في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | العماري وبنشماس وبنعزوز.. الوسطاء الذين تورطوا في فشل “المصالحة” بين الدولة والريف

توقعات بزيارة ملكية للريف وإلقاء خطاب العرش من الحسيمة

إعداد: سعيد الريحاني

   ربطت مصادر مطلعة، بين حالة الاستنفار التي تعيشها مدينة الحسيمة، والتحضير لزيارة ملكية مرتقبة للمنطقة، قد تشمل عدة مدن بشمال المغرب بما فيها مدينة الحسيمة، التي تشهد غليانا كبيرا، نفس المصادر توقعت إعطاء دينامية جديدة للمشاريع التي سبق وأن دشنها الملك، وعرفت بعض التأخير في الإنجاز، بل إن نفس المصادر لم تستبعد إعادة تكرار سيناريو سنة 2004، عندما قضى الملك محمد السادس بعض الليالي في خيمته وسط منكوبي زلزال الحسيمة (يوم 25 مارس 2004)، ومنها وجه خطابه الشهير، المؤسس للمصالحة الكبرى كبداية للعهد الجديد(..).

   وكان الملك محمد السادس، قد علق على كارثة زلزال الحسيمة قائلا: ((.. أبان المغاربة قاطبة بتضامنهم العفوي والملموس، على أنهم شعب يعرف كيف يحول ما يصيبه من نوائب الدهر.. يرفض المتاجرة الدنيئة والاستغلال السياسوي المقيت لمعاناته، مما يصيبه من كوارث طبيعية.. شعبي العزيز، من واجب التزامي بمصارحتك، فإننا قد استخلصنا الجوانب الإيجابية ومواطن الخلل في هذه المحنة، معتزين بالتضامن الشعبي، ومنوهين بالتعبئة الشاملة لكافة أجهزة الدولة، المدنية منها والعسكرية، وفعاليات المجتمع المدني، والمتطوعين من رعايانا الأوفياء، في الداخل والخارج، في ظروف جغرافية ومناخية صعبة، معربين عن امتناننا للدول والهيآت الشقيقة والصديقة، التي آزرتنا في هذا الظرف العصيب، ومع ذلك، يجب أن نصارح أنفسنا، بأننا لسنا مؤهلين على الوجه الأكمل، لمواجهة الطوارىء، وأنه برغم ما بذلته الدولة للنهوض بهذه المنطقة، فإنه يتعين مضاعفة الجهود لفك العزلة عنها، والاستثمار الأمثل لما تزخر به من مؤهلات)).

   بغض النظر عن حكاية “بلاد السيبة” مقابل “بلاد المخزن”(..)، وبغض النظر عن حكاية تورط الدولة الإسبانية، والربابنة الأمريكيين في قصف الريف بالغازات الكيماوية، فإن وصول الريف إلى ما وصل إليه اليوم، يطرح سؤال “المصالحة” بشكل عام، وسؤال حول الجهات التي فشلت في هذه الوساطة بشكل خاص.

   هل سبق وأن تساءلتم، وأنتم تشاهدون هذه الغزوة التي أحدثها حزب الأصالة والمعاصرة في مفاصل الدولة والأحزاب السياسية، من أين جاء إلياس العماري، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، المتهم رقم واحد بـ “التحكم” وهو وصف مخفف لصيغة “التلاعب”؟ ومن أين جاء حكيم بنشماس، الذي تحول من أستاذ جامعي إلى رئيس الغرفة الثانية للبرلمان في زمن قياسي ليصبح ذا نفوذ كبير؟ هل تساءلتم يوما، من أين جاء عزيز بنعزور، الذي امتك القوة ذات يوم ليصف رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بن كيران بـ “كبير النصابين”؟ ما قصة هؤلاء “الريفيين” الذين حجزوا مقاعد مريحة في العاصمة الرباط؟

