في الأكشاك هذا الأسبوع

الزردة في الحياة السياسية المغربية

عبد الله ملول. الأسبوع

   الزردة كلمة أصلها عربي ومعناها الوليمة، لأن كلمة زرد أو ازدرد، معناها ابتلع وهذا ما يقصده بالضبط من يقول بالعامية “الزردة في بغداد قريبة”.

   وللتذكير، فالزردة اليوم في بغداد أو دمشق أو طرابلس، أصبحت مستحيلة مادام المسلمون يأكل بعضهم بعضا وهم يكبّرون، والزردة في المغرب كظاهرة اجتماعية، لها بعد إنساني وديني، فهي وليمة أو مأدبة يدعى إليها الأصدقاء والجيران في بعض المناسبات لتحسين العلاقات الاجتماعية وتقوية المودة والمحبة، بل ويحضرها من دعي ومن لم يدع إليها، والبعض لا يسميها زردة إلا إذا كانت مجانية، وبالتالي، فجميع الولائم عندنا تسمى زردة، وغالبا ما تقتصر على الأكل كثير الدسم والشحم، ومكوناتها الرئيسية هي الكسكس واللحوم والمشروبات الغازية والحلويات التقليدية والعصرية مع كؤوس الشاي المنعنع (والله يرحم من زار وخفّف)، ومن سلبياتها، التبدير والتكلّف والسعي خلف المظاهر واستعراض القدرات المالية والجاه والنفوذ لدرجة الانتحار الطبقي، كما تعتبر الزردة أيضا من الموروث الشعبي القديم الذي توارثته الأجيال جيلا بعد جيل، وقد كانت بالأمس البعيد، تقام في المواسم الفلاحية والمناسبات الدينية وقرب الأضرحة وسط الخيام والأهازيج الفلكلورية لمدة قد تصل إلى ثلاثة أيام، تذبح فيها الذبائح لأهل القرية وزوارها كرمز لأصول الكرم الحاتمي والضيافة الحاتمية التي يسيل لها لعاب كلاب وقطط القرى المجاورة، لكن ما تمثله اليوم في الذاكرة الشعبية، هو اختزالها فقط في ليلة عشاء واحدة بالمنزل وبحضور عدد المرغوب فيهم من المدعوين حسب الطاقة الاستيعابية للمنزل، وحسب القدرة العددية والبدنية لأهل البيت، وللزردة معنى آخر في بعض الدول العربية، ففي تركيا والهند مثلا، هي عبارة عن حلوى تعتبر من الأطباق القديمة التي اندثرت في الآونة الأخيرة ويدخل في مكوناتها الأرز والسكر والزعفران، كما أن هناك من يقول بأن أصل التسمية جاء من مفردة “زر” أو “زرد” الفارسية، والتي تعني اللون الأصفر، لكون طبق الزردة يصبح لون الأرز فيه مصفرا بفعل الزعفران، والزردة تعود اليوم من باب الحديث عنها لتذكرنا بأن الحياة السياسية في بلادنا، أصبحت اليوم كما الأمس، عبارة عن وليمة ضخمة فوق الموائد الوزارية والبرلمانية والمؤسسات العمومية، يدعى إليها بعض المحظوظين من المؤلفة قلوبهم للاستمتاع بمذاق ومرق السلطة، وليأخذوا نصيبهم كمن يدفنون الطعام في بطونهم في زمن تحول فيه الطعام من نشاط منزلي إلى نشاط سياسي وتجاري، أما الآن، فلا بد من تكبيل مفاصل الكلمات والرجوع لموضوع الحديث عن كوننا أصبحنا نقيم الزردة في العرس وقدوم المولود الجديد والعقيقة وبمناسبة شراء بيت أو عند السلامة من حادثة لا قدّر الله أو عند النجاح أو عند توديع أو استقبال المسافر للحج أو العمرة، بل الزردة وراءك حتى عندما “تخدم أو تشري تيليفون أو تنجح أو تشري طوموبيل أو تتزوج أو تموت”، وهذه الأخيرة لوحدها تدوم ثلاثة أيام لأنها هي الحفل الختامي.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!