وادي نون، ومثالها الاتفاقية المغربية- الإسبانية المبرمة عام 1767، والتي تؤكد على سيادة السلطان المغربي على وادي نون، لكنها لا تتضمن في رأي المحكمة، ما يمكن الاستدلال به على سلطة مغربية على الصحراء الغربية.

  • الاتفاقية المغربية- الإنجليزية الموقعة عام 1895 والتي تقر باعتبار الإقليم الممتد من وادي درعة وحتى رأس بوجدور جزءا من الدولة المغربية، لكن المحكمة لم تأخذ بهذا الرأي لتعارضه مع وثائق دبلوماسية وصلتها، توضح بأن الإنجليز كانوا يعتبرون حدود الإقليم المشار إليه في الاتفاقية المذكورة، لا تبعد أكثر من وادي درعة، وهنا أعطت المحكمة تأويلها في هذا الشأن، خلاصته أن بريطانيا العظمى، لم تعترف للسلطان بسيادته، وإنما اعترفت له بمصالح حيوية في تلك المنطقة.

  • ثم تأتي المراسلات الدبلوماسية المتعلقة بمعاهدة تطوان الموقعة عام 1860، وكذلك الاتفاق المدعى إبرامه بين المغرب وإسبانيا عام 1900، والذي يقول المغرب عنه أن إسبانيا، اعترفت له فيه بالسيادة حتى رأس بوجدور، هذا الاتفاق أنكرته إسبانيا وشككت بوجوده موريتانيا، لذلك رفضت المحكمة الأخذ به.

  • المراسلات الملحقة بالاتفاق الفرنسي الألماني الموقع عام 1911، يقدمها المغرب باعتبارها تشكل اعترافا من فرنسا وألمانيا بسيادته على منطقة الساقية الحمراء، وقد رأت المحكمة أن هذه المراسلات لها علاقة بتحديد مناطق المصالح السياسية لفرنسا وإذا ما أخذت كحجة تتعلق بسيادة المغرب على الساقية الحمراء، فإن قيمتها تبقى ضئيلة.

   وبعد استماع المحكمة الدولية إلى المرافعات الشفهية للأطراف المعنية ودراسة وثائقهم المقدمة، أعطت رأيها الاستشاري في السادس عشر من أكتوبر 1975، وجاء في ستين صفحة، وحفل بالكثير من الآراء الشخصية لقضاة المحكمة، وحول السؤال الأول الموجه إليها والمتعلق بوضع أرض الصحراء الغربية غداة الاستعمار الإسباني لها وما إذا كانت أرضا لا سيد لها، أجابت المحكمة بأن الصحراء الغربية اعتبارا من عام 1884، لم تكن أرضا سائبة، بل كانت مأهولة بالسكان الخاضعين لسلطة اجتماعية وسياسية يمارسها عليهم شيوخ القبائل، حسب نفس المصدر.

   وبشأن السؤال الثاني، حول طبيعة الروابط القانونية بين الصحراء الغربية وكل من المغرب وموريتانيا، ردت المحكمة الدولية، بأن استنتاجها حول طبيعة الروابط القانونية بين هذا الإقليم من جانب، وبين كل من المملكة المغربية والمجموعة الموريتانية، تختلف بشكل ملموس عن الآراء التي أدلى بها في هذا الشأن، كل من المغرب وموريتانيا، ورأي المحكمة بهذه الروابط ،هو أنها لا تتضمن سيادة إقليمية ولا حتى سيادة كلية، ولا احتواءا إقليميا في إطار كيان شرعي، وعليه، فإن التداخل الجغرافي المدعى به من قبل الدولتين، ليس له في نظر المحكمة، الصفة المعارة لها في الأقوال الآنفة الذكر، كما جاء في رد محكمة العدل الدولية في لاهاي، أن العناصر والمعلومات التي وصلت إلى علم المحكمة، تدل على وجود روابط قانونية في حقبة الاستعمار الإسباني، وروابط بيعة )روابط روحية ودينية  بين سلطان المغرب وبين بعض القبائل التي كانت أراضي الصحراء الغربية مداها الحيوي، وتدل أيضا على وجود حقوق بما فيها الحق المتصل بالأرض، كانت تشكل روابط قانونية بالمعنى الذي تفهمه المحكمة بين المجموعة الموريتانية، وبين إقليم الصحراء الغربية.

   ومن الأمور المنسية في قرار محكمة العدل الدولية، أنها استنتجت أن العناصر والمعلومات المنقولة إلى علمها، لا تشكل وجود أي رباط سيادة إقليمية بين إقليم الصحراء الغربية وبين المملكة المغربية من جهة، أو المجموعة الموريتانية من جهة ثانية، فهي لم تعتبر وجود الروابط القانونية المشار إليها ذات طبيعة كافية لتغيير تطبيق القرار الأممي رقم 1514، من جهة، لتصفية استعمار الصحراء الغربية، ومن جهة أخرى، مبدأ حق تقرير المصير عن طريق التعبير الحر والشرعي عن إرادة سكان الإقليم.

   وقد اعتبرت جميع أطراف المشكلة رأي محكمة لاهاي الاستشاري لصالحها، ففي المغرب، وفور إعلان المحكمة الدولية عن رأيها هذا، سارع الملك الحسن الثاني إلى توجيه خطاب إلى الشعب أعرب له فيه عن سعادته البالغة بهذا الحكم الإيجابي الذي يعترف بوجود روابط قانونية بين المغرب وبين سكان الصحراء الغربية، فبالنسبة  للمغرب، فإن مفهوم البيعة الوارد في رأي المحكمة الدولية، هو نوع من الولاء كان قائما بين القبائل الصحراوية وبين سلطان المغرب، ويعتبر من أشكال التعاقد الدستوري بين السلطان ورعاياه، وهو مستمد من شريعة الإسلام ومن الأعراف والتقاليد العريقة التي ارتكزت عليها الدولة المغربية في بسط سلطتها.

   وكانت البيعة وسيلة في ممارسة السلطات العليا في الدولة المغربية، وهي تختلف كليا عن المفهوم الغربي للسيادة، لكنها مساوية له تماما من حيث الممارسة العملية، وكانت محكمة لاهاي، قد أخذت بعين الاعتبار تلك الخاصية، فقد ورد في الفقرة 94 من رأيها الاستشاري ما يلي: ((ليست هناك أية قاعدة في القانون الدولي تقضي أن يكون هيكل الدولة على نمط معين، وهذا واضح من تنوع أشكال الدولة في عالم اليوم، وعلى هذا، فإن مطلب المغرب له ما يبرره))، يؤكد الشرقاوي.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!