في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | كيف تتولى المجاعة قتل رجال البوليساريو ؟

في 14 تقريرا دوليا تتجاوز فيها أزمة الماء والغذاء حربي اليمن وسوريا

إعداد: عبد الحميد العوني

   في أكبر أزمة أخلاقية تعيشها المملكة وباقي العالم، تضرب مخيمات تندوف مجاعة غير مسبوقة تعرض فيها 22 ألف طفل والحوامل لفقر الدم، والمسنون لأزمة عطش حادة، والباقي لجوع مزمن، توقعه المدير التنفيذي لبرامج الغذاء العالمي، جيمس موريس، منذ 25 فبراير 2003 في جلسة استماع أمام الكونغريس.

   ودخل اللاجؤون في المرحلة الأخيرة لهذا الجوع المبرمج والقاتل، ففي هذه الخيام وبعض البيوت الطينية، ينتقم الأوروبيون وقطعوا مشروع الخضر عن اللاجئين، لأن جبهة البوليساريو أحرجتهم بالتقدم إلى محكمة العدل الأوروبية، والجزائريون لا يريدون توطينا وجمدوا غلافهم المالي في أقل من 100 مليون دولار كما قرروه منذ 1987، وارتفعت أثمان المواد ليسقط من جدولها 59 في المائة، ويريد المغرب من خلال هذه الأوضاع، تعجيل عودة اللاجئين، فالسياسة الإقليمية تقتل ببطء حين رفضت استخدام الرصاص في أزمة “الكركرات” لأن الجوع يقتل أحسن.

   في هذه الورطة، لا تسمح الأخلاق الوطنية للوحدويين بأن يكون مغاربة تحت بطش مسغبة تقتل 7 أفراد في اليوم، عن سبق إصرار وترصد، ولا تسمح “الأخلاق الإنسانية” أن يقع اللاجؤون تحت برمجة الموت في حرارة الشمس، حيث يوجد في جهنم “غسلين” للأكل، وفي قلب الرمال لا يوجد ماء ولا حياة، لا يشبههم فيها سوى سوريين علقوا على الحدود المغربية ـ الجزائرية التي أصبحت قاتلة، وكل شيء في هذه الخطوط الجهنمية، يصفي ويبيد بعوامل الأرض الحارقة والجوع لرسم حل سياسي يبني نفسه على القتل البطيء.

“الجوع المبرمج”

   رغم تخوف البرنامج الدولي للغذاء في 2003 من برمجة الجوع في مخيمات تندوف، تحول اللاجؤون الصحراويون إلى “جوعى مزمنين”(1) لن يستفيدوا من رفع المساعدة الأمريكية في هذه السنة، في ظل اعتماد كلي للاجئين في تندوف على المساعدات الدولية.

   ووقع خلل إضافي في معادلة “2 مليون طن من الغذاء بـ 700 مليون دولار”، بفعل غلاء الغداء، وانخراط نزاع الصحراء ضمن صراع سياسي إقليمي لم يدمج الحالة الإنسانية للمخيمات في الخطوات 17 التي قررها المجتمع الدولي مؤخرا.

   ويتعرض اللاجؤون لعملية إطعام تهم 158 ألف لاجئ، وهو العدد الرسمي الذي قاله برنامج الغذاء العالمي في اجتماعه بروما عام 2004، وقد تدخل لتقديم خدماته الأساسية في منتصف ثمانينات القرن الماضي، غداة قرار الجزائر تجميد غلافها المالي في 100 مليون دولار(2) ضمن الضغوط الممارسة لوقف إطلاق النار، ومن هذه اللحظة، أصبح السلاح الإقليمي ضد البوليساريو، هو الجوع، ولا يزال إلى الآن.

   وتتطابق التقديرات الإنسانية للنرويج(3) وفرنسا والأمريكيين والبرنامج العالمي للغذاء، بما يؤكد أن الوضع مكشوف إلى حد بعيد في المخيمات التي خضعت لإجراءات خفض كمية السكر والزيت النباتي والأرز بـ 20 في المائة شهر ماي و50 في المائة شهر يونيو 2017، وهي نفس الوضعية التي عليها جنوب السودان(4) التي تعاني من اقتتال داخلي، فيما مخيمات تندوف تعاني “تجويعا” يتجاوز ظروف الحرب، ويؤكد أن “الجوع المبرمج”، حرب مدروسة على اللاجئين تطابق في فداحتها ونتائجها الحرب الأهلية المندلعة في جنوب السودان.

