في الأكشاك هذا الأسبوع

الرباطيون ينتظمون في المجتمع المدني

بقلم: بوشعيب الإدريسي

   عندما “يهبط” عدد المشاركين في الانتخابات إلى 20 %، وعندما تتحول مقرات المجالس المنتخبة إلى قاعات لتصفية الحسابات الحزبية وتفريخ الشركات الجماعية والشراكات مع ديالهم، وإبرام الصفقات واستغلال السلطة الانتخابية، وجعلها في خدمة وتنمية الشؤون الشخصية، فعندما تصل الأمور إلى هذا المستوى المرفوض شعبيا، فبالطبع كان لا بد للرباطيين من تسجيل رفضهم وغضبهم من هذه الحكرة التي فرضتها عليهم الأحزاب عبر مرشحيها في المجالس المنتخبة، وكان من الواجب الرد بقوة بأن الرباطيين ليسوا “دمى” تستعملهم تلك الأحزاب للتمتع بأصواتهم وأموالهم عند كل استحقاق انتخابي ثم ترميهم على الهامش ولن تتذكرهم إلا مع “غنيمة” جديدة لتعيد عليهم أسطوانة “النضال ومحاربة الفساد وتقريب الإدارة من المواطن والحد من الرشوة، وترشيد النفقات وتقوية المداخيل… إلخ”.

   والرباطيون يعيشون يوميا في عاصمة يؤطرها وينظمها ويسيرها ويجبي ضرائبها ورسومها حزبيون “مناضلون متطوعون” ومنهم قدماء “الحرفة” لأن الانتخابات أصبحت فعلا حرفة من لا حرفة له، وفي كل استحقاق يشقلبون ألوانهم الحزبية ويتشعبطون حتى “يتمرمدوا” في صباغة اللون الجديد، فيخرجوا إلينا وهم ملطخين بالصباغات وكأنهم صباغين، وبدون أدنى درة خجل، يكررون علينا نفس الأسطوانات البالية “المحفرة” لضمان “أرائكهم” وألقابهم وامتيازاتهم وتوقيعاتهم وتعويضاتهم معتمدين في ذلك على أصوات الأقلية ولو كانت لا تتجاوز 5 % من الناخبين، ليخرجوا بعدها مهللين مكبرين نافخين في الأبواق بانتصار الإرادة الشعبية وبسحق المخالفين لتوجهاتهم الحزبية.

   وأمام “الغنيمة”، ينسى الساحقون والمسحوقون خلافاتهم فيجتمعون ويتعانقون و”يتباوسون” ويلعنون هذه السياسة التي تفرق بين “المناضلين صيادي الغنائم” فيقررون بكل نضال وديمقراطية وشفافية ونزاهة حزبية، اقتسام الغنائم بينهم دون تمكين “البراني”، أي غير المتحزب، من حق القسمة، وعلمتنا الأحزاب -جازاها الله خيرا- في خطاباتها بأن أخطر ما يمكن أن يهدد الاستقرار الاجتماعي، هو عدم تأطير وتنظيم المواطنين، فـ “عرقلت” بذلك أو منعت على باقي الشعب هذا التأطير والتنظيم والتمثيل في المجالس المنتخبة إلا بشروط “الخزيرات”.

   وكأن هذه “الحكرة” لم تكف، فكلفوا وزيرا من حزب الأغلبية بالتكفل بالمجتمع المدني الذي من المفروض أن يكون منتسبوه من دون أي انتماء حزبي، ولنا في الحكومة الفرنسية (بما أننا نقتبس منها عدة تجارب) خير نموذج لتمثيل الشعب الفرنسي في دواليب الحكومة إذ تم اختيار وزراء محايدين باسم المجتمع المدني، علما بأن نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية بلغت حوالي 65 % من الناخبين، أما عندنا، فحتى المجتمع المدني أصبح بلون “كروازي” ذلك أن أعضاءه يتلونون حسب الظروف والمصالح الحزبية، وجل الأحزاب أسست جمعيات ولم يكن الهدف منها التأطير والتنظيم، بل الاستفادة من الدعم المادي والتشويش على المجتمع المدني الحقيقي.

   وفي الرباط جمعيات مناضلة شريفة محايدة أهدافها خدمة السكان، ولها أنشطة مكثفة اجتماعية وثقافية واقتصادية وتربوية، وتنشط يوميا، لها منخرطون بالآلاف ومستفيدون بعشرات الآلاف، ربما بعدد الذين لا يصوتون على الأحزاب، أي حوالي 80 % من الناخبين إضافة إلى غير المسجلين.

   فالرباطيون ينتظمون في هذا المجتمع المدني الذي لا علاقة له لا بالسياسة ولا بالأحزاب، فيحضرون الأنشطة ليستفيدوا ويفيدوا، على عكس حضور الاجتماعات الحزبية أو الجماعية، ففي هذه الحالة، ما عليكم إلا توديع الأهل والأحباب وأوصوهم بأبنائكم فيمكن أن تصيبكم لكمة أو شظايا قنينات وكؤوس زجاجية فتقضون الليلة في المستعجلات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!