   الجواب سهل، والحكاية كلها بدأت سنة 2004، مع إطلاق تجربة “الإنصاف والمصالحة” كما يرويها، امبارك بودرقة وأحمد شوقي بنيوب، في كتاب “كذلك كان”، وقتها وجدت هيئة “الإنصاف والمصالحة” التي ترأسها الراحل إدريس بنزكري، تفاوتا عميقا بين ما يصرح به الريفيون من انتهاكات، عن فترة 1958 و1959، وبين عدد طلبات التعويض المتوصل بها، وقتها ((توقفت الهيئة عند العدد القليل من طلبات التعويض التي توصلت بها في ما يتعلق بهذه الأحداث، بحيث كان الكل يتحدث عن انتهاكات جسيمة، وسقوط عدد كبير من الضحايا، وحصول اعتقالات واسعة، لكن الطلبات المتوصل بها ظلت قليلة جدا، لهذا قرر المرحوم بنزكري، القيام بزيارة استكشافية للمنطقة، يومي 19 و20 شتنبر 2004، حيث رافقه، كل من بودرقة وصلاح الوديع، عضوي الهيئة، وحكيم الكام، إلى مدينة الحسيمة في إطار زيارة تشاورية مع بعض الأطر المحلية في ما يتعلق بملف الريف وعلى الخصوص، أحداث 1958 و1959، وتواصل وفد الهيئة من خلال اللقاءات، مع مجموعة من النشطاء والباحثين، منهم فاعلين جمعويين وأساتذة وباحثين، ومع السادة، إلياس العماري وحكيم بنشماس وعبد السلام بوطيب وعزيز بنعزوز ومحمد الشيخ، المهندس المعماري والباحث في شؤون العمران..)) (المصدر: مذكرات هيئة الإنصاف والمصالحة/ امبارك بودرقة وأحمد شوقي بنيوب).

   قصة الريف، التي جعلت منه جزءا لا يتجزأ من ملف “الإنصاف المصالحة”، التي أدى ثمنها المغرب من خزينة الدولة بالملايير، شرحها الشهود على عمل الهيئة (أصحاب الكتاب المشار إليه)، عندما قالوا بأن فريق التحريات، انكب على استجلاء حقيقة ما وقع من انتهاكات خلال سنتي 1958 و1959، وانصرف فريق الأبحاث والدراسات لإعداد تقارير ودراسات تاريخية حول هذه المرحلة، وأنجز فريق “جبر الأضرار” بتاريخ 14 مارس 2005، بمساهمة كل من النقيب، مصطفى الريسوني والأستاذ مصطفى اليزناسني والدكتور محمد النشناش، دراسة تحليلية حول أحداث الريف جاء فيها: ((إن دراسة هذا الحدث، وفي مرحلة متقدمة من الصراع السياسي عشية الحصول على الاستقلال، وبعد مفاوضات “إيكس ليبان”، وما نتج عن ذلك من انعكاسات سياسية سادت المرحلة الممتدة ما بين 1956 و1960، ودخول ثورة الريف ضمن سلسلة الانتفاضات التي عرفتها البادية المغربية، إن الريف يعد مهدا لجيش التحرير بمثلث الموت “أكنول” و”تيزي أوسلي”، و”باب برد”، وغيرها من المناطق، كما يمكن اعتبار تمركز الأفكار الثورية في الحسيمة والناظور وتازة، نتيجة استمرار خلايا جيش التحرير في نشاطها، وإنها المنطقة الوحيدة التي كانت تعرف نشاط هيئة الريف، التي أسست من طرف عبد الكريم الخطابي، وهذا الوضع دفع عددا من الأطراف إلى تركيز عملها لتصفية هذه البؤرة الثورية، لكن مع الأسف، تجددت الاضطرابات في دجنبر 1958، واستمر التصعيد في بداية 1959، بعد أن قاد الأمير مولاي الحسن فرقا من الجيش الملكي تحت إشراف الكولونيل، محمد أوفقير آنداك، لإخضاع الثائرين ووضع حد للانتفاضة..)).

