في الأكشاك هذا الأسبوع

متابعات | إثارة “صراع” الهمة والماجيدي في حراك الحسيمة

القصر يبكي زليخة الناصيري بعد تظاهرات 18 ماي ضد الانفصال

إعداد: عبد الحميد العوني

   نجح وزير الداخلية، الريفي المولد، في فصل نهائي لمدينة الناظور عن حراك الحسيمة، وسقط “الريف التاريخي” من مدلولات الأعلام المرفوعة لجمهورية عبد الكريم الخطابي، وأجهض في خطوة ثانية، المسيرة المليونية التي كانت مقررة في الصيف، بتمديد التظاهرات إلى عودة ريفيي أوروبا والعالم، الحاملين لجنسيات متعددة، إلى الإقليم، بما قد يدفع إلى انزياح الحركة الاحتجاجية في الحسيمة.

   واندلعت الاحتجاجات في مدينة الناظور، وأصر الزفزافي على المظاهرة المليونية لـ 20 يوليوز، لمحاولة إفراغ التقدم الذي حظيت به وزارة الداخلية بعد 18 ماي الجاري، وأطلقت حملة توظيف لـ 160 إطارا في جماعات الحسيمة للتقليص من الزخم الشبابي لهذه المظاهرات.

   وسبق أن اتهم الوزير، عبد الوافي لفتيت، الحراك بـ “الانفصال” إلى جانب أحزاب الأغلبية الحكومية، لتدور على الأرض مسيرة حاشدة ضد الانفصال استفاد منها النظام، لأنها استفتاء على شكل دولته الحالية، وحضرته القنوات العمومية، في تطور لافت أعاد تعريف الحراك الريفي من “زاوية حقوقية”، واقترح الصبار، عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، موافقته على الوساطة مع ناصر الزفزافي الذي قبل بتقديم نفسه “ناشطا حقوقيا” لإيجاد حل للمنعطف الذي يعرفه شمال المملكة.

   وما فتئ قائد الحراك أن رفض وساطة المجلس، فيما قبل مفاوضة مستشار للملك يهتم بالجانب الحقوقي والقانوني، ويعمل المستشارون، عبد اللطيف المنوني والمعتصم وعزيمان على نفس الملف، في الوقت الذي تذكر فيه الجميع في القصر، حسب مصادر “الأسبوع”، المرحومة زليخة الناصيري.

دون المساس بالأوراش الكبرى للملك، تندرج مطالب الحراك ومشاريع الشارع الريفي في إطار جبر الضرر الجماعي، المرتبط ببقايا الجمهورية الريفية، وفي إطار الإنصاف والمصالحة مع المنطقة، وهي بصمة المستشار الملكي النافذ، علي الهمة، الذي أكد ناصر الزفزافي أن صدامه قوي مع الماجيدي، سكرتير الملك والمشرف على استثماراته

   قد يؤدي الصراع بين الزفزافي، قائد الحراك الشعبي، ومقاربة الوالي اليعقوبي عن الجهة الترابية التي تعرف حراك الحسمية، إلى انزلاق، قال بخصوصه المسؤول الترابي لوكالة الأنباء الفرنسية، بأن القضاء يهيئ لمحاكمة 3 إلى خمسة أسماء، منهم الزفزافي، وقال الأخير، أنه سيعود إلى بيته فور تسليم رسول من الملك المطالب المسطرة من الحراك، وخطب في الآلاف من المحتجين الذين تجمهروا في 18 ماي الجاري مصرحا: “هناك صراعات داخل الدولة بين فئتين تريدان التقرب من الملك، اتخذتا من حراك الحسيمة بؤرة لتصفية الحسابات، التيار الأول يقوده منير الماجيدي، الكاتب الخاص للملك، والذي يعتمد على الوالي اليعقوبي، والثاني يقوده فؤاد علي الهمة، الذي يستخدم إلياس العماري”.

   وأكد: “أن التيارين يريدان جر الحراك إلى مستنقع الدماء” ومن الولايات المتحدة الأمريكية رفض العماري الحل الأمني ودعا إلى الحوار والمصالحة”.

