في الأكشاك هذا الأسبوع
وزير العدل يوشح القاضي الرياحي المحامي العام لمحكمة النقض الذي هاجم نادي القضاة (...)

ملف | صراع القضاة بين مؤيدين “للتقاليد الملكية” ومعارضين لها

      حجز أحد المصورين الصحفيين مكانه، يوم السبت 8 فبراير 2014، فوق إحدى شرفات فندق “باليما” المطلة على مبنى البرلمان، وكان أمله هو التقاط صورة مميزة لأول تظاهرة للقضاة بالبذلة الرسمية في الشارع العام بعيدا عن أي مؤسسة قضائية(..) وبينما هو يستعد لنصب كاميراته في الزاوية المطلوبة، وقف بجانبه كومسير معروف(..)، فطلب منه جمع عتاده والانسحاب في هدوء، ليسأل المصور: هل من خطب؟ أجابه الكومسير: كنا دائما نساعدك على التقاط الصور، ولكن اليوم الأمر مختلف، لقد صدرت أوامر صارمة لمنع وقفة القضاة، وهناك احتمال كبير لاستعمال القوة(..).

الكومسير كان يتحدث بشكل ودي مع صديقه المصور، الذي حكى للصحفيين تفاصيل هذه الواقعة ذلك الصباح.. هل يعقل أن تصدر الأوامر بهذا الشكل “لجرجرة” القضاة في الشارع العام أمام الملإ مثلهم مثل المعطلين، وعمال شركات النظافة، ولماذا تخاف الدولة من تظاهرة دعا إليها “نادي القضاة” الجمعية الفتية التي تأسست بعد مصادقة المغاربة على دستور 2011 الذي يعطي للقضاة حق الانتساب إلى جمعيات مهنية(..).

صورة القاضي المجرور فوق الأرض، والقاضي المسحول، والقاضية التي فقدت وعيها.. كلها كانت صور مطلوبة ذلك الصباح، بعد أن أكدت عدة مصادر من داخل ولاية جهة الرباط سلا زمور زعير، أن أول قرار اتخذه الوالي الجديد عبد الوافي الفتيت هو توقيعه على منع “تظاهرة نادي القضاة” لذلك تم رفع نسبة التأهب الأمني، غير أن الوقفة ألغيت لحسن الحظ، وتدخلت يد المخططين لتوحي للقضاة وأغلبهم شباب بالتظاهر داخل ساحة المعهد العالي للقضاء، مثلهم مثل الطلبة(..).

—————–

 هل هو اصطدام مع الملك؟

أخطر تفسير للوقفة الاحتجاجية التي نظمها نادي قضاة المغرب، جاء على لسان وزير العدل والحريات مصطفى الرميد، الذي قال أمام مجلس المستشارين، بأن هناك “أوامر وتعليمات صادرة في الموضوع، من طرف رئيس المجلس الأعلى للقضاء وهو الملك”، قبل أن يضيف بأنه لا مبرر للتظاهرة بالبذلة الرسمية.. في ظل وجود الملك، (هسبريس، 11 فبراير 2014).

هكذا أعطى الرميد، الحاصل على وسام ملكي من درجة ضابط كبير، عن عمله ضمن “الهيئة العليا لإصلاح منظومة العدالة” تفسيرا للتعامل العنيف مع “تمرد” مفترض للقضاة، يجد سنده في “التعليمات الملكية”،.. وهو ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن تحركات القضاة في نادي القضاة حرام، بينما تحركات من نفس النوع قد تكون حلالا في إطار الودادية الحسنية للقضاة، التي تأسست مع مطلع الستينيات.

ولعله من غرائب الزمن أن يتوافق رأي وزير العدل الجديد، والذي حملته رياح التغيير إلى الوزارة، مع رأي الودادية الحسنية للقضاة، حيث يوجد بعض القضاة الذين كانوا ينفذون أوامر وزير الداخلية الراحل ادريس البصري(..)، فمقابل هجومه الصريح على نادي القضاة، حرص الرميد على الظهور مبتسما ومبتهجا وهو يكرم أحد رموز العهد القديم، بوسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الممتازة، ويتعلق الأمر بنور الدين الرياحي، المحامي العام لمحكمة النقض وعضو المكتب المركزي للودادية الحسنية للقضاة، وهو في عز خلافه مع نادي القضاة.

