في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | “المغاربة ليسوا أكباشا ولو عاملتهم كذلك لما أطاعوني ولحملوا أسلحتهم واعتكفوا بالمساجد..” (الحسن الثاني)

   إذا كان الملك العظيم يعرف أن شعبه سيرفض الطاعة عندما يعاملهم كالكباش، فها هو يغيب عن اعتكاف رعاياه بعيدا عن المساجد – كما حصل الجمعة الأخير- لأنه بدأ تسييس المساجد، وتسييس أسلوب التعامل، وها هي الأحزاب السياسية التي تقاسمت في الانتخابات الأخيرة 37 مليارا، حسب مجلس الحسابات، مقابل سكوتها عما يجري هذه الأيام.

طبعا أخذت الأحزاب الملايير.. وسكتت عن الحسيمة

   ((جالت الأيدي الضاربة في أشلاء الأمة الفقيرة.. الضعيفة.. وقطعت أوصالها، ومزقت أحشاءها، ففرقت كلمتها، وبغضت أميرها إليها، كل هذا بالظلم الفادح وعدم انتظار الأحكام، واللعب بالرقاب، وبيع الوظائف جهارا، وبيع رقاب العمال بعدما يكونون في أعلى الرتب يصيرون في قعر الأسجان)) (محمد الصغير. مذكرات الحجوي).

   وسواء أجعلتكم الظروف تحسبونها صورة مصغرة للواقع المغربي الحالي، أو شهادة من معارض متنطع، فإنكم بالتأكيد ستكونون مخطئين، لأن هذا الواقع، رغم شبهه بالمغرب الحالي، ورغم قربه من كلام المعارضين، فإن كاتب هذا الوصف كان وزيرا في ديوان السلطان مولاي عبد العزيز، لم يطرد رغم صراحته، ولم يجلد رغم صرامته، ولم يتهمه السلطان بأنه يعمل لصالح أعدائه، وإن كان الوزير المستشار محمد بن الحسن الحجوي كاتب هذه العبارات، كان لسنوات طويلة نائبا للسلطان في المنطقة الوجدية الشرقية، مفتشا لشؤون الجيش المالية، يرى من المكاتب التي كانت مخصصة له في الإدارة العليا للمخزن، أن بلدا في الحالة التي تعجبتم من قراءتها، أنها قريبة من الواقع الحالي للمغرب، لا يمكن أن تفلت من الانهيار، فهذا الوضع الذي وصفه الحجوي في مقدمة هذا الموضوع، هو الذي فتح الأبواب المغربية مشرعة في وجه الاحتلال الفرنسي والإسباني للمغرب، بعد فترة من تمردات بوحمارة وبوعمامة وبوحصيرة والريسوني، لذلك يذكر التاريخ أن هذا الحجوي، توج شجاعته بتحرير رسالة إلى السلطان يقول له فيها: ((رأيت مصالح المخزن أدت إلى الضياع مع حرج الموقف مع الإيالة الجزائرية(…) فقدمت طلب الإعفاء من المهام)) (نفس المصدر).

   قطب آخر مثل الحجوي، جاد به الزمان على المغرب والمغاربة(…) اسمه الحسن الثاني، الذي ضرب على نفس الوتر، وقال: ((المغاربة.. أنا أعرفهم حق المعرفة، وأفتخر.. ليسوا أكباشا، والله لو علموا أني أسيرهم كما يسير بعض القادة شعوبهم كالأكباش، والله لما أطاعوني، والله لو علموا أن شخصا(…) أو هيأة(…) سوف تسيطر عليهم.. والله.. والله لأخذوا أسلحتهم ولاعتكفوا في المساجد.. ولفروا إلى الجبال، حتى يبقوا كما كانوا دائما، شعبا حرا لا يريد أن يسيّر، بل أن يخيّر)) (المسهب في أسرار المغرب. صالح شكاك).

   قبل أن يكشف الحسن الثاني عن الأخطار الكامنة خلف غضب الشعب المغربي، كان وزير مولاي عبد العزيز محمد الحجوي قد حضر بجانب سلطانه، مولد هذا الوافد الجديد على المغرب، والذي يسمى الديمقراطية، وقد كانت رياحها تهب على المغرب من جهة الشمال الأوروبي، بدءا من سنة 1900، فلاحظ الوزير الصريح، يا وزراءنا الصم البكم(…)، المتهافتين فقط على المناصب الوزارية: ((أن مولاي عبد العزيز قد جالت في رأسه(…) فكرة الشورى والديمقراطية، وأتاه سفراؤه بهذه الأفكار.. ففعل بها، وكان أول ما فعله، تأسيس مجلس شورى من الوزراء(…) ينعقد كل يوم، فكل من له أمر في وزارته يقدمه للملك فيرجعه إلى المجلس، لكن الأمة جاهلة(…) والوزراء معهم قصور وتنافس، لم يعرفوا كيف يتصرفون في هذه المنقبة(…) التي هي أمانة وضعت في أيديهم، فصارت مضرة، وصار الشعب لجهله بعدها يرى أن الملك كان مستبدا، فيبقى مستبدا لا يقيم للوزارة وزنا، رغم أنه كان أطيب سريرة من وزرائه)) (مذكرات الحجوي. محمد الصغير الخلوفي).

   لهذا.. ونحن نراجع هذا الماضي المنطلق لظاهرة الديمقراطية الجديدة على المغرب، نقرأ هذه الأيام، للكاتب الفرنسي المهتم بشؤون المغرب “بيير دوم” في مقال كتبه بجريدة “لوموند دبلوماتيك”: ((في المغرب قوات الضغط يمكنها أن تكون متسامحة عندما يتم المساس بإله الكون، وغير متسامحة إذا ما تم المس بإله الأرض)) (لوموند دبلوماتيك. أكتوبر 2016).

