في الأكشاك هذا الأسبوع

هل الوطنية هي فقط الهتاف بحياة الملك ونشر صوره..؟

رسالة صريحة من مغربي أمريكي إلى الملك محمد السادس

المقربون إليك بنوا بينك وبين الشعب جدارا فولاذيا..

   وجه المواطن المغربي الدكتور مراد بنيعيش، من الولايات المتحدة الأمريكية، بصفته باحثا محللا في السياسة الأمريكية بواشنطن، رسالة إلى الملك محمد السادس على هامش الأحداث المفزعة التي وقعت بالحسيمة، يبدأها بتلخيص الواقع المغربي كما يرى في الخارج، ويختمها بمناشدة الملك، إطلاق سراح المحتجين الذين ليسوا بخونة ولا عملاء.

   من مواطن مغربي إلى ملك المغرب..

   السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد..

   كما لا يخفى على ملك البلاد، فإن المغرب يشهد منذ سنوات، احتقانا شعبيا يقابله تماطل حكومي لا أظن أنه قد بلغ إلى علمك، ومرد هذا الاحتقان، الفوارق الاجتماعية واستفحال الفساد الإداري والمالي مقرونين بخروقات سافرة لقوانين البلاد، هذه القوانين التي صارت شؤما على المواطن البسيط تطبق عليه متى شاء أولئك الذين أسميتهم خدام الدولة.

   إن الحراك الذي تشهده العديد من المدن المغربية، ما هو إلا تعبير شعبي عن سخطهم من الإجحاف الذي يطالهم، وما كان هذا الحراك ليخرج إلى الشارع لولا استهتار المسؤولين بشؤونهم وبأبسط متطلباتهم المعيشية.

   يا ملك البلاد، لا نريد لهذا الوطن أن يصير أضحوكة العالم، ففي الوقت الذي يروج فيه الإعلام التابع والمسيطر عليه من قبل الأجهزة الأمنية لصورة مغرب يشهد نهضة اقتصادية وعمرانية، يشهد العالم كله ما يرزح تحته المواطن البسيط، فهل تعلم يا ملك البلاد، أنه في محيط العاصمة الرباط، هناك عوائل بأكملها لا تجد ما تسد به رمقها ووجدت أبناءها عرضة للإجرام والراديكالية، وبناتها ضحية البغاء؟ هل تعلم يا ملك البلاد بأن مدنا في المغرب، تفتقد لأبسط الضروريات للعيش الكريم وتنعدم فيها مشاريع تنموية من شأنها ضمان فرص شغل شريف لأسر بأكملها؟ يا ملك البلاد، إن المغرب ليس الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة، هناك مدن وقرى علاقتها بالتنمية كعلاقتي باللغة الصينية تماما.

   أظن أن ما يصلك من أخبار عما يجري داخل المغرب، تشوبه الكثير من المغالطات والحقائق المزيفة والتي الهدف منها، عزلك تماما عن الشارع، هذا الشارع الذي تستمد شرعيتك منه، فلا يخفى عنك أن المغاربة فقدوا ثقتهم في كل مؤسسات الدولة، التي صارت مناصبها امتيازا بدل أن تكون تكليفا.

   إن الشعب الذي خرج إلى الشوارع، لا يطلب سوى عيشا كريما وحقوقا محفوظة، بالله عليك، لماذا يواجه بالعصي والهراوات ويكون عرضة للاعتقالات القسرية؟ كيف لك يا ملك المغرب وللأجهزة الأمنية أن تقنع أمهات المعتقلين بأنهم مواطنون مغاربة؟ هل من يجهر بصوت الحق، يعد في عرف أذناب النظام خائنا وعميلا؟ هل الوطنية هي فقط الهتاف بحياة الملك ونشر صوره؟ أنا أسمي هذا خيانة للوطن ولمبادئه وثوابته، الوطن الذي يبخس أبناءه أبسط الحقوق، يجب أن يعاد فيه النظر.