   ونفذ السكر والأرز، وانخفضت مؤخرا الوجبة الشخصية بـ 20 في المائة إضافية من الأرز إلى جانب الزيت النباتي وستتقلص بـ 30 في المائة أخرى منتصف رمضان الحالي.

   ولن يتمكن برنامج الغذاء العالمي من الوفاء بهذه المعدلات الضعيفة في منتصف سنة 2017 إن لم يتوصل بـ 7.9 مليون دولار لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات، فيما يواصل 22 ألف طفل تعرضهم لسوء التغذية وفقر الدم، ولم يتمكن البرنامج من دمج اللاجئين في صندوق مكافحة المجاعة، وليسوا ضمن ضحايا الجفاف، رغم وضعهم الصعب وسط الصحاري، ولم يتمكنوا من أي مشروع يستخدم “الغذاء لبناء الأصول” أو “الغذاء في مقابل التدريب”، لذلك، فإن اللاجئين ليسوا ضمن برنامج “صفر جائع”.

   وتبقى المساعدة الضعيفة بمخيمات تندوف غامضة على نفس درجة الغموض الذي اتهم به الاقتصادي الكيني، جيمس شيكواتي، برنامج الغذاء العالمي على صفحات الجريدة الألمانية “دير شبيغل”(5)، وقال بخصوصها أن “مساعداته سيئة أكثر منها جيدة”.

   واليوم يرأس البرنامج، ديفيد بيزلاي، وهو أمريكي جمهوري مناصر لترامب، وبدأ ديموقراطيا سنة 1991، قبل أن يكون حاكما لكارولينا ويتقلد مسؤولية هذا البرنامج الأممي الذي يقدم المساعدات الغذائية مقابل التنازلات السياسية، ويعرف الجميع “نظرة بيزلاي”(6) من خلال مساهمته في مركز “غلوبال استراتيجيز” حيث الغذاء يشكل السلاح الاستراتيجي لفرض التنازلات، فانتهى في تندوف ما اصطلح عليه بـ “اللجوء المريح”.

   وبواسطة “الجوع”، حصل العالم على وقف إطلاق النار في الصحراء، ولا يمكن الوصول إلى وضع جديد مع البوليساريو سوى بالجوع، وهي طريقة ناجعة في منع الحرب.

   يقول خوسي سيرو مارتينيز، من مركز “شوتايم” في دراسة مطولة إلى جانب زميله برينت إينغ: “إن تسييس الغذاء أصبح مكشوفا في الحرب الأهلية السورية(7)، وكان أسلوبا صامتا قبلها”.

الجوع من أجل القبول بمشروع الحكم الذاتي

   يشهد برنامج الغذاء الدولي، أن المأزق السياسي في الصحراء لا يساعد على تحقيق برنامجه، بما يؤكد أن استخدام الجوع لوقف إطلاق النار وإعادة استعماله لتنازلات مؤلمة في مفاوضات يحدد سقفها المغرب في مشروع للحكم الذاتي، هي جزء من استراتيجية إقليمية ودولية.

   يطلب بيزلاي معونة دولية، في أجواء الضغوط على جبهة البوليساريو، بما يجعله يؤكد صعوبة في الحصول على مساعدات لصالح المخيمات التي تعرف فقر الدم في صفوف الأطفال بين 6 شهور إلى 59 شهرا، وتبقى هذه الحالة في تندوف ضمن المعدل الأكثر ارتفاعا في العالم إلى جانب الموت القياسي للحوامل، وحسب تقارير اللجنة المختلطة من البرنامج الغذائي الدولي والمندوبية السامية للاجئين في عهد الأمين العام السابق للأمم المتحدة، فإن “المعدلات الخطيرة لفقر الدم وموت الحوامل يجعل المخيمات مقبرة”، وأكدت زيارة أكتوبر 2011 لنفس الوكالتين الأمميتين على أن 100 في المائة من اللاجئين، مرتبطون بالمساعدات، ودخلت الترتيبات في المخطط الاستراتيجي للبرنامج بين 2008 و2013، ومع ذلك، عاد الوضع إلى صعوبات تقنية في:

   ـ خفض سوء التغذية الحاد.

   ـ مواجهة فقر الدم عند الأطفال أقل من 5 سنوات.

   ولم تستطع الأهداف الاستراتيجية الموضوعة لمؤسسات الأمم المتحدة تحسين أي معدلات على صعيد:

   ـ إنقاذ الحياة وحماية الوسائل لمعالجة الوضعيات الطارئة، لأن موت الأطفال والحوامل، من المعدلات الأكثر ارتفاعا في العالم.

