في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | كيف أسقطت الرايات الأجنبية نظام السلطان مولاي حفيظ

العطب الصحفي بين مولاي عبد العزيز ومحمد السادس

بقلم: مصطفى العلوي

   صدق السلطان المرحوم مولاي عبد الحفيظ، عندما اختار لمذكراته الضخمة عنوان “داء العطب قديم”، والعطب داء يفسد كل الحالات، وقد أصر السلطان المثقف على تجاوز هذا الفساد، بأن سماه “العطب القديم”، فقد اكتشف هذا السلطان الذي بدأ حياته مجاهدا مع قبائل الشاوية، ضد جيوش الاستعمار أن “العطب” ساكن في أركان المغرب، قديم بالنسبة له ولنا، وكم هو مؤسف أن نواجه هذا العطب، وقد أصبح أعطابا(…) في عصرنا، ونحن نقارن بين عهد السلطان مولاي حفيظ، الذي عاشر محتل المغرب المارشال ليوطي، وبين هذا العصر الذي نعيشه، وكله أعطاب. نعيشه وكل ظروفه السياسية والاجتماعية والأخلاقية، مشوبة مختلطة موبوءة بالأعطاب.

   والذي يقرأ مذكرات هذا السلطان، الذي مات في منفاه(…) بعد أن أسهم في طرده من عرشه، ومن وطنه، بعض الذين أفسدوا سمعته، حتى تبقى سمعتهم منزهة عن العطب، ورغم صراعه الفكري الذي كان يتناقش فيه بصراحة مع معارضه الأول العالم الكتاني محمد، أمام الناس، في جلسات بالمساجد، فإنه اضطر تحت الضغط، كما كتبه الحاضرون على ظروف عقد الحماية، ليخلف لنا في مذكراته “داء العطب قديم”، أن العطب المغربي هو الذي أسقط عرش هذا السلطان المثقف، وقد كتب بقلمه: ((إن من طبيعة المغاربة حب الدنيا، وبذل ثرواتهم من غير مبالاة في شهواتهم، خصوصا في الأعراس والضيافات والولائم مع البخل في صرفها من أجل المصالح الوطنية، لدرجة أنه أنشد شعرا:

   إني لأفتح عيني حين أفتحها

   على كثير ولكني لا أرى أحدا)).

   وحتى لا أتعمق كثيرا في حياة هذا الملك الذي حكم عليه الرأي العام المغربي بأنه أمضى عهد الحماية، دون التعمق في أسباب هذا الإمضاء، الذي تم تحت أفواه المدافع الفرنسية، يجرني الموضوع إلى هذه المقارنة بين الأعطاب التي أودت بهذا الملك العظيم، وهذه الأعطاب التي نراها اليوم معششة أمام أعيننا مهيمنة على القرارات التي تتخذ في حقنا، وهي تفوق في ضخامتها تلك الأعطاب التي أودت بالسلطان مولاي حفيظ.

   أما المقارنة، فقد انهارت دولة مولاي حفيظ بعد أن لم يستطع أن يواجه ظاهرة رفع الأعلام والرايات الأجنبية في عهده، فهل شاهدتم عدد الرايات الغربية المرفوعة هذه الأيام، حتى في المسيرات الاحتجاجية التي تعرفها العاصمة الرباط، وقد استفحلت في أيام مولاي حفيظ ظاهرة الرايات الأجنبية، لدرجة أن كل المغاربة الذين يحصلون على الجنسية الأجنبية كانوا يعلقون رايات تلك الدولة على جدران بيوتهم، إلى أن فقد المغرب سيادته، رغم رفض الرأي العام المغربي في ذلك الزمان لهذه الظاهرة.

   ((وكان أحد الأطباء الفرنسيين، الدكتور “موشان” بصدد رفع راية فرنسية فوق بيته بمراكش، فهاجمه المغاربة المحتجون وقتلوه، في 10 مارس 1907، ليصرح السلطان مولاي حفيظ، لا حق له في تعليق راية بلاده)) (الحركة الحفيظية. د/ علال الخديمي).

   وكانت ظاهرة احتماء كثير من المغاربة بالجنسية الأجنبية، ورفع راية تلك الدول فوق المنازل والشوارع المغربية، سببا رئيسيا في فقدان المغرب لاستقلاله، لذلك أصر الملك الحسن الثاني على أن ينص الدستور، الفصل 7 سابقا والفصل 4 حاليا، على أن: ((علم المملكة هو اللواء الأحمر الذي تتوسطه نجمة خضراء))، فكيف لا يتابع من يحمل علما آخر بتهمة عدم احترام الدستور.

   الفرنسيون والإسبان خططوا أيضا للإطاحة بالسلطان مولاي حفيظ بظاهرة ما نعرفه الآن باحترام حقوق الإنسان، وعندما كان مولاي حفيظ يعاني من تمرد بوحمارة (انظر الأسبوع عدد 11 ماي 2017) هددته الدول الأروبية بالإسقاط، فأجابهم كتابة: ((أتعهد بأني لن أرتكب نفس العقوبات التي مورست على أتباع بوحمارة، وأحرص على الوقوف مع خطة الإنسانية(…) كما ترشد لها ديانتنا الإسلامية)) (نفس المصدر).