   هذا من حيث سوء الفهم التاريخي بين الريف والدولة، ولكن من حيث العمل الميداني سنة 2004، فإن هيئة “الإنصاف والمصالحة”، اتفقت مع الأطر المحلية، وهم في هذه الحالة: العماري وبنشماس وبنعزوز، وبغض النظر عن طريقة تدبير ملفات شخصية لبعضهم داخل هذه الهيئة الحقوقية، فقد تم الاتفاق على ثلاثة محاور، أولا: محاولة فهم الحجم المحدود من الطلبات الواردة على هيئة “الإنصاف والمصالحة” من طرف سكان المنطقة، ضحايا أحداث 1958 و1959. ثانيا: الوقوف على بعض الأماكن التي شهدت الأحداث ومواقع الذاكرة بالمنطقة، ثم النظر في إمكانية عمل الهيئة عن قرب بالمنطقة وفق برامجها الاستراتيجية، كما تم الاتفاق على التنزيل الميداني لهذه المحاور رفقة نفس الأشخاص سالفي الذكر عن طريق تشجيع الضحايا على الحديث عن الأحداث، ومحاربة الفكرة السائدة بأن الريف يشكل حلة استثنائية، وتوضيح دور المهاجرين في القضايا التاريخية التي لها علاقة بالمنطقة، واستغلال التحول الذي أحدثته نتائج زلزال 2004 لدى ساكنة منطقة الحسيمة، حيث شعروا لأول مرة، أن الدولة التزمت فعليا بمساعدة الساكنة، خاصة بعد إقامة الملك محمد السادس في خيمة وسط المواطنين.. (المصدر: مذكرات هيئة “الإنصاف والمصالحة”).

   جزئيات كثيرة لم تعرف عن زلزال الحسيمة أو طالها النسيان، مثل مبيت الملك محمد السادس في خيمة، للإشراف على العلاجات المقدمة للمصابين الذين كان يقوم بزيارتهم في المستشفى الميداني، كما أن جزئيات كبيرة من عمل هيئة “الإنصاف والمصالحة” لم تخرج أيضا إلى حيز الوجود، ومنها، أن الدولة أبدت استعدادها لنقل رفات عبد الكريم الخطابي إلى وطنه الأم، لأنه ((بالفعل، فقد بدأ المرحوم بنزكري بمعية بودرقة بالاتصالات الأولية التي أسفرت عن استعداد الدولة لوضع كل إمكانياتها، ليس فقط، لنقل جثمان عبد الكريم الخطابي، بل إعادة الاعتبار لقيمته التاريخية وأخذ المكانة التي يستحقها في تاريخ هذا الوطن، وذلك بتنظيم جنازة وطنية تليق ببطل مغربي، وبإقامة متحف قرب ضريحه لتذكير الأجيال القادمة بإنجازاته، وتوجه إدريس اليزمي للقاهرة للتحاور مع السيد سعيد الخطابي، نجل “الأمير” الخطابي، وبعد اللقاء، طلب سعيد الخطابي مهلة للتفكير في الأمر، غير أن المنية غيبت المرحوم بنزكري يوم 20 مايو 2007، كما انتقل إلى عفو الله سعيد بن عبد الكريم الخطابي يوم 8 نونبر 2007، أي نفس  سنة وفاة إدريس بنزكري)) (نفس المصدر).

   هكذا إذن، لم تتم إعادة رفاة عبد الكريم الخطابي إلى أرضه، رغم استعداد الدولة لذلك، ليطرح السؤال، لماذا تم تعطيل هذا المشروع ولمصلحة من؟ وها هي الحشود تخرج للتظاهر في نفس المناطق، لتؤكد الشروع في الانقلاب على “المصالحة” الموقعة من خلال هيئة “الإنصاف والمصالحة”، التي تحول تقريرها بفعل انخراط “الوسطاء” في حزب الأصالة والمعاصرة، إلى وثيقة تأسيسية لهذا الحزب، مما يعني إفراغها من محتواها وتحويلها إلى مجرد أصل تجاري للحزب المعلوم(..).