   ـ دعم الأكل المدرسي، لم يعد ممكنا في ظل تراجع الوجبة (أو الوجيبة التي تعني مخصصات الأرز في الأسبوع أو الشهر) الموجهة للشخص.

   ـ عدم استخدام كل الوسائل لوضعيات ما بعد الكوارث، ولو في إطار غرق المخيمات بالسيول لموسمين على الأقل.

   وطلب برنامج الغذاء العالمي للحفاظ على الأرز والسكر والزيت النباتي، 7.9 ملايين دولار، وفي 31 مارس الماضي(8)، انتهت فرصة تسليم الصحراويين معدل الأرز كواجب غذائي يومي للاجئ.

   وقرر البرنامج الأممي في 15 ماي الأخير خفض الوجيبة (أو القفة المكونة من الدقيق والزيت النباتي والأرز)، كما أعلن عن صيام داخل شهر الصيام في ظروف يقول عنها موظف الأمم المتحدة، رومان سيروا “شديدة الصعوبة”، ويزيد من صعوبتها أن الشغل منعدم، والدخول إلى السوق محدود للغاية.

في حرب “الجوع” على مخيمات تندوف، أصدرت المؤسسات حكم الإعدام على الأطفال والحوامل بمنعهما من الأغذية المتخصصة

   أوقف العالم تزويد المخيمات بالمواد الغذائية المتخصصة في الوقاية من فقر الدم الموجهة للأطفال والحوامل، ولا يفكر العالم في “جيل جديد لاجئ”، بل يدفع إلى حل سريع يقبل به طرفا النزاع، فقرر خفض المواد الأساسية، وهي خطة بدأت منذ 2002، منذ مقال، إدواردو سو، الموجه للمندوبية السامية للاجئين، وكتب في فقرات التقرير، أن “شروط الحياة في المخيمات تتدهور، فيما اللجوء يستمر والمساعدات الغذائية تتقلص” وقال سو: “بدأ التدهور الصحي يتفاقم”، معززا تصريح رودلوبرز عن المفوضية السامية “من غير المقبول، عدم تمويل برامج عاجلة في ظل وجود احتمال ضعيف للحل”، وانتهت برامج الحماية كليا مع منتهى 2002، لأسباب منها:

   أولا: لأن العالم قال بوجود حل قريب في الأفق.

   ثانيا: لأن اللاجئين يجب أن يقدموا تنازلات، ولا يمكن الوصول إلى لجوء “مريح”، لأنه سيزيد من تعقيد المفاوضات.

   ودخل الجوع ضمن آليات العمل السياسي في نونبر 2002، قبل أن يتواصل في الأزمة الصحراوية التي يقول عنها البرنامج أنها “ثاني أزمة طويلة للاجئين في العالم، والأولى في تدهور صحة الأطفال”، إذ يتعرض 22 ألف طفل إلى “إعدام صحي كامل الأركان”.

   وتحتاج المخيمات لـ 1.8 مليون دولار كل شهر لتمويل طارئ في حدود 6.1 في المائة من سوء التغذية الحاد والدائم منذ 2013، وفي حدود 10 في المائة من اللاجئين.

   ويزيد السوء، بفعل الانقطاع الذي حدث على مستوى التموين، والمسألة مؤهلة أن تكون جريمة، لأن الوضعية تتدهور بسبب “أهداف سياسية” لهذا الظرف أو ذاك، وهو ما أطلق عليه مركز “شوتايم”: “التسييس المرتفع لبرامج التغذية الموجهة للاجئين في العالم”.

انخفض بـ 70 في المائة “مشروع الخضر” ـ الأوروبي ـ الموجه للاجئين، قبل أن ينقطع بفعل عدم تمرير اعتماده من الاتحاد الأوروبي، الذي رفض لجوء جبهة البوليساريو إلى محكمة العدل الأوروبية، ويريد ضمانات لعدم الطعن في التغييرات التقنية في الاتفاقيات مع المغرب كي يواصل تسليمه لهذا البرنامج

   أوقف الأوروبيون برنامج “مشروع الخضر” الموجه من المديرية العامة الأوروبية إلى اللاجئين في تندوف بعد خفضه بـ 70 في المائة، وبهذا الخصوص تقول منسقة اللاجئين، لورا كسترول، التي زارت تندوف في تقرير اطلع عليه الأمين العام للأمم المتحدة: “إن الصحراويين يتعايشون بقدر ما في يدهم الصغيرة”، وليس لهم مخزون، ولا يرضون أن يتاجروا في المواد على الأقل في أوساطهم، فهم حريصون على تبادل كبير لهذه المواد بين المحتاجين والأكثر احتياجا، بل إن برنامج الغذاء العالمي منذ قراره “بي. إر. رو” تحت الرقم 10172 في 4 يونيو(10)، دخل رهان تجويع المخيمات عندما انتهت عمليات الحماية في حق اللاجئين.

