في الأكشاك هذا الأسبوع

نموذج “الدولة البوليسية” يطل برأسه بعد تدخل القوة العمومية لتفريق اجتماع نقابي

مخاطر عودة الصراع بين “البوليس” والهيئات السياسية

سعيد الريحاني. الأسبوع

   كان بعض المؤتمرين الذين حجوا للمشاركة في مؤتمر الاتحاد العام للشغالين بالمغرب منشغلين بحجز مقاعدهم يوم الأحد الماضي بقاعة “زنيت” في الرباط، بينما كان أمينهم العام في الحزب، والرجل القوي في نقابتهم، يلقي أولى كلماته قبل الانتقال إلى المضمون، فإذا برجال البوليس يتدخلون لتفريق الاجتماع، تماما كما يحصل عند تفريق مظاهرات المعطلين، غير أن المؤتمرين هذه المرة المحصورين داخل القاعة، ليسوا معطلين، بل يتعلق الأمر بمجتمعين لهم حس نقابي، فحدث ما لم يكن في حسبان البوليس، المدججين بالهراوات، حيث اختار عدد كبير من أنصار شباط، عدم مغادرة القاعة، بل صنعوا حاجزا بشريا بين قوات الأمن وشباط، الذي وجدها مناسبة ليسترجع أيام الزعامة المنسية(..)، فألقى وسط الحاضرين كلمة ذات أبعاد خطيرة، اتهم من خلالها ما سماه “الأجهزة القمعية” لوزارة الداخلية بـ “الاغتيال السياسي”.

وبينما كان البوليس يواصلون مناوشاتهم مع المناضلين في قاعة مغلقة (هذا النوع يصنف ضمن أخطر أنواع التدخل باستعمال القوة العمومية)، قال شباط: “إيلا كانت شي موت لا قدر الله، فهي على يد الأجهزة القمعية لوزارة الداخلية” وأضاف متأثرا: “إيلا متنا حنا ولا وليداتنا، راه الأجهزة القمعية المغربية وراء ذلك”.

ولم يكتف الأمين العام لحزب الاستقلال، الذي “انتخب” فيما بعد أمينا عاما للنقابة، كما كان عليه الحال سابقا، بما سبق، بل أضاف: “إن ما يحدث اليوم، هو عودة إلى عهد أوفقير” ولم يحدد المقصود بكلامه، ولكنه استطاع أن يحشد تعاطفا كبيرا، سواء داخل القاعة أو خارجها حيث كان يردد لعدة مرات “عاش الملك، يسقط الخونة”، مؤكدا على أن أوفقير الجديد يتآمر على الملك والشعب(..).

صورة شباط وهو محاصر بالبوليس، بغض النظر عن التفاصيل القانونية لهذه الواقعة، قد تعطي الانطباع للمتتبع خاصة في الخارج، إلى كون المغرب ينحو نحو التحول إلى نموذج “الدولة البوليسية”، حيث يجري التضييق على الحريات النقابية والسياسية، وتعرف خلافا بين ما هو بوليسي وما هو سياسي(..)، فشباط الذي تدخل البوليس لإرغامه على إيقاف أشغال مؤتمر النقابة، هو نفسه شباط الذي تقاضيه وزارة الداخلية بسبب مقال نشر في الموقع الرسمي لحزب الاستقلال حول واقعة وفاة أحمد الزايدي وعبد الله باها في وادي الشراط(..)، وهو نفسه الذي قامت الدنيا ولم تقعد بسبب تصريحاته التي اعتبرت مسيئة لموريتانيا، عندما قال بأن موريتانيا مغربية(..)، واتخذ ذلك ذريعة لمنع حزب الاستقلال من المشاركة في الحكومة التي كان من المفترض أن يقودها بن كيران للمرة الثانية.

ما يتعرض له شباط، بغض النظر عن الحيثيات القانونية، وحيث أن القانون أعمى إذا لم تواكبه الاجتهادات الذكية(..)، دفع الباحثين إلى اعتبار شباط، بأنه يؤدي ضريبة التقارب مع بن كيران، رغم أن تدخل القوات العمومية له ما يبرره حسب وجهة نظر عبد اللطيف الحموشي، الذي أصدرت مديريته بلاغا، هددت فيه بمقاضاة الأمين العام لحزب الاستقلال، ليصبح شباط، الزعيم الوحيد خارج الحكومة، المتابع من طرف وزارة الداخلية ووزارة الخارجية والمديرية العامة للأمن الوطني.

