في الأكشاك هذا الأسبوع

ماذا وراء انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية المناخ؟

نوفل الناصري. الأسبوع

   أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهاية الأسبوع الماضي، عن انسحاب بلاده من اتفاقية باريس للمناخ التي وقعت سنة 2015، بإشراف من الأمم المتحدة، ودخلت حيز التنفيذ في 4 نونبر 2016، وقد وصل عدد الدول التي وقعت على هذه الاتفاقية، 194 دولة، وظلت فترة التوقيع متاحة أمام الدول من 22 أبريل 2016 حتى يوم 21 أبريل 2017.

   وحسب الرئيس الأمريكي ترامب، فإن اتفاقية باريس، تهدف إلى إلحاق الضرر بالولايات المتحدة وإعاقتها وإفقارها، وأنها غير منصفة للشعب الأمريكي وليست في صالحه، وجاء في كلمة الانسحاب التي ألقاها الخميس الماضي في حديقة البيت الأبيض: “اعتبارا من اليوم، ستكف الولايات المتحدة عن تنفيذ مضمون اتفاق باريس، ولن تلتزم بالقيود المالية والاقتصادية الشديدة التي يفرضها الاتفاق على بلادنا”.

   هذا القرار يتوافق وموقف ترامب الصريح من اتفاقية باريس الذي عبر عنه في حملته الانتخابية، والذي وصف خلاله التغيرات المناخية بالخدعة التي ابتدعتها الصين، مشككا بذلك، في الأساس العلمي لظاهرة الاحتباس الحراري، فضلا عن وجود قناعة راسخة لديه بأن القيود البيئية على الشركات، تجعلها أقل قدرة على المنافسة في السوق العالمية.

   ويرى ترامب، أن التزام الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين بمساعدة الدول النامية للتحول نحو مصادر أنظف للطاقة، وتقديم 100 مليار دولار حسب الاتفاقية، سيضر الاقتصاد الأمريكي وسيكلفه 3 تريليون دولار من الناتج العام، وسيقضي على 6 ملايين وظيفة صناعية.

   واللافت للنظر في هذه الواقعة، أن اتفاق ،2015 لم يكن ليتحقق بدون الإرادة الأمريكية، وقد قام الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، بدور أساسي ومحوري في تحقيق الإجماع العالمي على هذه القضية وإقناع باقي الأطراف، خصوصا الصين والهند وروسيا بضرورة حماية العالم من خطر كانوا هم وأمريكا من بين مسببيه، وتعهد أوباما آنذاك، بتخفيض الولايات المتحدة الأمريكية للانبعاثات الضارة المسببة لتغير المناخ بنسبة من 26 % إلى 28 % مقارنة مع انبعاثات 2005 وذلك بحلول عام 2015، وهو ما يجعل من قرار ترامب ليس فقط تراجعا عن أهم إنجاز وسم عهد أوباما، بل انقلابا على السياسة الأمريكية الثابتة في ما يتعلق بقضية المناخ وبالقضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك.

   إن تداعيات خروج الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية باريس للتغير المناخي لن تقتصر على المجال البيئي الذي وقعت عليه 194 دولة، بل ستمتد إلى جل المستويات، في العلاقات الدولية وفي المجال السياسي والاقتصادي والاتفاقيات التجارية بين الدول، وبخاصة ذات النفوذ على مستوى العالم.

   بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الهروب الأمريكي سيكون حاضرا وبشكل كبير في معظم اللقاءات الثنائية والمؤتمرات الدولية، وغالبا لن تكون المفاوضات لصالح الولايات المتحدة الأمريكية بحكم فقدانها للقيادة الأخلاقية للقضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك.

   وفي سياق ذلك، برز تكتل دولي جديد يتكون من الصين وروسيا والهند واليابان وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، والذي يسارع إلى ملإ الفراغ والقيام بالدور الذي تراجعت عنه الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي سيتيح لهذه الدول التقدم لتصدر المشهد السياسي الدولي.

   علاوة على ذلك، سيغضب قرار ترامب الشركات الكبرى في الولايات المتحدة والتي أعلنت تأييدها لاتفاقية باريس، ومن بينها شركة “جوجل” و”أبل”، ومئات الشركات الأخرى التي تشغل عاملين في مجالات الطاقة مثل “إكسون موبيل”، والذين طالبوا ترامب صراحة بالالتزام بالاتفاقية، وقد انطلقت موجة من الانتقادات الداخلية كان أبرزها ما صرح به الرئيس السابق باراك أوباما ووزير خارجيته، حيث اعتبروا قرار الانسحاب “تَخَل غير مسبوق عن زعامة أمريكا”، معتبرين أن البلاد ستدفع ثمنه على صعيد النفوذ الدولي، ومشددين في الحد ذاته على أن الخروج من اتفاق المناخ، سيعزل الولايات المتحدة بعدما وحدت هي العالم.

   سيؤثر الانسحاب الأمريكي سلبا على اتفاقية باريس للمناخ، وسيدخل العالم في مرحلة رمادية قانونية حتى الانتخابات الأمريكية المقبلة في 2020، بحكم أن قواعد الأمم المتحدة للاتفاقية المبرمة عام 2015، تنص على ضرورة انتظار واشنطن رسميا حتى نونبر 2020 قبل الانسحاب من الاتفاقية، مما سيؤثر سلبا على الأهداف التي سطرت من قبيل خفض الإنتاج في قطاعات الورق بنسبة 12%، والإسمنت بنسبة 23%، والحديد والصلب بنسبة 38 % بحلول عام 2040، وسيجعلها في خبر كان، وبالتالي، ازدياد نسبة الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي وانتشار ظاهرة الاحتباس الحراري.

   هذا المعطى أكدته الأمم المتحدة الجمعة الماضية، واعتبرت أن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق، يمكن (في أسوإ السيناريوهات) أن يترجم ارتفاعا إضافيا بـ0.3 درجة حرارة كوكب الأرض خلال القرن الحادي والعشرين، مما سيسبب في عدة كوارث بيئية مستقبلية أبرزها، ارتفاع مستوى مياه البحر بسبب ذوبان الجليد وخاصة في القطبين، الأمر الذي سيؤدي إلى تغطية السواحل والجزر المنخفضة بمياه البحار مما سيشكل تهديدا على سكان تلك المناطق، كما أنه من المتوقع، حدوث الفيضانات والتسونامي والأعاصير والعواصف نتيجة لذلك، وكذلك من المرتقب، ازدياد مساحة الصحراء أو نشوء عدد من الصحاري في أماكن مختلفة من العالم، مما سيتسبب في نقصان البقعة الخضراء، وانقراض العديد من أنواع الكائنات الحية وهذا بدوره سيؤدي إلى نقصان كمية الغذاء وازدياد المجاعات والأمراض والأوبئة في العالم بأسره.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!