   ومنذ عام 2000، سلمت المعلومات إلى 155 ألف لاجئ، وفي 2004 إلى 158 ألف شخص، وفي 2005 نزل الرقم إلى 90 ألف، ويعد، البرنامج الغذائي العالمي المحتاجين في 165 ألف، وبشكل واقعي، 100 ألف منذ منتصف 1990 وإلى يونيو 1996.

الأقمار الصناعية قالت أن عدد ساكنة المخيمات في 2005 هو مائة ألف شخص، وبين 1998 و2000، وفي تقدير للاستفتاء، وصل الرقم بالضبط إلى 129.863 ألف شخص

   جاء تمييز المساعدات بين اللاجئين “المقبولين في الاستفتاء والمتحفظ عنهم” من طرف البرنامج العالمي للغذاء، وأمر عبر الأقمار الصناعية، بإحصاء ساكنة المخيمات ليصلوا إلى مائة ألف، فيما التقرير الموجه للاستفتاء بلغ فيه الرقم بالضبط 129.863 ألف نسمة، بما يجزم أن اللعبة موجهة لخفض في 30 ألف وجيبة، ولم يكتف  برنامج الغذاء بذلك، بل قرر خفضا ضاغطا إلى حد كبير لعزل ورقة اللاجئين عن المفاوضات للوصول إلى حل لمشكل الصحراء.

   وتسلمت “المينورسو” التي أتممت لوائح الاستفتاء إحصاءا إضافيا يقول بأن 40 في المائة فقط من لوائح المقبولين في الاستفتاء موجودين في المخيمات، ويتعرضون لتجويع للنزول بالمقبولين في الاستفتاء إلى 25 في المائة، ففي التقرير السري الذي له تاريخان في 1998 و2000، وردت العبارة التالية: “إن تغيرا قد يحدث في حال فقدان اللاجئين 15 في المائة إضافية من اللوائح المؤهلة للاستفتاء”.

الوصول بالمخيمات إلى احتضان 25 في المائة فقط من المقبولين بلوائح الاستفتاء، خطة قائمة

   استخدم المجتمع الدولي التجويع كجزء من خططه للوصول إلى احتضان المخيمات لـ 25 في المائة من المقبولين في لوائح الاستفتاء لتسهيل الحل، وتحويل المخيمات إلى مكان غير قابل للحياة.

   ووصل الحال إلى تدخل بعض الدول للحفاظ على مستوى من العيش في ظل الضغوط، لكن إسبانيا لم تكن للصحراويين مثل تركيا للسوريين، وقدمت مدريد عبر أربع حكومات محلية، مليوني دولار لتخفيف الضغط الإنساني الشديد(11) في أزمة “الكركرات”، لكن الاتحاد الأوروبي واصل تجميد مشاريعه وتمويله.

   ويكاد التجويع أن يكون عنوان المرحلة في صالونات العالم ضد ما يسمى “تشدد جبهة البوليساريو”، ومحاولة تجويع اللاجئين في خدمة التحسيس للقول بـ “أن أي تدهور جديد للوضع في المخيمات سيزيد من هبوط المؤشرات القتالية”.

   وفي 3 مخيمات قريبة من مدينة تندوف الجزائرية وفي مخيم رابع داخل كثبان الرمال تفصله 180 كلم عن هذه النواة، هناك:

   ـ 35 في المائة سنة 2002، أصيبوا بسوء التغذية منهم 10 في المائة يعانون من سوء تغذية حاد، وحاليا، وبعد قطع الخضر والفواكه الجافة والبيض وصلت النسبة إلى 88 في المائة.

   ـ 45 في المائة نسبة ساكنة المخيمات التي تعاني من خصاص في إطعامها بمادة الحديد وازدادت بـ 12 في المائة، أي أننا أمام لاجئين بدون هذه المادة.

   ـ 99.9 في المائة يعانون من خصاص أو تلوث مائي حاد، وأن 700 ألف دولار للماء والتطهير لصالح 70 ألف لاجئ في مخيم يسمى “العيون” في مقابل 180 ألف دولار لباقي المخيمات، مبالغ لم تصرف.

