في الأكشاك هذا الأسبوع

التلـفـزة الـرمضــانية

عبد الله ملول. الأسبوع

   يجتمع الصائمون في رمضان المبارك حول مائدة الإفطار في انتظار إعلان آذان المغرب عبر التلفزيون الذي تتكدس عبره العديد من البرامج والسيتكومات المملة في القناتين الأولى والثانية والتي تحمل رسائل متجاوزة، كالتهافت على الزواج بأي ثمن، والنظرة الدونية لغير المتزوجات، وحصر دور المرأة المغربية في المطبخ، وتقبل التعنيف اللفظي، كما تتجاهل خليات الكتابة عندهم مختلف الهويات المغربية، فلا مكان لشخوص تمثل أهل الصحراء والأمازيغ وأهل الريف، بالإضافة إلى خلو المشاهد التلفزيونية من حضور الأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، أما الوصلات الإشهارية، فتنتظر الفرصة السانحة لتخرج إلينا عبر الشاشة المسطحة التي يرتفع صوتها لجلب أنظار الذين تغطي أواني الحريرة وجوههم والذين تشرئب أعناقهم إلى السقف وهم يشربون كؤوس العصير  تقبل الله صيامهم، وحصريا هذه السنة، ما إن يصل المؤذن إلى التوحيد في آخر الآذان، وقبل أن ينتهي المشاهدون من “اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة”، أو من “اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت” حتى تهتز الطاولة بما عليها على وقع “عندو الزين..” فيأتي الصغار مسرعين لمشاهدة إشهار لا يعنيهم، يتعلق ببيع المنازل الاقتصادية عن طريق أغنية أصبحت تحتل المرتبة الثانية بعد آذان المغرب وتتربص به، وربما تتمنى أن يمر بسرعة أو يبدلوا المؤذن بآخر أسرع منه، وقد ننتظر في يوم ما، حدوث خطإ في الدوس على الأزرار فتنطلق “عندو الزين” قبل الآذان في رمضان، فغالبية المشاهدين يتذكرون البرمجة التلفزية خلال السنوات الماضية التي كانت تحترم الآذان عن طريق إدراج فاصل موسيقي من طرب الآلة أو ابتهالات مصورة مغربية أو مستوردة أو وثائقي عن الطبيعة أو المساجد العتيقة، وذلك حرصا منها على احترام المسافة القانونية والشرعية بين الآذان وما بعده.

   من حق وكلاء الإشهار أن يختاروا من الأغاني ومن السكيتشات ما يشاؤون، وبالمقابل، من واجب المشرفين على البرمجة أن يحترموا ولو في العشر الأواخر من الشهر المبارك، حرمة آذان صلاة المغرب، الذي احتدم فيه التنافس الشرس بين شركات العقار، فأصبح الوصول إلى إقناع المشاهدين يدفعهم نحو اللجوء إلى المطربين والمطربات وتغيير كلمات الأغنيات الرائجة بعد فشل المقاربات السابقة التي كانت تعتمد على وسائل الإغراء كتقديم الهدايا العينية والمالية المتمثلة في التسهيلات والإعفاءات من مصاريف الملف أو نفقات التسجيل أو منح مطبخ مجهز لمن يقتني الشقة أو المشاركة في برنامج “للا لعروسة”، وفي القريب العاجل، ننتظر أن يقدموا للمشاهدين إشهارا لشقة مفروشة معها عروسة، وهذه البرامج التسويقية أصبحت اليوم تعتمد على المطربين الأجانب، آخرهم القيصر كاظم الساهر، الذي قدم أغنية جاهزة لا علاقة لها باسم شركة العقار اللهم الديكور الخلفي أو الجملة الأخيرة المسجلة بصوت هذا الفنان المقتدر كأنها أرسلت عبر الهاتف، أموال طائلة للدعاية صرفت لسنوات كان بالإمكان خصمها من أسعار العقار للنزول إلى مستوى ومقدرة جيوب الذين هم في حاجة إلى المساكن الاقتصادية مما قد يجعل الطلب أكثر من العرض، خصوصا والجميع يعلم حجم التسهيلات التي تمنح لتلك الشركات، سواء تعلق الأمر بثمن الأرض أو بالتسهيلات البنكية، فهذه الوصلات الإشهارية الخاصة بالعقار والأخرى المتعلقة بشركات الاتصالات عبر الهواتف الثابتة والمنقولة وغيرها، هي التي تتهافت على الشاشة الرمضانية بغية إدخال اليد في جيوب المشاهدين الذين يلتهمون الوجبات الإشهارية الرمضانية هابطة القيمة والتي يتم إعدادها بطرق غير احترافية وجد متجاوزة، بحيث يتم الترويج مثلا لمنتجات استهلاكية رخيصة نوعا ما بواسطة أفراد أسر عصرية تنتمي لمغرب آخر يبتعد كل البعد عن أرقام المندوبية السامية للتخطيط، وحتى الإعلان عن الإشهار، يصور موائد ممتلئة خلفها جدران من الزليج المغربي الفاخر وحولها نساء يستعرضن القفطان المغربي كما لو تعلق الأمر بالترويج للسياحة الخارجية، وهذه العشر ثواني، كان من الممكن تخصيصها لتصوير لقطة لأسرة فنان أو فنانة مغاربة طواهم النسيان وابتعدت بهم الدنيا، وجوه كانت تسكن مخداتنا عوضتها اليوم الهيمنة النرجسية لوجوه أخرى تطل علينا في هذه الإنتاجات الدرامية الرمضانية في الليلة أكثر من مرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!