في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | لماذا لم يمش الهمة والماجدي وعزيمان في مسيرة الرباط

العدل والإحسان ينجح في تأسيس تحالف سياسي جديد

بقلم: مصطفى العلوي

   إذا كانت عملية الكشف الطبي الجاد، بحثا عن المرض، مصادره وأسبابه، تتطلب حراكا(…) وتجهيزا وجهودا، فإن المسيرة الرباطية لدعم الحراك الحسيمي يوم الأحد الماضي، كانت تشكل تحولا سياسيا كبيرا في تاريخ المغرب السياسي، وتجمعا سياسيا فريدا من نوعه، زامن يوم انطلاق واقع سياسي في الانتخابات النيابية الفرنسية، التي واكبت – بالصدفة – مسيرة الرباط، وأعطت لفرنسا برلمانا جديدا لا علاقة له بما سبق، جعل الاشتراكيين الذين كانوا يحكمون فرنسا ينزلون إلى أسفل سافلين، مسيرة الرباط التي لم يرخص بها أحد(…) ولم يوقفها أحد(…) وإنما كانت في منتهى التنظيم، متنوعة التركيب من طرف النخبة السياسية لجميع الأحزاب المغربية، الغير متفقة.. وبدون استشارتها طبعا.. لدرجة سخر السامعون فيها من رئيسة الحزب الاشتراكي الموحد، وحتى رئيس حزب التقدم والاشتراكية، الذين قالوا أنهم لم يشاركوا في المسيرة لكونها منظمة من طرف جماعة العدل والإحسان التي لسنا متفقين معها، علما بأن الأحزاب المغربية التقليدية أسلمت روحها بين يدي ربها، وهي تردد بدل الشهادة قولها: اتفقوا على أن لا يتفقوا.

   وأعطى منظمو المسيرة التي قدر المراقبون أن عدد المشاركين فيها مائة ألف، وبدون مبالغة، الدرس القاسي للنظام، في الالتزام بأصول النظام، وحتى تلك الأقليات التافهة لمن سموا أنفسهم العياشة، يتعيشون من الطاعة والولاء، لمن يدفع لهم سرا(…) وقد كشفوا عن أنفسهم أثناء المسيرة وهم يحملون صورا مؤطرة بالزجاج، للملك محمد السادس، سرعان ما أنهكت أكتافهم، فأنزلوها(…) وربما كما قال واحد منهم في قناة إلكترونية ((نحن عياشة، واللهم عياش ولا أوباش، وسنؤسس ابتداء من اليوم(…) الجمعية المغربية للعياشة للدفاع عن الملك)).

   وكان مأمولا في الواقع أن لا تكون المناسبة فرصة لزرع فتنة أنصار الملك، ضد المتظاهرين ضد الملك، لأن المتظاهرين لم يكونوا ضد الملك، أصلا.. والملك لا يمكن أبدا أن يكون طرفا، حتى لا يحدث له ما يحصل عادة للأطراف.

   وها هي سوريا لازالت منذ خمس سنوات تتقطع أوصالها دولة وجيشا، نتيجة ارتكاب نفس الغلط، بنزول أنصار بشار الأسد وسط المتظاهرين.

   بينما ضخامة مسيرة الرباط، كانت فرصة لذلك التمازج الشبابي المختلف الاتجاهات، بطريقة ديمقراطية لا تشوبها شائبة، ولو نزل للسير فيها أعوان الملك محمد السادس، الماجدي والهمة، والمنوني، وعزيمان، لصفق لهم المتظاهرون، ولكانت فرصة لحصول الاتفاق على وحدة الرأي في محاربة الفساد ودعم دولة القانون، لأنه لو لم تكن دولة القانون، لما كانوا في مواقعهم يحكمون.

   مؤسس العدل والإحسان، القطب الفريد(…) الشيخ عبد السلام يس، نفسه وقد انتقل إلى دار البقاء منذ سنوات طويلة، كان يتصور ويتوقع هذا المسار الذي فرض هذه المسيرة، التي دعا إليها وارثو حركته، وعندما أصبح محمد السادس ملكا، كتب له رسالة منشورة أول سطر فيها يقول: ((الملك الشاب محمد السادس رصيد من المودة تكنها له شبيبة مغربية، اكتشفت فيه صاحبا لها))، ولكن الشيخ يس تبرم في رؤياه من الظروف التي سيواخذ المغاربة عليها واقعهم الحالي، وكأنه يقرأ المستقبل، ويكتب: ((لا يمكن للنية الحسنة أن تصمد أمام دهاء الثعالب(…) في ظل هذه الأوضاع البوليسية التي انعدمت فيها كل رقابة، واغتنمت الذئاب المحتمية بصاحب الصولة والصولجان،الفرصة، فعربدت، ورتعت، وكدست)).

   وكان الشيخ يس الذي اتفقت الأحزاب السياسية كلها مع المعربدين والراتعين، والمكدسين، على أن ديمقراطيتهم(…) لا مكان فيها لما يسمى العدل والإحسان، وهم الذين صنفهم الشيخ يس، الغائب الحاضر في مسيرة الأسبوع الماضي بالرباط، بأنهم: ((المشاغبون المعكرون صفو الأمة هم أعداء الشعب الممقوتون، أهل اليسار البارحة(…) وهم اليوم الملتحون والمحجبات من أهل الإسلام)).