   هذه المؤشرات كما أوردها الخبير، إدواردو سو، للمفوضية السامية للاجئين(12)، نزلت إلى أرقام تؤكد على إفلاس العمل الإنساني في المخيمات بما يتجاوز أزمة اليمن التي تجد في جانب آخر عملا سعوديا مثمرا في العمل الإنساني، وفي سوريا نجد الأتراك، و تمول ليبيا المأجورين بنفطها، إلى جانب المساعدات الإيطالية، لكن مسألة التجويع في مخيمات تندوف لا تناهضها أي دولة جارة، بما فيها الجزائر التي لا ترغب في أي أثر لـ “الرقم الصحراوي” في المعادلة الداخلية، وهو ما أكده الأمين العام السابق لجبهة التحرير، عمار سعداني، ولم يمرر حزبه أي غلاف مالي إلى اللاجئين منذ إزالته من مقعده.

   وتشير التقارير الدولية إلى عمل إقليمي لتجويع كامل لساكنة المخيمات، وأن قتل الجانب الإنساني هو الجزء الجهنمي في هذه الخطة، وأوقف الاتحاد الأوروبي والأمريكيون والجوار الإقليمي كل المساعدات الإنسانية لتغيير مسار المفاوضات ودفعها للنضج.

   وانخفضت الميزانيات الهزيلة، الموجهة إلى اللاجئين في تندوف إلى 70 في المائة دفعة واحدة، وتجري ضغوط للحفاظ على الخط الضعيف من التغذية لبرنامج الغذاء الدولي، لأن آخر التقارير تعلن أن المسألة لن تدفع إلى انحراف نحو التطرف، من واقع ما تسميه، إيلينا فيديان قاسمي، في الصفحة 190 من كتاب لها تحت عنوان: “اللاجئون المثاليون” بـ “العلمانية الصحراوية”(13) وتقول: “إن الصحراويين لم يكن لهم وفد للحج بشكل رسمي من 1970 إلى 2008، وأن وضع المرأة المثالي في هذا المجتمع يمنعه من الانحراف إلى التطرف الديني، ويظل معتمدا على سياسات جديدة للبقاء ترتكز على المزيد من التعاطف في أجواء موت بطيء ومحقق، يعرفه الصغير والشاب المتحمس والشيخ الذي يعلن الحرب على أنانية تريد أن تنسخ فلسفة البقاء في المجتمع البيضاني، وهو ينظر إلى 100 قرار دولي خاص بالقضية(14) دون التفكير الجدي في حل سياسي، أو إنساني” كما يقول تقرير “غلوبال هومانيتيريان أسيستنس”.

اللاجؤون في تندوف بدون بطاطا أو جزر، ولم تزرع منظمة “أكسفام” “المورينغا أو البان” بعد أن قطعت البيض الموجه للمخيمات في ظل نقص حاد للحياة

   في تقرير 2016 لمؤسسة “غلوبال هومانيتيريان أسيستنس” ما يؤكد “التأثير السياسي” لحالة المأزق التفاوضي بين طرفي النزاع، ولم تسعف تدخلات إسبانيا في الوصول إلى أي نتيجة، فيما زادت الضغوط في كل جولة من جولات “مانهاست”، فنزلت المساعدات بنسب قياسية (20 في المائة)، كلما أوحت المؤشرات بصعوبة في الحوار أو عدم الوصول إلى مخارج لعملية تفاوضية ناجحة.

   ومست مؤسسات الاتحاد الأوروبي بحياة اللاجئين لأنهم انتقدوا اتفاقيات وقعتها مع المغرب وطعنوا فيها قضائيا، ووجد الفرنسيون فرصة للضغط، بل عرقلت باريس في نونبر 2014 أي مساعدة، بعد تحديد 75 في المائة من حاجيات المخيمات والمقدرة في حدود 28 مليون دولار، ولم تغط الدوائر الدولية هذا المبلغ وتدخلت إسبانيا بحوالي نصف المبلغ (12 مليون دولار)، أي نصف الحاجيات الملحة(15)، ونزلت المساعدات الإسبانية بـ 70 في المائة عام 2015، وبقي الوضع قائما مع “مشروع الخضر”، ولم تعد في المخيمات لا بطاطس ولا جزر، بما يزيد عن الوضع السوري، وتوقف البيض الذي تسلمه “أكسفام” للمخيمات، ودخلت في دعم منظمات منها منظمة “نوفا” ضد العنف أو الحرب في أزمة “الكركرات”.