تقول المديرية العامة للأمن الوطني: “إن تدخل عناصر القوة العمومية في مقر كان يحتضن نشاطا لأشخاص منضوين تحت لواء نقابة وطنية، يندرج في إطار تسخير القوة العمومية لتنفيذ حكم استعجالي صادر عن سلطة قضائية مختصة، وكان مستندا على أمر كتابي من النيابة العامة المختصة نوعيا وترابيا، موضحة أن تدخل عناصر القوة العمومية، كان بغرض ضمان الحماية القانونية للمفوض القضائي المكلف بالتنفيذ، حسب ما يقرره القانون، ويبقى الشق المهم في بلاغ الحموشي، الذي اقتصر على التهديد باللجوء للقضاء، دون اللجوء إليه، هو أن المديرية نفت بشكل قاطع، الاتهامات التي وجهت لمصالحها ولموظفيها من قبل المشاركين في هذا النشاط، معتبرة أن ذلك بمثابة قذف صريح، ومساس واضح بالاعتبار الشخصي لموظفيها، وإهانة لهيئة منظمة”.

يذكر أن نموذج “الدولة البوليسية”، والذي لا علاقة له بالبوليس كمهنة، معروف، غير أن النماذج الواضحة في هذا السياق، تعرضت لانهيار شامل، فليس شباط وحده الذي يعاني من التضييق، فعبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، حارب بدوره “التحكم” وانتهى به الأمر مبعدا عن السياسة، بل إن أطراف المعارضة بدورهم يتحدثون عن التحكم، فإلياس العماري، الذي تدور في فلكه عدة جمعيات ناشطة في مجال الحريات(..)، لا يتردد في القول إن جهات في الدولة ألحت على تحجيم الحزب(..)، ليطرح السؤال، مادام الكل يشتكي، أليس هذا دليلا على التوجه نحو السقوط في نموذج “الدولة البوليسية”؟.

ويبقى النموذج الواضح لـ “الدولة البولسية” هو ما كتب من طرف عدة وكالات عن دولة زين العابدين بنعلي التي سقطت في تونس، فقد “تحولت الدولة في عهد بن علي، إلى دولة بوليسية بامتياز.. وقامت الدولة التسلطية البوليسية على احتكار مصادر القوة والسلطة في المجتمع، وذلك عبر اختراق المجتمع المدني بمعناه الواسع، إذ تحولت أحزاب ومؤسسات المجتمع المدني إلى امتداد لسلطة الدولة البوليسية، ملحقة بها كتضامنيات مهنية أو قبلية أو مناطقية، وقامت أيضا، شرعية السلطة في الدولة البوليسية على قوة البطش، من خلال ممارسة الدولة البوليسية الإرهاب المنظم ضد المواطنين، لا على شرعية المثلث الجدلي أو الثالوث المقدس: الوطن والقانون والحرية. ولجأت الدولة البوليسية إلى ممارسة سياسة الاستبعاد والإقصاء للمعارضة التي شملت أثارها المدمرة، المجال السياسي في ظل سيادة دولة المخابرات، بوصفها مخلوقا استبداديا بيروقراطيا ضخما، والتي تستمد استقرارها من الخوف، ولا تعترف بأن السياسة هي مشاركة إيجابية من جانب الشعب في الشأن العام، وهي حق من حقوق الإنسان والمواطن، وإنما تعترف بأن السياسة هي حكر منذئذ فصاعدا على الدولة البوليسية، ولا شيء غيرها”.

وجسدت الدولة البوليسية التونسية شكلا معاصرا من أشكال الاستبداد المحدث، بما يعني نظاما أمنيا لا يستند إلى القوانين، بل إنه حل محل قوانين الإرهاب المنظم والمؤسس، الذي قاد ويقود إلى إلغاء الحريات البشرية، والقضاء على الحرية من حيث كونها واقعا سياسيا حيا.

وكانت الدولة البوليسية، التي قامت في تونس لعقود عديدة، وليدة نظام الحزب الواحد المهيمن، حيث السلطة يحتكرها رجل واحد هو الرئيس بن علي، وهي وليدة النسق السياسي المغلق، وتشظي و”تذرر” المجال السياسي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!