—————

الرياحي يتهم القضاة بـ”غدر الوطن”

يقول نور الدين الرياحي، عضو ودادية القضاة: “إن إعطاء السيارة أو الطائرة أو السفينة أو الدراجة، لشخص لا يتقن فن القيادة، إما بنقص، أو جهل أو اعتلاء أو غرور أو صغر سن، أو تباهٍ، أو مركب نقص، أو طمع، أو لا مبالاة، أو عاهة، أو عقدة، أو شهوة(..) يؤدي دائما إلى انقلاب أو اصطدام الوسيلة وإصابة الركاب بجروح متفاوتة الخطورة..”، (مقتطف من تعليق الرياحي على نشاط نادي القضاة).

هكذا علق الرياحي على وقفة 8 فبراير، التي دعا إليها نادي القضاة، متهما إياهم بخرق الفصل 111 من الدستور، الذي يعطي الحق للقضاة في حرية التعبير، بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات المهنية(..) “أين هو احترام واجبات التجرد واستقلال القضاء، وقد شهدت وقفة 8 فبراير تواجد زعامات سياسية راديكالية معارضة (المقصود هو عبد الرحمان بنعمرو، الكاتب الوطني لحزب الطليعة الاشتراكي)، أين هي واجبات التجرد وقد شوهد ضمن الوقفة غير القانونية.. ممثلو نقابات سياسية، إلى جانب المغرر بهم من القضاة، والذين لم يتجاوز عددهم 150 قاضيا، من أصل 4000 قاض، المنتمون إلى الودادية الحسنية للقضاة؟”، يتساءل الرياحي.

ولم يقف الرياحي عند هذا الحد بل إنه اتهم القضاة الجدد بإنشاء جمعيات افتراضية (وهمية) في الفيسبوك، كما اتهم بالتطاول على مؤسسات الدولة، عن طريق تزييف الحقائق والتمثيليات، مما يمكن اعتباره “غدرا للوطن”، حسب قوله.

بل إن الرياحي سيتساءل بصيغة الخبير المجرب قائلا: ” أليس من بين هؤلاء القضاة (يقصد نادي القضاة) من يذكرهم بأن الخروقات القانونية التي دأب عليها ناديهم، عصفت بقضاة قليلي التجربة إلى المتابعات القضائية والعقوبات التأديبية وهم في بداية حياتهم القضائية، سوف تبقى وصمة عار في ملفهم القضائي تتبعهم مدى حياتهم المهنية؟ أي جمعية هذه التي تقذف بأبنائها في غياهب الخروقات القانونية، أي جمعية هذه تتطاول على الاختصاصات الملكية القضائية.. كفى من أكل الثوم باسم القضاة.. كفى من المس باستقلال القضاء”.

—————-

أعضاء نادي القضاة يردون على الرياحي

القاموس الذي نهل منه الرياحي لانتقاد نادي القضاة من خلال رسالة عممها على الصحف، قد يبدو حادا، لكن ذلك يكن سوى مقدمة لانتقادات تبدو أكثر حدة جاءت على لسان، بعض القضاة المنتسبين لنادي القضاة، بعد أن وجدت طريقها إلى المنتديات الاجتماعية.

أحد القضاة واسمه مصطفى أيت عيسى، قال للرياحي، “تفخرون بأن جمعيتكم الودادية الحسنية للقضاة، عمرها نصف قرن من الزمن، هلا تفضلتم بإطلاعنا على ما قدمتم للوطن والشعب المغربي خلال هذه المدة كلها؟ أليس في عهدكم نزل القضاء إلى الحضيض في كل التقارير الدولية والوطنية(..) ألستم من سمح باستعمال القضاء من قبل السلطة التنفيذية، إبان سنوات الرصاص، باعتراف المؤسسات الرسمية للبلاد، قبل أن تتحدثوا بسوء عن هذا الجيل الجديد من القضاء المتحمس، لإصلاح القضاء وتصفوه بالمندفع والطائش، تذكروا بأن للتاريخ ذاكرة قوية عصية على المسح(..).