   وعوض أن يتسلم اللاجؤون “البروتين”، فضلت هذه المنظمة البريطانية دعم لاجئين ضد الحرب، للتأكيد على أن التموين الدولي للمقاتلين الصحراويين من المساعدات الإنسانية، شيء غير متوقع ومستحيل، وفهمت الأوساط الفاعلة في المخيمات هذه الرسالة، لكن المؤشرات ازدادت سوءا، فطلب البرنامج العالمي للغذاء التدخل بـ 7.9 مليون دولار بشكل عاجل، على مستوى 41 في المائة من ساكنة المخيمات، وبعد انعدام الخضراوات والبيض وباقي البروتين، انتقلت أزمة العيش إلى مستوى حاد.

عاشت المخيمات أزمة مياه لاعتمادها على صهريج واحد تابع للمفوضية السامية في بعض المخيمات

   عرفت المخيمات أزمة عطش حادة في مقتبل أيام رمضان الحالي، وبعيدا عن تسييس الموضوع الإنساني من كل الأطراف، فإن خطورة الوضع في المخيمات أشار إليها تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لـ 9 دجنبر 2015.

   وأثار الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كيمون، الموضوع، وجرى تسييسه، علما أن المسألة لا تتعلق بفصل المسار الإنساني عن “السياسي” أو التفاوضي في قضية الصحراء، لأن المساعدات الإنسانية “مادة للسلام والأمن” والوصول إلى حل سياسي، فـ “الجوع المبرمج” لم يعط نتيجة، بل قد يغير الاتجاه نحو الحرب.

   تقول الفقرة 7 من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة (2015) بأن الحالة الإنسانية “صعبة”، ووصفت الظروف المعيشية بـ “القاسية” التي تأثرت أصلا من التدني المستمر للمعونة الإنسانية، وتفاقمت في أكتوبر 2015 نتيجة تساقط الأمطار بغزارة ولمدة طويلة، حيث أدت هذه الأمطار إلى إلحاق الدمار بالمخيمات الخمسة، إذ أتلفت الكثير من البيوت الطينية للاجئين والبنى التحتية والإمدادات الغذائية.

   ولم تخرج المخيمات من معالجة الدمار الذي جلب تمويلا محدودا، وبقي الوضع قائما إلى ما يمكن معه القول أن عدم عد الفيضانات “كارثة طبيعية” في هذه المخيمات، تقدير غير إنساني للمجتمع الإنساني.

   لقد دمرت الأمطار 35 في المائة من البنية التحتية العتيقة للغاية في المخيمات الخمسة، وجاء التمويل بـ 12 في المائة من الحاجيات، فالمسألة تتعلق حاليا بنقص التمويل الذي يؤثر على برامج اللاجئين العادية، وجاء جزء من أزمة العطش، من عدم وجود صهاريج كافية، فكل شيء في المخيمات يعبر عن المعاناة، سقط المطر أو انحبس، وهذه الكارثة الإنسانية قد تشكل تهجيرا قسريا من مخيمات تندوف باتجاهات أخرى.

   يقول إدوارد بينسون، الخبير في المواضيع الإنسانية: “إن الثقة بين اللاجئين في تندوف وبين المنظمات الدولية، ضعيفة ومعرضة للصورة الإعلامية السلبية، فمن فتح المفوضية السامية للاجئين لـ 4 مراكز للاتصال الهاتفي لمدة 10 دقائق لكل لاجئ مع أرقام أخرى، انتهت المفوضية إلى عجزها عن تسليم صهاريج مياه لحل مشكلة العطش، قبل أن تتدخل جهات للعمل على تخفيف هذا الوضع الكارثي”.

الأثر الإنساني لأزمة “الإطعام” في المخيمات يتجاوز التطورات السياسية والعسكرية التي يعرفها مشكل الصحراء

   قررت الجزائر وقف حاملي جوازاتها من الصحراويين بما يؤكد على أزمة أخرى في مغادرة المخيمات نحو الخارج، وزادت ضغوط إسبانيا على قيادة اللاجئين في الوقت الذي تتحالف فيه كل الأطراف على عدم وصول اللاجئين إلى مياه الأطلسي، أو ممارستهم للصيد التقليدي، في ظل الشح الشديد للمساعدات، لأن الموافقة على 65 نقطة في المخطط العملي “بي. أو. أ” من الحكومتين المغربية والجزائرية مسألة معقدة، ومسألة اللاجئين، حسب هذا المنظور، “ليست إنسانية في المنظور الأممي والإقليمي”.