   إن أبناء الريف يا ملك البلاد، ليسوا خونة ولا عملاء، إنما هم جزء من هذا الشعب الذي يعاني الأمرين من أجل لقمة عيش شريفة ويطالب بمرافق طبية وتعليمية وثقافية واجتماعية.

   أظنك ستتفق معي بأنها مطالب مشروعة ولا تخدم أجندات أجنبية على حد زعم عملاء الدولة، فهل تعلم بأن المركز الصحي الذي تم إنشاؤه في الحسيمة سنة 2005 قد اختفت معداته الطبية على طريقة “Abracadabra” سنة 2008؟ وبالتالي من المسؤول عن هذا الفعل الذي جاء ضدا على أوامرك أنت شخصيا؟ هل تعلم يا ملك البلاد بأن مدينة الحسيمة تفتقر إلى مشاريع اقتصادية من شأنها حل أزمة البطالة بشكل ملحوظ؟ ألم تتساءل لماذا صمتت الحكومة لما يزيد عن السبعة أشهر عندما تقدموا بطلب إصلاحات جذرية لما تعيشه مدينتهم؟ بصفتك رئيسا لمجلس الوزراء، لماذا لم تعط أوامرك لرئيس الحكومة للتحرك فورا والوقوف شخصيا على الوضع في منطقة الريف والحسيمة خصوصا؟ إن نظرية “كم من أمور قضيناها بتركها” يا ملك البلاد، لم تعد تجد نفعا في زمننا هذا.

   بالمناسبة يا ملك المغرب، أتمنى صادقا بأن تقف شخصيا على العهر الإعلامي الذي استشرى داخل الجسم الصحفي المغربي، وأن تعطي أوامرك لإعادة النظر في المنظومة الإعلامية السخيفة التي لا تزيد هذا الوطن، سوى عارا وانحطاطا، إعلام سفيه وتافه يحكمه تجار وليس محترفين، يشغلون أشباه الصحفيين، وأخجل أن أسمي بعض من يشتغل في المجال “إعلاميات” لأنهن بالكاد مرتزقات ولا يفقهن في أبجديات الإعلام والصحافة شيئا، هؤلاء يا ملك البلاد من يرفعون إليك تقارير مغلوطة وهم بهذا يضمنون لقمة عيشهم ويتفادون الطرد، حتى القطب العمومي لم يسلم من ممارسات مشبوهة تطال العاملين فيه، ولك في التقرير الذي بثته القناة “الأولى” وقناة “ميدي 1” حول حراك الريف خير مثال لافتقاد هذه المنابر لأبسط أخلاقيات الصحافة، أما المنابر الإلكترونية، فحدث ولا حرج، وأتمنى أن تصدر أوامرك لمراقبة ما تنشره هاته المنابر التي أرجعت المجال الإعلامي المغربي عقودا إلى الوراء، لأن معيار تقدم الدول رهين بمدى مصداقية جسمها الصحفي.

   إنه من واجبي كمواطن مغربي غيور على هذا البلد، ومؤمن بأن مصداقية الأحزاب السياسية قد فقدت، ومؤمن أكثر بأن من وليتهم شؤون المغاربة، قد أخلوا بالقسم، ومن واجبي أن أتحمل مسؤوليتي لإيصال صوت طالما بنى خدامك بينك وبينه جدارا فولاذيا حتى لا يصلك.

   إن ما تراه عند زياراتك الرسمية لا يعكس بأي حال من الأحوال، الواقع المرير الذي يعيشه الشعب، حيث يتم انتقاء من سيصفق لك ومن سيسلم عليك ومن سيقبل يديك، تزرع الأشجار في ليلة وترصف الشوارع لحين مرورك، ليختفي كل شيء بمجرد ما تغادر المكان، هذا هو الواقع الذي لا يريدونك أن تعلمه.