القاضي المتوني قال إن القاضي الرياحي لم يلتزم بآداب مخاطبة الزملاء، بينما سلمان عادل قال بأن الرياحي، يعتبر أحد الشهود على سنوات الرصاص القضائي..بينما علقت إحدى القاضيات واسمها نجوى، بدعوة زملائها إلى العودة إلى أرشيف الرياحي المحرج (..).

————–

قضاة يحتاجهم المغاربة

إلى هنا يطرح سؤال، لماذا تفرقت سبل القضاة؟ ولماذا وصل مستوى هذه النخبة إلى هذا المستوى غير المسبوق؟(..) أين نحن من ذلك القاضي الذي قال عنه، “علي بن يحيى” بأنه يختص بعشرة أحكام، ” أحدها: قطع التشاجر والخصام من المتنازعين، إما بصلح عن تراض يراد به الجواز، وأما بإجبار بحكم بآية يعتبر فيه الوجوب. والثاني: استيفاء الحق لمن طلبه، وتوصيله إلى يده، إما بإقرار، أو ببينة. والثالث: إلزام الولاية للسفهاء والمجانين، والتحجر على المفلس، حفظا للأموال. والرابع: النظر في الأحباس، والوقوف والتفقد لأحوالها وأحوال الناظر فيها. والخامس: تنفيذ الوصايا على شروط الموصى إذا وافقت الشرع؛ ففي المعينين يكون التنفيذ بالاقباض، وفي المجهولين يتعين المستحق لها بالاجتهاد فإن كان لها وصى، راعاه، وإلا تولاه. والسادس: تزوج الأيامى من الاكفاء، إذا عدم الأولياء وأردن التزويج. والسابع: إقامة الحدود؛ فإن كانت من حقوق الله تعالى، تفرد بإقامتها، إما بإقرار يتصل بإقامة الحد، وإما ببينة أو ظهور حمل من غير زوج؛ وإن كانت من حقوق الأدميين، فبطلب مستحقها. والثامن: النظر في المصالح العامة، من كف التعدي في الطرقات والأفنية، وإخراج ما لا يستحق من الأجنحة والأفنية. والتاسع: تصفى الشهود، وتفقد الأمناء، واختيار من يرتضيه لذلك. والعاشر: وجوه التسوية في الحكم بين القوي والضعيف، وتوخي العدل بين الشريف والمشروف، (كتاب تاريخ قضاة الأندلس، النباهي).

—————

المجلس الأعلى للسلطة القضائية بين مؤيد ومعارض

لا شك أن إحدى أهم المشاكل المطروحة على الجسم القضائي هي قضية تأسيس “المجلس الأعلى للسلطة القضائية”، بالشكل الذي نص عليه الدستور الجديد، الذي انتقل من الحديث عن “قضاء مستقل عن السلطة التشريعية والتنفيذية”، (الفصل 82، دستور 1996)، إلى الحديث عن القضاء كـ”سلطة مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية”، (الفصل: 107، دستور 2011).

ولا يقف الفرق بين الدستور الجديد والدستور الذي سبقه عند حدود إضافة كلمة “سلطة”، بل إن تنظيم القضاء سيعرف تجربة غير مسبوقة من خلال التنصيص على تشكيلة جديدة “المجلس الأعلى للسلطة القضائية”، فينما ينص الدستور السابق على أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يتكون من 11 عضوا، على الشكل التالي: “الرئيس: الملك، وزير العدل نائبا للرئيس، الرئيس الأول للمجلس الأعلى، الوكيل العام للمجلس الأعلى، رئيس الغرفة الأولى في المجلس الأعلى، ممثلان اثنان لقضاة محاكم الاستئناف ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم، أربعة ممثلين لقضاة أول درجة ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم..”.

ينص الدستور الجديد على تركيبة جديدة للمجلس بحيث سار يتكون (في انتظار تشكيله)، من الرئيس وهو الملك، والرئيس الأول لمحكمة النقض (رئيسا منتدبا)، الوكيل العام لدى محكمة النقض، أربعة ممثلين لقضاة محاكم الاستئناف، ستة ممثلين لقضاة محاكم أول درجة، ويجب ضمان تمثيلية النساء القاضيات من بين الأعضاء العشرة المنتخبين، بما يتناسب مع حضورهن داخل السلك القضائي، الوسيط، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان(..) وخمس شخصيات يعينها الملك، (مشهود لها بالكفاءة والتجرد والنزاهة والعطاء المتميز، حسب مقتضيات الفصل 115 من الدستور).