   ودعا “مركز الذاكرة المشتركة للديمقراطية والسلم” الذي يرأسه عبد السلام بوطيب، القريب من نفس الدائرة التي قدمت إلياس العماري إلى الواجهة، إلى “الحل” بإدماج مطالب الحراك في إطار جبر الضرر الجماعي، المرتبط ببقايا ما حصل في ضرب الريف بالسلاح الكيميائي في ثورة عبد الكريم الخطابي والتدخل العسكري لـ 1958، وباقي التدخلات الأمنية من 1984 إلى 2011 التي حرق فيها 5 مناضلين من حراك 20 فبراير، وطعن آخر وتم اعتقال عشرة آخرين منذ “طحن” صياد السمك، محسن فكري في شاحنة الأزبال، وهي الحادثة التي فجرت الاحتجاج المتواصل إلى الآن.

   ومحاولة حماية “الأوراش الكبرى” أو “الأوراش الملكية”، دفعت البعض إلى اقتراح المشاريع التنموية المستعجلة والتي يقترحها الشارع ويدافع عنها، ضمن مشاريع “جبر الضرر الجماعي” لإبقاء المسارات الموجودة دون تعديلات واسعة.

   وسمح البرلمان بتمرير مداخلة فيدرالية اليسار الديمقراطي على الهواء، التي دعت إلى تقييم المشاريع التي دشنها الملك، ولا تخرج مطالب حراك الريف عن نفس الإطار، وذكر قائد الحراك بالخطاب الملكي سنة 2004 عندما قال الملك “إن مدينة الحسيمة يجب أن تكون قطبا تنمويا”، معلقا بالقول: “لكن لم نر شيئا.. لا معامل.. لا مصانع ولا مستشفيات، لأن هناك مافيا..”.

   وفي معرض كلمته أضاف: “كان من المفروض أن ينطلق مشروع “منارة المتوسط” قبل 2015، وتأخر موعد انطلاقه لأن ميزانيته نهبت، ولما أحسوا بحرارة الاحتجاجات، قاموا ببعض المشاريع الترقيعية”، مشيرا إلى الوالي اليعقوبي، الذي جاء بأزيد من 300 مقاولة من خارج الريف، ومن المقربين من عائلته للاستثمار فيها.

   والمعادلة تدفع إلى إبعاد الخيار الأمني، وإدماج التنموي في “إطار حقوقي” وعبر ميزانيات لجبر الضرر الجماعي، دون المساس بـ “المشاريع الكبرى”، هو خيار يدافع عنه المستشار الملكي، علي الهمة لخروج اليزمي من المجلس الوطني لحقوق الإنسان وإلياس العماري عن الجهة وباقي الفاعلين لدعم هذا التصور، بل إن بلاغ مركز الذاكرة قال بصريح العبارة: “إن البحث عن أجوبة بأفق وطني، لن تقوم به جهة واحدة”.

   وشكلت هذه العبارة رسالة واضحة إلى سكرتير الماجيدي الذي يدافع عن أوراش مهيكلة كبرى، عوض المشاريع التنموية المرتبطة بتحسين معدلات التنمية البشرية في المملكة، وليس لوزارة الداخلية تأييد “أوتوماتيكي” للمشاريع المهيكلة، لأنها تشرف على المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والتي تعرف مراجعة، بعد حراك الحسيمة، لأن المعدلات المحققة لا تزال ضعيفة، واتفقت الأطراف على الوصول إلى “توافقات” على صعيد المشاريع، تأخذ بعين الاعتبار طابع الاستعجالية والخدمة الاجتماعية ومسايرة الرؤية التي تسعى لها المشاريع المهيكلة.

   وفي الواقع، فإن المغرب يعيش أزمة في المشاريع المهيكلة، لأنها تتطلب ميزانيات هائلة وتفترض نتائج بعد سنوات، فيما يتضرر الجميع من الزمن الفاصل بين انطلاقتها ويوم جني ثمارها.

   وضغطت الحكومات السالفة على الميزانيات الاجتماعية وقللت من أغلفتها المالية، في أجواء تتنافس فيها الشركات الكبرى على تعزيز مقاربتها الربحية، وتصدير قيمتها الاستثمارية إلى إفريقيا، كما لا يمكن الاستمرار في دعم المقاربة المهيكلة للقطاعات لأنها تمس بهذه القطاعات وبالأوراش الهيكلية أو الرئيسية في مناحي حياة المغربي.

قبول قادة الحراك بعدم “تسفيه المؤسسات” مقابل وقف “تسفيه الحراك”، فيما كان اتهام أحزاب الأغلبية الحكومية إيذانا بعزلها للتواصل مع مندوب يختاره الملك

   جرى تبريد للساحة، لإطلاق الحوار وتكييف المطالب في إطار جبر الضرر الجماعي، بعيدا عن البرامج الحكومية أو الميزانيات القطاعية المتواصلة، وتحولت الحكومة إلى “عصابة” في التظاهرات استنادا إلى قولة عبد الكريم الخطابي: “هل أنتم حكومة أم عصابة؟”.