   فالديمقراطية وارد جديد، رغم السنين الطويلة على الشعب المغربي، الذي لا تتوفر فيه ولا عنده الإمكانيات الشعبية التي كانت وراء نجاح الديمقراطية في الدول الأوروبية المتقدمة.

   وها هو التقرير الأخير، عن المجلس الأعلى للحسابات، الشباك الوحيد الذي يطل علينا منه بين الفينة والأخرى قطب من مخلفات عهد الحسن الثاني، يسمى إدريس جطو، وقد كشف لنا أن الأحزاب المغربية، المتشعبطة بأذيال الديمقراطية، أخذت مداخيل أسهمها في الشركة التي تجمعها مع النظام، والتي تسمى الانتخابات(…) أرباحا مالية طائلة، لم تكسبها لا شركات الأبناك، ولا معامل رجال الأعمال، ولا مصافي بترول أخنوش، ولا شركات حفيظ العلمي، ولا أموال عثمان بن جلون، ولا مداخيل الفلاحة ولا مكاسب المعادن. ففي شهر أكتوبر الأخير لسنة 2016 وحده كسب حزب الوزير الأول، العدالة والتنمية ستة ملايير ونصف مليار، وكسب حزب الأصالة والمعاصرة، وصدق الصحفي رشيد نيني، عندما سماه “شركة الأصالة والمعاصرة”، ستة مليارات، وكشف حزب شباط، وهو الذي تحلى بجرأة نادرة لشتم النظام بفصاحة لم نسمع نظيرا لها منذ سنوات، لكنه أكد  حقه من الأرباح، وكسب في شهر أكتوبر خمسة ملايير ونصف المليار، وحزب الفقيد مزوار، حزب رجال الأعمال والتجار، الأحرار، أربعة ملايير، كما توصل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المناضلة بمليارين، أما الأحزاب الأخرى التي حصلت كل واحدة منها على مقاعد لا تسمن ولا تغني من جوع، الأحزاب التي تهاوشت في تسمياتها على تعبيرات الحرية، والعدالة، والتقدمية والاشتراكية، ورغم ذلك لم تجد شعاراتها استجابة حتى من جماهيرها، فقد تقاسمت أربعة عشر مليارا في هذا الشهر المبارك، ليكون الرقم الإجمالي لدعم انتخابات أكتوبر الأخير، 37 مليارا.

   يصح القول بأن الدولة اشترت بهذا القدر فرصة أخرى لضمان استمرار الكذبة الكبرى التي تسمى الانتخابات الديمقراطية.

   ورحم الله الفقيد الاشتراكي أحمد الزيدي، الذي قال مرة قبل سقوطه بسيارته، وموته في واد يقطع الطريق المؤدية لبيته في بوزنيقة: ((كل مرة نشرف على الهاوية، ثم نعثر في آخر لحظة على حيلة ننقذ بها الموقف.. فنطبل ونغيط(…) نظن أننا كسبنا المعركة والواقع أننا اشترينا(…) مهلة.. مهزلة لا أود المشاركة فيها)) (خواطر الصباح. العروي).

   وعندما نسمع ونقرأ اتفاق المعلقين العالميين والعلماء المهتمين بشؤون الدول المتخلفة، وهم ينوهون بجدية الدولة التونسية في البحث عن أسلم الطرق المؤدية إلى الديمقراطية، وكأنهم يلمحون بين السطور إلى أن المغرب لم يسلك بعد نفس المسار التونسي(…) رغم الإمكانيات الضخمة التي يتوفر عليها، يبرز من قلب الواقع التونسي، رئيس الحكومة التونسي المجرب، المهدي جمعة (رئيس حكومة ما بين 2014-2015) وهو يقدم على صفحات “جون أفريك” (عدد 25 دجنبر 2016) أطروحة موسعة ((عن مبررات فشل التجربة الديمقراطية في تونس، نتيجة إفلاس التجربة الحزبية، ويدعو إلى مراجعة جادة، لإعادة هيكلة التكوين الحزبي في تونس)).

   بينما الإفلاس الحزبي الحقيقي هو المتواجد في المغرب بعد أن أعلنت الأحزاب المغربية، إفلاسها وعجزها، وإصابة عقولها بالجمود وألسنة مفكريها بالخرس.

   وبعد أن لفظت الأحزاب الوطنية الراحلة آخر أنفاسها تحت الضربات الموجعة التي تلقتها في صراعها الطويل مع النظام، جاءت الأحزاب الجديدة، العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة، الأولى بغاية استعمال الالتزامات العقائدية للوصول إلى الحكومة، لا الحكم، والثانية ((مجموعة من الوصوليين الذين التحقوا بالبام، ليس بسبب برنامجه، ولا بسبب رؤيته ولكن بسبب مصالحهم ومن أجل تحسين أوضاعهم)) (الباحث مصطفى السحيمي).

   جميع الأحزاب إذن، تكسرت كمارتها، كما قال الحسن الثاني في مذكراته: ((إن أي حزب لا يمكنه أن ينمو أو ينجح إذا لم يكن مرتبطا بالرأي العام، لذلك تركتهم، لأني أعرف أن كمارتهم ستتكسر)) (مذكرات إيريك لوران).

   وأي تكسير للكمارة أكثر مما أوجزه مؤخرا رئيس حزب الاستقلال شباط، عندما فضح: ((أنه في حكومة 2012، جاء فؤاد الهمة وزليخة النصري عند رئيس الحكومة عباس الفاسي وأعطوه لائحة الحكومة)).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!