   بنشماس اليوم، وهو قيادي كبير في حزب الأصالة والمعاصرة، لم يظهر في الحسيمة بالتزامن مع الاحتجاجات، بل اكتفى بإطلاق مبادرته من الرباط، باعتباره مواطنا ريفيا “وليس رئيسا لمجلس المستشارين أو زعيما بحزب سياسي” تقوم على 7 محاور، منها، ((الإقرار بعدالة ومشروعية الملف المطلبي للسكان، وإلغاء التواجد الأمني بالمنطقة، وتوفير محاكمة عادلة للمعتقلين))، أما بنعزوز، الذي حاول أن يغطي على دوره في الريف بإلقاء سؤال في الغرفة الثانية، وصفه المعلقون بالمتردد، فإنه اسمه ظهر بشكل أكبر ارتباطا مع فضيحة العثور على إسمنت كان مخصصا سنة 2004 لمنكوبي زلزال الحسيمة وظل مخبئا منذ ذلك الوقت في منطقة تماسينت إلى أن انكشف اليوم، لتوجه مستشارة جماعية من حزب العدالة والتنمية واسمها سعاد شيخي، عدة اتهامات لمن وصفتهم بـ ((الفريق المدني متعدد الاختلاسات المكلف بإعادة الإعمار بعد الزلزال المدمر الذي هز منطقة الحسيمة في فبراير 2004)) (المصدر: موقع هسبريس/ 9 ماي 2017)، أما كبيرهم الذي علمهم “الوساطة”، إلياس العماري، فقد عجز عن وضع قدمه وسط المحتجين، وأصبح يطالب بمحاكمة لجميع الأحزاب، بعد أن تأكدت الأطراف كلها من تكريس إبعاده، وتجريده من كل دور محتمل.. وهاهي الأطراف السياسية تحمل حزب إلياس العماري مشكلة الريف، وها هو نبيل بنعبد الله يقول: ((إن حزب الأصالة والمعاصرة، يسير 30 جماعة من أصل 36، حيث يجب على هذا الحزب، أن يخجل قليلا، فإذا كان هناك من لم يقم بدوره، فهم منتخبو “البام” الذين اكتسحوا الانتخابات الجماعية بأسلوب يعلمه الكل.. وأضاف بنعبد الله، إن “البام” جزء من مشكل الريف ولن يكون جزءا من الحل..)) (المصدر: موقع الأول/ 12 يونيو 2017).

   هكذا إذن فشل الوسطاء بين الدولة والريف، وما التأكيد هنا إلا على لسان، حسن أوريد، الناطق الرسمي السابق باسم القصر، والملم أكثر من غيره بكواليس القضية الأمازيغية(..)، فقد ((اعتبر حسن أوريد، أن مجيء الملك محمد السادس للحكم سنة ،1999 طبعته المصالحة مع منطقة الريف التي كانت علاقتها متوترة مع والده الراحل الحسن الثاني، وأضاف أوريد الذي حل ضيفا على قناة “فرانس 24″، أن الملك محمد السادس، بعث بعد اعتلائه للعرش، إشارات إيجابية عبر زياراته المتكررة للريف، وخاصة بعد زلزال الحسيمة سنة 2004 قبل أن يستدرك بالقول، أن اعتماد الدولة بعد ذلك على وسطاء مع ساكنة الريف، لم يخدم التوجهات الملكية ولا التدابير الإدارية الرسمية، كما اعتبر أن ساكنة الريف أدركت واقتنعت برغبة الملكية في المصالحة مع المنطقة، مشيرا في ذات السياق، إلى أن المتابعة والمواكبة الإدارية لذلك لم تتم، مضيفا بأنه لم يكن ضروريا، أن تعتمد الدولة على وسائط وأشخاص دون مهمة مع ساكنة الريف))، والفاهم يفهم من هم الوسطاء الفاشلون في الريف.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!