   ولا يزال رفات “الأمير” الخطابي مدفونا في مصر، فيما يعد استسلاما من الريفيين لحالة المنفى الاختياري أو الهجرة الاجتماعية التي مورست على الإقليم المنتفض، وجرت التهدئة في أجواء استعراض يهدد بسيناريو سيدي إفني 2008، وأكدت التظاهرة أن الخلاف بين جناحي الدولة الذي استفاد منه الريفيون، منع التدخل الأمني في 18 ماي الجاري، ولا يمنع من صدام دموي في المستقبل.

   وحذر قائد الحراك من السيناريو السوري أو العراقي، لأن الريف له خصوصية واضحة تكرر كلمات “الأمير” عبد الكريم الخطابي، الذي تتردى عنه التظاهرات كأي صحابي أو تابعي، بل إن المنطقة شهدت جروحا متعددة أولها مشاركة مولاي يوسف في التحالف الدولي ـ الفرنسي ـ الإسباني ـ لإجهاض ثورة الريف بداية عشرينيات القرن الماضي.

“إلباييس” الإسبانية تكتب عن حوالي 70 ألف متظاهر خرجوا إلى شوارع الحسيمة لانتقاد سياسة “الحكومة والقصر”

   قالت جريدة “إلباييس”: “إن عدد المشاركين في تظاهرة الحسيمة، تجاوز 60 ألفا (بين 67 ألف و69 ألف شخص)”، وكانت الاستجابة لدعوة ناصر الزفزافي عالية على الرغم من التعزيزات الأمنية المكثفة التي دفعت بها الدولة لخفض نسبة المشاركين و”تسهيل مهمة محاكمة 3 إلى 5 من زعماء الحراك” كما قال الوالي اليعقوبي لوكالة “أ. ف. بي”.

   وحاولت السلطات خفض عدد المتظاهرين إلى 3500 متظاهر، قالت عنهم، إنهم تجاوزوا الخطوط الحمراء، وأعادت التظاهرات الرافضة للانفصال إلى سقفها العادي بما يزيد من تعقيد الخيار الأمني، ويخرج الملف من يد وزير الداخلية، الفتيت، وبما يشبه أيضا، إعادة تكييف القرار المركزي تجاه المنطقة.

   نشرت جريدة “لوموند” قصاصة “أ. ف. بي” التي حملت “محاكمة” الزفزافي بلسان الوالي اليعقوبي، وقالت: “إن الحسيمة تخرج مجددا ضد الرشوة والضغط والبطالة”، كما جاء في العنوان، وأكدت التغطية على رفض المتظاهرين للمافيات المحلية.

   وعد الإعلام الفرنسي المسألة، مظاهرة عادية ضمن مظاهرات متواصلة منذ موت صياد السمك محسن فكري بطريق الخطإ في شاحنة نفايات.

   وعدم تمييز تظاهرة “18 ماي” عن غيرها، يفيد المقاربة الرسمية التي تذهب باتجاه الاستجابة الكاملة للملف المطلبي من خلال “جبر الضرر” ومن منطق حقوقي صرف، وهو ما رفضه البعض، لأن “المغرب يتحرك ورياح الانتفاضة تهب على تفكير ملايين المواطنين” بتعبير الصحافي خالد الجامعي.

   وفي رفض متواصل للمقاربة الأمنية والسطحية لمشاكل المغرب، والقبول العاجل لجبر الضرر الجماعي في الريف، طالبت فيدرالية اليسار الديمقراطي في بيان لها، تحديد أولويات إطلاق صيرورة الإصلاحات التي لم تعد قابلة للتأجيل، وذلك للحفاظ على السلم والاستقرار مع وضع مخطط استباقي للنهوض بجهات أخرى مهمشة من الوطن، طبقا للتوزيع المجالي العادل للثروة مع حسم التردد بخصوص الانخراط في مشروع بناء المغرب الديمقراطي الحداثي.

   وبدت النتيجة متوقعة وكبيرة لتوزيع ذكي لموقع اليسار، فالدولة طالبت بدخول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى الحكومة، كي تتمكن من نزع شوكة حراك الريف دون اصطفاف اليسار إلى جانب إلياس العماري، ابن المنطقة، وهو الذي يرأس الحزب الثاني في المملكة، وتكون فرصة “فيدرالية اليسار الديمقراطي” سانحة لبناء قدرتها في مجتمع منتفض، وتمكنت في سيدي إفني إلى جانب حزب العدالة والتنمية وكل حراك 20 فبراير، من احتواء حراك هذه المدينة.