هكذا يتبين أن الدستور الجديد رفع عدد أعضاء المجلس الأعلى من 11 إلى 21، فضلا عن فتحه المجال لهيئات غير قضائية من قبيل المجلس الوطني لحقوق الإنسان والوسيط، وشخصيات أخرى(..) وهي القضية التي تتعارض مع مطالب المهنيين، بما في ذلك المنضوون تحت لواء “الودادية”، خاصة رئيسها عبد الحق العياسي الذي كان يعارض دخول شخصيات من خارج القضاء إلى المجلس الأعلى للقضاء، ” لقد تمت استشارتنا من طرف لجنة مراجعة الدستور، وكانت وجهة نظرنا هي عدم إدخال غير القضاة فيما يتعلق بالشأن القضائي، وقلنا إنه يمكن أن يدخل أي كان في مناقشة السياسة القضائية والجنائية بالمملكة، ولكن فيما يتعلق بالشأن القضائي الذي يدخل في إطاره التأديب والترقية والانتقال، فهذا شأن خاص..”، انتهى كلام العياسي.

بخلاف ما يقوله القضاة في الودادية فإن قضاة آخرين داخل نادي القضاة وبغض النظر عن العدد، يبدو وكأنهم مرتاحون لفتح المجلس الأعلى أمام شخصيات من خارج الجهاز القضائي، في هذا الصدد تقول حجيبة البخاري رئيسة المكتب الجهوي لنادي القضاة بمكناس: “على اعتبار أن عضوية المجلس الأعلى للقضاء لم تعد حكرا على القضاة، فإن القضاة مطالبون أكثر من أي وقت مضى، بمراجعة تدبيرهم لانتخاب الأعضاء الذين سيمثلونهم في هذه المؤسسة(..) عليهم القطع مع الممارسات السلبية التي سجلت في الماضي بهذا الخصوص، وأين يوضع حد لمنطق الولاءات والحسابات الانتخابوية الضيقة(..) والتي ساهمت بشكل كبير في تردي أوضاع القضاة والقضاء..”.

القاضية حجيبة تقول تبعا لذلك إن الرئيس الأول لمحكمة النقض باعتباره رئيسا منتدبا،”عليه أن يعوِّد نفسه على ممارسة مهامه بالشكل الذي تقتضيه هاته الصفة، فهو هرم السلطة القضائية بالإنابة، ومن تم عليه الدفاع عن صلاحياته واختصاصاته ندا لند أمام رئيس الحكومة أو رئيس السلطة القضائية”.

—————

ما بعد 20 فبراير وما قبلها

لم يسبق أن عرفت الساحة القضائية مثل هذا الجدل التي تعيشه اليوم منقسمة بين من يرى في نشاط “نادي قضاة المغرب” تمردا على التقاليد المعمول بها(..) والتي تعتبر الودادية الحسنية للقضاة خير معبر عنها منذ الاستقلال، وبين من يرى أن تأسيس نادٍ للدفاع عن مطالب حقوق القضاة، أمر مشروع، بل ينسجم مع روح دستور 2011، بل إن تحركات قضاة المغرب بهذا الشكل انطلقت مع انطلاق حركة 20 فبراير.

في عز هذا الخلاف: سأل أحد المتتبعين الحاضرين في آخر وقفة احتجاجية لنادي القضاة، صديقه المحامي، ما الفرق بين الودادية والنادي، فأجابه هذا الأخير ببساطة غير متوقعة، بعيدة عن لغة الأرقام والجموع العامة: “الفرق يكمن في كون رئيس الودادية ينصبه الملك، بينما النادي يبقى مجرد جمعية (..)”، ففرك المتسائل رأسه وقال: هؤلاء إذن يتمردون على التقاليد (..)، فسكت المحامي وبقي السؤال مطروحا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!