   وينضم الشيخ يس إلى أصوات الهاتفين في شوارع مسيرة الرباط، ليكتب في رسالته الوصية: (( لا مناص من إعادة النظر في النظام بأكمله، لابد من وضع القطار على سكة جديدة، ولابد من قاطرة قوية(…) ويد صارمة)) (مذكرة إلى من يهمه الأمر. عبد السلام يس).

   حكاية قديمة إذن، تلك التي تخيف الأجهزة العاجزة سياسيا، من حكاية تغيير النظام، وتصريحات بعض الدعاة لنظام الجمهورية، من باب التهديد والمساومة فقط، أو الانفصال، ويجعلون من هذه الأخطار المصنوعة مرتعا لكسب الملايير، وربما عبر تأسيس ما يسمى بالشبيبة الملكية(…) كظاهرة للدفاع عن النظام، بينما النظام ملزم بإزاحة كل الحدود بينه وبين المغرب، وإذا أصبح هناك في المغرب نظام وشعب، فتلك النهاية لصراع غير متكافئ، لأن التطور الإلكتروني والقنوات الإعلامية المتوفرة لم تعد تسمح لأي كان أن يسود(…).

   وحتى ظروف زعامة القطب الحسيمي ناصر الزفزافي صنفته في سياق الديكتاتورية البديلة، بعد أن اجتمعت به صحفية فكتبت عنه ((أنه قال لها أنه لا يقبل الحل الوسط، فإما معه أو ضده، وقد أحدث حوله الفراغ ولم يحط نفسه إلا بالفراغ مفضلا قرابته ممن لا يعارضون أفكاره، ويصفقون لقراراته)) (طيل كيل. عدد 1 جوان 2017).

   حقا وكما قال الصحفي خالد الجامعي ((بأن الحراك الريفي لا يمكن أن يرتبط بتجاوزات الزفزافي)) فإن الدولة لو تطرقت لوضع الريف بعيون واقعية، غير متأثرة بالتقارير المصلحية(…) ولو أن الزفزافي وأمثاله من أولاد الريف المتضررين، سلكوا سبلا أخرى أقرب من التي سلكوها، لما كان الريف منطلق المشاكل، لأن الواقع الريفي استراتيجيا وسياحيا وثقافيا هو أحسن بكثير من جهات أخرى في المغرب، تعاني أكثر من معاناة الريف، ومن يدري، فهناك في الريف من يسخرون هذه الأوضاع لدفع عملية الترخيص بتجارة الحشيش، وهم معروفون.

   ويبقى المنطلق الواقعي لربط الريف بثورة عبد الكريم الخطابي، وقد نشرت له صور عدة، في مواقع مدنية وعسكرية عدة، لم يظهر فيها أثر لعلم انفصالي، وكان رحمه الله لا يهمه، إلا استقلال الشمال من الاحتلال الإسباني، ولذلك تحالفت الجيوش الفرنسية والإسبانية لضربه بكل عنف، ثم اعتقاله ونفيه، وكان غلط الأجهزة التافهة أيضا(…) في عدم تدريس تاريخ جهاد عبد الكريم الخطابي في المدارس والجامعات، لأن تخويف نظام المغرب بجمهورية الريف، خطأ تسأل عنه أجهزة الدولة نفسها.

   وقد رأينا كيف أن بعض أولاد الريف، ومن بينهم مستشار الرئيس الفرنسي الجديد ماكرون، وهو ابن الحسيمة “واعروص” كيف استغل ضعف الأجهزة المغربية ليورط رئيسه الجديد في مطالبة صريحة لما سماه في رسالته المعنونة ((العالم كله شاهد على ما يقع في الريف)) مطالبا بـ ((الجلوس إلى طاولة المفاوضات حول الملف المطلبي، والعمل على مصالحة حقيقية(…) آخذين بعين الاعتبار المعطى التاريخي(…) الريفي))، وهو توجه في عمقه أخطر بكثير من المواخذات التي يبحث القضاء المغربي إثباتها في حق ناصر الزفزافي.

   ولكن ضعف المغرب، وأخطاء الأجهزة المغربية، وغياب الأحزاب المغربية، وهيمنة الطبقة المحيطة بالملك على الأوضاع السياسية والاقتصادية، كلها مكونات تضعف الموقف المغربي، لا تجاه الزفزافي ومحتجي الحسيمة، فحسب ولكن تجاه العالم أجمع، لدرجة جعلت تاجرا متابعا أمام القضاء بتهريب الحشيش يكتب إلى الأمم المتحدة منددا بموقف المغرب من الريف.

   وأخيرا، فإذا كانت للنظام آذان يسمعون بها، وعيون ينظرون بها، فإن الإجماع الوطني حصل حول حتمية الخروج من الجمود المعاش، واللامبالاة القاتلة(…) وتصحيح الأخطاء المستفحلة ومن بينها إنصاف العدل والإحسان، وقد تساءل مؤسسها عن الملك محمد السادس قائلا: ((ماذا يمكنه أن يفعل، هل يستسلم لسحر المدائح التي يكيلها له الوصوليون؟)).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!