صراع الأرقام بين الفتيت وناصر الزفزافي، وجه لصراع حقيقي بين شخصين ووجهتين في منطقة الريف

   حولت الأوساط الأمنية تقديرات المشاركين في تظاهرة الحسيمة لـ 18 ماي الجاري، من ثلاثة آلاف وخمسمائة شخص كما جاء في تغطية مجلة “تيل كيل” إلى 50 ألف، أي 25 مرة؟ (2500 في المائة) في تصريحاتها للقنوات الغربية، فيما قال قريبون من الزفزافي أن العدد يقارب 200 ألف، وقد وعد بخروج 100 ألف متظاهر، لكن تقليل هذه الخطوة، جعل الكل، حسب الأجهزة الأمنية، قادم من خارج الحسيمة، وأن المتظاهرين في أغلبهم قاصرون، لإفراغ نجاح الحراك من مدلوله المحلي، وأن ناصر الزفزافي، فقد قوته بين ساكنة المدينة، تعزيزا لمعارضيه.

   وتفاصيل اللعبة تدفع باتجاه عدم الاستجابة الفورية لإطلاق معتقلي الحراك العشرة، رغم السعي من جهات أخرى.

   وانقلاب الفروع المحلية للأحزاب على ما قررته مكاتبها المركزية في الرباط، يعد سابقة على مستوى الانضباط الحزبي، فيما زاد معدل الانضباط النضالي في الحراك إلى معدل قياسي، إذ لم يسجل أي مس بالممتلكات الخاصة أو العامة أو الأمنية رغم انتقادها الشديد وسط التظاهرات، وتفرق الجمع في الساعة العاشرة بالتوقيت المحلي (التاسعة بتوقيت غرينتش).

   وحسب وكالة “بيلجا”، فإن “عاش الريف” شعار موحد لكل الساكنة، وهي رسالة مبطنة إلى ريفيي العالم، بأن التقديرات مختلفة على الأرض.

   وأصبح علم الريف في التظاهرات علما تاريخيا لم يعد يحمل شحنة الانفصال بعد التظاهرة الأخيرة، ولكنه فتح أفقا على الجمهورية، وفي تقدم الطلائع الأمازيغية بشعاراتها في الساحات، تكون الأعلام مدعاة لتساؤل حول “الجمهورية الأمازيغية”، لأن محاولات انقلابية قامت في سبعينيات القرن الماضي لهذا الغرض.

   ولا يمكن الجزم بما قد يوحيه المراقبون الأجانب، لأن الرسالة موجهة إلى الملك، وقد جعله المتظاهرون إلى جانبهم لتجاوز “العصابة الحكومية” و”المافيات المحلية”.

   وليس لدى وزارة الداخلية سوى هامش واحد للمناورة: “التقليل من أرقام المتظاهرين”، فالمسألة تتعلق بصراع وزير الداخلية المنتمي لنفس المنطقة، ورئيس الجهة إلياس العماري، وباقي الأحزاب التي تضرب الحراك من داخله، وتحاول هضمه سياسيا وحزبيا.

   وبين الرقمين الرسميين: 3500 و50 ألف، نعرف إلى أي حد يمكن معه الجزم بخلاف بين وزارة الداخلية ووزيرها.

   ولم يتمكن الفتيت إلى الآن، من السيطرة على وزارته، لأن الانقسام عمودي بين استراتيجيتين ونهجين ورجلين في دائرة القرار (الماجيدي والهمة).

حراك الحسيمة والبنك الدولي

   وجد فهد يعته في “لونوفيل تربيون”، أن الرسالة موجهة إلى البنك الدولي، والساكنة تريد نهجا تنمويا مطابقا لمعاييرها الجهوية والمحلية، لأن المسألة أكبر من دوائر القرار المؤسساتي المغربي الذي لم يمسه المحتجون بسوء، لكن المستقبل ليس مضمونا، لأن “ردكلة” أو تطرف الاحتجاجات، شيء متوقع، لذلك طالب حامي الدين، رئيس “منتدى الكرامة” الحقوقي، والقريب من حزب العدالة والتنمية، حكومة العثماني بالاعتذار للريف، فبعد 18 ماي، لم يعد ممكنا الطعن في شعارات الحراك أو القول بأنه يسفه المؤسسات، لأن هناك من مس كرامته ولم يعتذر له.

