في الأكشاك هذا الأسبوع

برنامج تلفزي لتوجيه الضربات العشوائية إلى الجهات المعنية

بقلم. محمد بركوش

     لم أفهم ولن أفهم لماذا رجل السياسة في بلادنا ينسى بسرعة فائقة؟ ولماذا يحاول أن يستبلد المواطن الذي أصبح يعي جيدا ويدرك القصد من الملامح الطاغية التي تميز أو تسيطر على الساحة؟ ولماذا تفتح له وسائل الإعلام بكل أصنافها الصدر ليقول لنا كلاما سبق وأن فاه بضده في مناسبات عدة؛ كلام بصبيب عالٍ من التناقض التام الذي يتربع بالدليل على أن السياسة عندنا بدون ذاكرة وبدون سجلات، وأن السياسي ”يتعامل مع عالمنا وكأن لديه عالم آخر في حقيبة السيارة”، كما قالت ”جين فوندا الأمريكية”.

 عندما تفضلت إحدى القنوات التلفزية المغربية بتخصيص حلقة من حلقات أحد برامجها الحوارية المعول عليه للأغلبية التي لا تملك مشروعا واضحا لتدبير المرحلة، حسب رأي حكيم عنكر الذي قال بأن “الحزب الأغلبي يسعى إلى التأسيس لمنطق في التدبير يقوم من جهة على الإيهام بإشراك الجميع في القرار، ولكنه من حيث المؤدى يذهب في اتجاه منح لمسة خاصة لتجربة العدالة والتنمية، قائمة على الاستباقية في طرح صعوبات التدبير الحكومي وتحضير الرأي العام جيدا لتقبل حتى أكثر القرارات لا شعبية دون أن يؤدي ذلك إلى احتقان للشارع”، قلت عندما فعلت التلفزة ذلك نزعت بعنف لحظة خصبة من برامجها، وهيأت عوضها لقطات (كأنها مفبركة) لإفراغ ما بداخل كل واحد من ممثلي تلك الأغلبية القائمة على تلونات تحالفية مازالت تبحث عن المزيد، ولتوجيه الضربات العشوائية إلى جهة معينة، بل إلى فرد من تلك الجهة، وكأن مشاكل الشعب بأكمله ومعاناته مع الفقر والبطالة والزيادات في الأسعار ليست داخلة في طقوس تلك الأمسية التي كنا ننتظر أن تطرح على طاولتها تساؤلات مثقلة بالهم والإشكالات العريضة، وأن تبسط “زلات” بعض المسؤولين الحكوميين المسيئة إلى مقدس الالتزام كما يقال، ولكن الأمور سارت في اتجاه معاكس ربما بضغط وإلحاح كما استنتج البعض من كلام “بوانو” الذي أشار إلى أن الحلقة كادت أن تصفى برغبة من الجميع، لولا طبعا التحكم في نوع الأسئلة، وعدم الميل بها إلى نشر الفضائح أو التذكير بها.

لقد مهر الضيوف الذين حضروا الحلقة في الاستفادة مما تبقى من مخزون الكلام، تمكنوا بامتياز من تمرير خطاب مغلق بكثير من (الأنانية وحب الذات)، وإقصاء الآخر(الماضي)، تجلى ذلك عندما أطنب أحدهم، كانت له مشاكل مع (ملين فلوس)، في الدفاع عن السياسة الحكومية التي “أنقذت البلاد والعباد” وأبعدتها عن الهاوية بفضل مبادرات “مهمة” أقدمت عليها بالشفوي وباحتراز لا يمنع من إعمالها “كما رددوا”، ناسيا مجهودات ملك البلاد وسعيه للرفع من مستوى معيشية المواطنين، ومتناسيا في نفس الوقت أن حزبه اعتبر “اللجوء إلى المقايسة (مثلا) (وهو إجراء يرقصون على نغماته) خطوة معزولة تنضاف إلى مبادرة الرفع من أسعار المحروقات الشيء الذي يؤكد غياب خطة شاملة لإصلاح إشكالية المقاصة”، جريدة: الأخبار، (العدد: 267، يوم 26 شتنبر 2013)، أي قبل انضمام الأحرار إلى الفريق الحكومي، بالإضافة إلى ما كشف عنه المكتب السياسي للحزب من وجود اتفاق بين الحكومة وصندوق النقد الدولي “يقضي بتطبيق القرار في حالة ارتفاع أسعار البترول في الأسواق العالمية” ولم يخف الضيوف الكرام نشوتهم، خاصة أحد الصقور الذي تحول في لحظة إلى ببغاء يردد ما قاله الأولون وما “أنجزوه”، ويشيد باكتشاف حزبه لمفهوم جديد، أتت به الحكومة التي تخلت عن اللحى، ألا وهو مفهوم التضامن، في نسيان تام -إن لم أقل نكران- لاعتزاز المغاربة منذ القدم بالتآخي والتآزر، ورفض الاستغلال والضحك على الذقون، ويحاول جهد الإمكان إبعاد التاءات الخمسة (تبخيس – تقليل…) واستبدالها بالميمات الخمسة (ما كاين غير الخير ما كاينة معارضة قوية – ما كاينة زيادة…).

إن استيعاب اللحظة الراهنة والمعول عليها كمنعطف حساس لم يعد يقبل بالتصلب السياسي، أو بالخطابات الأثرية المتجاوزة، والتي أضحى الكل يشمئز منها نظرا لكثرة الاستعمال، كخطاب الخوارق والادعاءات والتماسك الغائب، كما أنها أي اللحظة ليست موكولة في تدبيرها إلى هذا أو ذاك، بل إلى الإجماع الذي يجب أن يسود، ويتم اللجوء إليه عند العزم على اتخاذ أي قرار يمس المواطن في معيشه اليومي أو في مستقبله ومستقبل أبنائه، وإلى إشراك الجميع وفي المقدمة المعارضة التي وسع الدستور الجديد من صلاحيتها وجعلها في مرتبة واحدة مع الأغلبية، هذه الأخيرة التي لم يعد بعد يسمح لها بالاختفاء وراء “الخرافة” بعد أن ثبت أنها مدعومة رغم الرجات والصعقات، وأن لا خوف عليها من تهديد الأمين العام للحركة الشعبية السيد العنصر الذي أعاد ممثل حزبه في البرنامج بعد أن تعثر في الاستشهاد بأصغر سورة في القرآن الكريم “ما شاء الله”، ما صرح به الأمين العام من أن ما يشاع وما يردد لم يكن “موقفا بل مجرد تعبير عن آراء تسود لدى بعض الحركيين”، (جريدة: الأحداث المغربية، العدد: 5202)، وهذا كلام صحيح، لأن العنصر يستحيل أن يبدي تخلصه من الزعامة أو الوزارة إذا لم يوح له بذلك، حسب ما استوحاه بعض المحللين من جواب له  نشرته مجلة “تيل كيل”، حيث قال “الدستور يعطي سلطات واسعة للحكومة وللجهاز التنفيذي لكن رئيس الحكومة له طريقته الخاصة في التعاطي مع الأمور، لقد أكد أكثر من مرة أنه لا يرى (بالنفي) بأن عمله يمكن أن يتم كله باستقلال عن الملك”، (جريدة: أخبار اليوم، العدد: 1268، “الافتتاحية”)، فإذا كان الرئيس يفعل ذلك بوزير في حكومة ذلك الرئيس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!