   والضعف الخطير في تمويل مجموعة “أصدقاء الصحراء” للاجئين، مسألة خطيرة، ولم يثرها المراقبون، فكيف يمكن أن تحمل هذه المجموعة الصداقة للاجئي تندوف ولا تتدخل لمنع “الجوع المزمن” أو “المبرمج” أو هما معا.

مجموعة “أصدقاء الصحراء” هي الأقل مساعدة للاجئين في تندوف

   من أعقد التطورات في ملف الصحراء، أن يموت اللاجؤون جوعا، وهو ما يحدث حاليا، لأن اللجوء المطول للخارجين من أراضيهم نحو تندوف، له تكلفة في مستوى الخصوبة، وفي البقاء، لأن معدل اللجوء خارج تندوف يزيد بـ 500 في المائة عن المتوسط في تسعينيات القرن الماضي، وألف في المائة من لحظة اندلاع الصراع سنة 1975.

   وعلى الرغم من خطورة هذه الإحصائيات، فإن مجاعة مخيمات اللجوء في تندوف لا تثير سوى المزيد من الضغط الدولي من أجل مواصلة “الجوع المزمن” أو “المبرمج” ضد لاجئين، في حالات كثيرة، ويمكن التفاعل معهم من زاوية إنسانية متقدمة، فالجزائر لا ترغب في حلول طويلة الأمد للاجئين الصحراويين خشية التوطين، وتتعاطى مع لجوء مطول للغاية، بدون تكلفة كبيرة، لأنها رفعت يدها من أجل أن تهيمن الأمم المتحدة بشكل كامل على الملف.

   ولا تباشر الأمم المتحدة مسؤوليتها لحماية حياة اللاجئين، فهي لا تهتم حاليا لإطالة مدى حياة اللاجئ، بل لا تسلم أدنى فرصة في البقاء على الحياة، وتقر بالحياة الصعبة للاجئين، لكنها لا تعمل شيئا سوى تركهم يموتون دون حرب.

   إن فهم التحدي الإنساني لحياة اللاجئين في مخيمات تندوف، لن يكون نافعا في فهم سياسي لنزاع معروف لدى المغاربة والجيران، ولكنه بالأساس، وليد قدرة على فهم لحاجيات الإنسان في مخيمات صحراوية تعيش في حرارة مفرطة، وفي قلب كثبان رملية بدون امتداد لحياة محتملة، ويتجاوز حجم المشكل الإنساني الاستجابة للقيود الجزائرية المفروضة على حركة اللاجئين في المخيمات أو على جانب الجدار العسكري المغربي، لأن الحالة النفسية ليست مطروحة، ولأن الخطر يهدد الوجود الإنساني للاجئين المهددين بهدر حق حياتهم عن طريق المجاعة أو الحرب.

   وتفرض العديد من حكومات الجنوب على اللاجئين العيش في مخيمات مخصصة لهم، لذلك فإن ظروف العزلة، تعرضهم للقلق البالغ، وتزيد الأمر سوءا، نظرا لعجز المؤسسات الإنسانية وتحت راية الأمم المتحدة في حماية 168 ألف شخص من المجاعة، كما أظهرت فشلا ذريعا في حماية حق الحياة في المخيمات أو حق التنمية في المنطقة العازلة أو في المنطقة الآمنة كما اقترحها بان كيمون، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، وجرى رفضها من الجزائر قبل المغرب، والتأمت موريتانيا إلى الموقف الإقليمي الذي يحرم اللاجئين من الحقوق الحامية لحياتهم في القانون الدولي الإنساني على أرض دولة الضيافة أو على صعيد المنطقة العازلة، أو غيرها من الإجراءات التي تمنعهم من الحقوق الأساسية، وأولها، الحصول على مستوى من الطعام يمكن اللاجئ من البقاء.

الأمم المتحدة تخلت عن واجبها في إعادة إسكان اللاجئين بعد تدمير كارثة طبيعية لمساكنهم،

وتخلت حاليا عن الحق في إطعامهم

   المشكل الإنساني في مخيمات اللجوء كارثي وصعب، وغير قابل للمزيد من الصمت عليه، لأن الأمم المتحدة التي تشرف على الحل السياسي، عليها أن تواجه تحدي المجاعة وعدم السكن، وعدم توفير أدنى شروط العيش على شاطئ رملي حار من الصحراء الكبرى، المنطقة الأكثر حرارة في كوكبنا الأرضي.