   إن تصوير أي مطالب بحق مشروع وكأنه عميل أو خائن، لا يصدر إلا من مسؤولين فاقدي الأهلية السياسية ومنابر عميلة، ونحن كشعب ننتظر منك أن تتخذ في حق هذه الحكومة الإجراءات اللازمة لنعتها سكان الريف بالانفصاليين، إذ أنه لا يعقل أن يتم نعت شعب بأكمله بالانفصالي، لا لشيء، سوى أنه قال “لا” في وجه الحكومة، هذه الحكومة التي تم إسقاطها بالمظلات وتفتقد لكل شرعية، حتى شرعية الانتخابات قد فقدت أيها الملك بتواجد وزراء ثبت أنهم يشتغلون لحساب أي جهة إلا الشعب، وبما أننا كشعب نعي جيدا أن الحل والعقد بيد ملك البلاد، فإنني ألتمس حل هذه الحكومة حالا قبل أن يتخذ هذا الحراك منعطفا آخر، ولتعلم يا ملك البلاد بأن الأحزاب السياسية سواء كانت في الإئتلاف الحكومي أو المعارضة، أصبح ينظر إليها كدمى متحركة في أيدي من يريدون زعزعة الاستقرار في البلاد. إن محيطك أيها الملك، هو من يريد الفتنة من خلال الممارسات القمعية ونقل مغالطات حول أبناء الريف.

   كما ألتمس من ملك البلاد، إصدار ظهير يلغي ظهير عسكرة الحسيمة، إذ لا يعقل أن تعيش المدينة حالة طوارئ دائمة لأسباب لا يعلمها إلا القصر، هذا الظهير الذي صدر في حقبة يريد المغاربة تجاوزها، يؤجج الوضع ويستفز الساكنة، فالمرجو إلغاءه في أقرب الآجال.

   إن سكان الريف مغاربة أحرار، ويدافعون عن كرامة هذا الوطن وشرفه، فمن العار أن يتم منحهم الدرجة الثانية من المواطنة، لقد سبق وأن قلت في خطاب لك “إما أن تكون مغربيا أو لا تكون”، ونحن هنا نؤكد بأننا مغاربة أحرار ندافع عن مقدسات البلاد وعن الوحدة الترابية، ونحن سفراء للمغرب خارج أرض الوطن، نمثله ونشرفه أحسن تمثيل، أفلا نستحق أبسط حقوقنا كمواطنين؟

   أخيرا، أؤكد لك يا ملك البلاد، بأننا لسنا خونة ولسنا عملاء، وإنما نحن مواطنون مغاربة شرفاء، ورثنا النخوة عن آبائنا وأجدادنا، نريد العيش بكرامة ونحلم بيوم نرى فيه القوانين تطبق على وجيهنا قبل فقيرنا، لا نريد فتنة ولا نريد إسقاط نظام، ولكننا لا نرضى أن تكون لدينا حكومة عقيمة تسير بجهاز تحكم عن بعد، وما نريده يا ملك البلاد، هو أن تنصفنا وتقف في وجه الفساد وتفعل ربط المسؤولية بالمحاسبة.. إنك الملاذ الأخير لهذا الشعب.

   ختاما، أرجو ألا أصنف من قبل محيطك ضمن قائمة العملاء والخونة، فأنا مغربي حر وغيرتي على هذا الوطن تفوق غيرة الكثيرين من المسؤولين الذين يلهثون وراء مصالحهم، ولك أن تبحث في أرصدتهم في الخارج لتعرف مدى “وطنيتهم”.

   أتمنى لك شهر رمضان مبارك، وأسأل الله تعالى أن يمكنك من إنصاف هذا الشعب الذي أنت بالنسبة له الملاذ الأخير بعد الله، وألتمس منك كرما لا أمرا، أن تصدر أوامرك لإطلاق سراح معتقلي الحسيمة في هذه الأيام المباركة، لأن لهم أمهاتهم وعوائلهم لا تعرف أين هم، وأرجو أن تصدر أمرك لرجال الحموشي لإطلاق سراحهم فورا، فوالله ليسوا خونة ولا عملاء، بل هم مواطنون مغاربة قهرهم الظلم والفساد.

                                                                            والسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.

                                                                                 المواطن المغربي: مراد بنيعيش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!