   و”طي الصفحة” خطوة براغماتية للطرفين نحو إرساء أجواء الحوار، لأن المعتقلين العشرة من الحراك، جزء من الحوار، والمؤسسات الوسيطة تعيد تقديرها، وقد قفز سعد الدين العثماني خارج اللعبة ليسمح بالحوار المباشر بين الملك والمحتجين.

   وتلك قصة مدروسة، حسب التقييم الفرنسي على الأقل (تقرير للمتابعة ليوم الجمعة 19 ماي 2017)، فالكل جاهز لأمر ملكي للإفراج عن المعتقلين، كما في حالة مناصرين لإحدى الفرق الكروية، وتمويل “جبر الضرر” الجماعي، سيجعل المستشار علي الهمة، قائدا لطي صفحة الحراك نهائيا بغلاف 10 ملايير درهم، وتشجع المؤشرات على الأرض على نجاح هذه الخطوة، لكن لها أعداء “حقيقيين”، فيما تمنى الجميع أن تكون الإجراءات “غير مسيسة”، كما في حالة المرحومة زليخة الناصيري.

الانقسام حدث في وزارة الداخلية

   الحقيقة التي رفعها الغربيون في تقاريرهم، هي أن وزير الداخلية والحكومة، “أجبرت على التأني” قبل التدخل لاعتقال الخمسة الذين أعلنهم اليعقوبي والي الجهة لوكالة “أ. ف. بي” وجاء القرار متجاوزا للحكومة بوقف أي تدخل إلى ما بعد التظاهرات المناهضة للانفصال، وإزالة الصفة السياسية عن الحراك، وآنذاك يمكن الذهاب بأحد الاتجاهين: “المحاكمة لأنها من دون مدلول سياسي”، أو “طي الصفحة”.

   وعززت المظاهرات المناهضة للانفصال شرعية النظام، وفي هذا السياق، عارض القرار الأمني الذي دعم مقاربة الشرقي الضريس، كاتب الدولة السابق في وزارة الداخلية، قرارات الوزير الفتيت الذي لجأ إلى رئيس الحكومة والأغلبية من أجل التغطية السياسة على قراره الأمني.

   ويوجد انقسام في وزارة الداخلية مس من قدرة الوزير الذي يعتبر من “الصقور” على إدارة قرار أمني لم يحتج في عهد محمد حصاد، إلى الاستعانة برئيس الحكومة بن كيران.

   ووجد حزب العدالة والتنمية فرصة في التقرب من الفتيت، بسبب وضعه داخل وزارته، كما وجد الوزير فرصته لتمرير قراراته بتغطية من الحزب، بعد إعفاء بن كيران من رئاسة الولاية الثانية، ومن أجل تواصل يتجاوز ما حدث بين وزارة الداخلية والحكومة في وقت سابق.

إسناد حزب العدالة والتنمية ملف حراك الريف لوزير الداخلية، الفتيت، يعلن تحولا في العلاقات الثنائية بين رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية في عهد العثماني، الذي لا يعارض أي تقدير سياسي لهذه الوزارة، فيما قزمت المعارك السابقة لبن كيران من التضامن الحزبي لقرارات الداخلية، وحدث تحالف لتمتين موقع العثماني في رئاسة الحكومة والفتيت على رأس وزارة الداخلية لأن الرميد يدعم تقوية الحزب من خلال مواقعه في الدولة لتجاوز التحديات الداخلية لحزب العدالة والتنمية ومواصلة الولاية الثانية للحكومة التي يرأسها الحزب

   تمكنت وزارة الداخلية ورئاسة الحكومة من هامش مناورة مستقل عن بعضها البعض، في الفترة الماضية، كان انعكاسها إيجابيا إلى حد بعيد، وفي ملف الريف، جاء القرار الأمني غير “مبستر”، ولا يمكن له أن يكرر حوادث تاريخية سابقة، فتحدث الأمنيون عن إعادة الانتشار على الأرض في الأربعاء 17 ماي، وكان مفعوله مؤكدا، لكن الكلمة التي ألقاها الزفزافي وزلزلت كل الأوساط العسكرية والأمنية حول “التراجع” في الكركرات أمام البوليساريو والتقدم نحو شعب أعزل؟” كانت، بكل المقاييس، صادمة، وجاء فيها: “كيف يحاصر شعب أعزل في إمارة المؤمنين؟”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!