   وكثيرا ما يمتلك اللاجؤون المهارات اللازمة لبناء السلام إن احترم الآخرون حقوقهم في البقاء، وهو الشرط المعدم في مخيمات تندوف، فهذه المخيمات ومن دون ضجيج، تودع قتلاها بسبب المجاعة وموتاها يتجاوزون معدل الموت في اليمن، ومعدل من يموت من المجاعة والحصار في سوريا، ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يتذرع بأي مبرر لمنع وصوله إلى “موتى الجوع القسري في المخيمات”، كما لا يمكن بأي حال، القبول بعدم إدماج اللاجئين في أي ميزانية لمواجهة الكوارث الطبيعية إثر تعرضهم للفيضانات، وكأنهم ليسوا بشرا.

   إن الوضع الاستثنائي في نظرة الأمم المتحدة إلى اللاجئين، مسألة قانونية محسومة، ولا يمكن تجاوزها لأن مسألة الصحراء بعيدا عن السياسة، هي قضية إنسان في ظروف قاسية للغاية، محروم من مقومات العيش، فالذين يموتون جوعا أو يموتون ببطء مبرمج من خلال تدمير شروط حياتهم، هم من مسؤولية مجلس الأمن.

المبرمجون للقتل بالجوع والحرارة المفرطة الذين عاشوا على الشواطئ الأطلسية وانتهوا في عمق الصحراء الكبرى، تجاوزوا ظروف الحرب ويمكن لهم الصمود في ظروف أقسى، لكن هذه الخلاصة الأممية، رفضها المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء الدولي منذ 2003

   اللجوء الطويل المدى لثاني أطول أزمة لجوء في العالم، ليس خيارا في الحماية، بل واجبا كما أكد ذلك حوار المفوض السامي بشأن تحديات الحماية الذي أقيم في جنيف شهر دجنبر 2008، والذي أظهرت نتائجه، اتفاقا على مشكلة النزوح، لكنه لم يصل إلى تقدير إنساني صارم بخصوص حالة المس بالحقوق الأساسية للاجئ، وفي هذه الحالة، فإن تعريض اللاجئين في تندوف، وكل من يسقط منهم عن طريق المجاعة، هو “جريمة” لتعريض إنسان لاجئ، تحت ولاية مجلس الأمن، إلى الخطر الشديد.

   وخرق الحماية عن طريق تعريض الحقوق الأساسية للاجئين في تندوف للانتهاك من طرف 3 وكالات تابعة للأمم، “جريمة” بتعبير، غيل لوشر وزملائه في كتابهم الصادر عن مطبعة “روتليج” (نيويورك 2008) بعنوان: “مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين: سياسات وممارسات حماية اللاجئين في القرن الواحد والعشرين”، لذلك فالاستجابة الفورية والشاملة لكل مطالب الطعام والماء، في مخيمات تندوف، هو حق يضمنه القانون الدولي الإنساني ولا يمكن التغاضي عنه أو التفريط فيه.

 

هوامش

1_ Tistimony of james t. imorris, executive director world food program, hearing on the state of the work report on hunger from Africa to north corea, february 25/ 2003.
2_ Western Sahara, war, nationalism and conflict irresolution by Stephen Zunes, Jacob Munday, syracuse university press, 2010 p: 120.
3_ Stotte komiteen for vest – Sahara, series of Norwegian nutrition studies in the refugiee camps, 13/10/2011, Norwegian Churd aid (NCA).
4_ World food program air drops food rations in south Soudan MSN.com (9/3/2017).
5_Spiegel online, Hamburg, Germany (3 July 2005).
6_ David Beasiley of united states appointed as head of UN.emergency food agency, UN centre, 29 march 2017.
7_ The Unintendend consequences of emergency food aid neutrality sovereignty and politics in Syrian civil war 2012 – 15, José Ciro Martinez and Brent eng, Chatham house.
8_ (The main objective of this budget revision 7 is to extend the PRRO for three months from 1 January to 31 march 2017 and adjust the budget accordingly).
9_ WFP forced to reduce food rations for western Sahara refugees as Ramadan approches, WFP(15 may 2017).
10 _ 2002 / EB 2/9 protracted operation Algeria 10172 prro 10172.0 assistance to western sahara, WFP / EB- 2 / 2002 /6/4
11_ Spain’s donation to western Sahara refugees supports WFP at a critical times, 10/Nov/2016.
12 _ Conditions in western Sahara refugee camps worsen as exile lengthens, food and wanes by Edwardo cue, unhcr.org (3/3/2002).
13_ Elena Fiddian Qasmiyeh, the Ideally refugees, Gender, Islam and Sahrawi politics of survival, Syracuse university press, 2014.
14_ Global humanitarian assistance report 2016.
15_ 70/98 of 9 December 2015.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!