   ومثلما تتولى الصحافة الأجنبية هذه الأيام مهاجمة النظام المغربي لنفس الغاية(…) نجد المنشورات في عهد السلطان مولاي حفيظ، تجعل من جريدة التايمز البريطانية، عرضا لحملات كتبها الصحفي “والتير هاريس”، لتأليب الرأي العام البريطاني ضد مخزن مولاي حفيظ، لاتهامه بخرق حقوق الإنسان، بينما هو في حرب مع ثوار احتلوا أهم مدن مملكته.

   وكان السلطان مولاي حفيظ قد ورث أسباب العطب هذه من أخيه وسابقه السلطان مولاي عبد العزيز الذي بدأت المخططات الأجنبية في عهده لإسقاط الملكية(…) عبر تكريس الانتقادات لدرجة أن صديق السلطان مولاي عبد العزيز، الفرنسي “كابرييل فير” حكى: ((كنت مكلفا بالصحافة والإعلام في عهد السلطان مولاي عبد العزيز، وإبلاغه ما تنشره عنه الصحف، وكان ذلك يؤثر عليه كثيرا، ويسألني عن تفسير لما يكتب، لأقول له: قد تفاجأ بأشياء قبيحة، فيقول لي احكي لي، لا تخف فهذا لا يهم، وعندما أبدأ في القراءة يقول لي: أنت تعلم أن هذا غير صحيح، لذلك أقنعته بحتمية استقبال الصحفيين، ورغم قبوله، قال لي إنك تعرف أن فرنسا متأكدة من قوتها، وأنها ستستعمل تلك القوة لتلتهمني كما تشاء)) (كتاب في أسرار السلطان. كابرييل فير).

   وفعلا اشترى هذا السلطان عبد العزيز مطبعة من القاهرة، لطبع الصحف التي تنشر وجهات نظره، لتسقط مباشرة في عطب الصحافة(…)، وقد بدأ السلاطين عبد العزيز وعبد الحفيظ يستعملونها للدفاع عن وجهات نظرهم، ليأتي الفرنسيون بمخطط لإشباع النهم الصحفي عند السلاطين ليشرف المارشال ليوطي، على إطلاق مجموعة من الصحف المغربية تحت إشراف خبراء فرنسيين، وصدرت في 23 نونبر 1918 أول نسخة من جريدة “لافيجي”، ثم جريدة “البيضاوي الصغير” «le petit casablancais»، وبعدها جريدة “المغربي الصغير” «le petit Marocain»، لينصح المارشال ليوطي أحد الفكاهيين الفرنسيين “شارل هيدلين” بإصدار جريدة ساخرة، نظرا لأهمية السخرية في التأثير على الرأي العام(…)، وكان عنوان هذه الجريدة «le cri de casablanca» “صيحة الدار البيضاء”.

   فماذا عن الصحافة في عصرنا الحاضر، وإلى متى هذا الانهيار الأخلاقي الذي يكاد يودي بمهنة الصحافة في المغرب، رغم أن النظام المغربي في عهد السلاطين مولاي عبد العزيز، ومولاي حفيظ، كان يحتمي بالصحافة لمواجهة الأخطار الأروبية(…) الأجنبية.

   إن قراءة سريعة لمقال كتبه مؤخرا الصحفي “علي عمار” يكاد يخجل هؤلاء الحريصين اليوم على سمعة المغرب، وهذا علي عمار – يا من لا يعرفه(…) – يعلق على حادثة إمضاء الاتفاقية المغربية النيجيرية من أجل تمرير قناة طولها أربعة آلاف كيلومتر(…)، وخوفت “لوموند” (عدد 17/5/2017) ((من أن هذا المشروع سينجز في منطقة غير آمنة(…) وسيخترق 12 دولة بعضها يعيش وضعية صعبة، وأنه تم اكتشاف الغاز في مناطق قريبة من المغرب بموريطانيا والسنغال))، ليقول الصحفي، علي عمار، أن هذا الحدث الهام اطلع عليه فقط صحفيو الهياكل الصحفية الرسمية وحشد من الصحفيين النيجيريين، الذين تم استدعاؤهم لهذا الإمضاء، في غيبة الصحفيين المغاربة، كتبها بتعبيرات فرنسية راقية، قرأها، وسيقرأها الصحفيون الأجانب، ليعرفوا حقيقة الاحتقار والاستهانة التي يعيش فيها الصحفيون المغاربة، ويكتب الصحفي عمار، عن أحلامه: ((في بداية عهد الملك محمد السادس كان الصحفيون المغاربة يحلمون(…) بالندوات الصحفية كما يجري به العمل في الدول الديمقراطية المحترمة(…)، ولم يحصل شيء من تلك الأحلام، بل أصبحنا نشاهد هذا الأسلوب الجديد(…) في التركيز على بعض الصور الملكية التي تغزو المواقع الإلكترونية، ليمكن وصف التعامل مع الصحفيين المغاربة، بطريقة أقرب ما تكون للميز العنصري)) (موقع لوديسك).

   وجاءت هذه الاستغاثة الصحفية في زمن الهيمنة الصحفية والغزوة الإلكترونية المفتوحة على العالم، أحب من أحب وكره من كره، في أعقاب الفضائح الإعلامية التي جعلت بعض الصحف الأروبية الغارقة في الميزانيات المغربية، والتي تنشر “باسم المقربين من القصر”(…) أخبارا هي عبارة عن آمال وتخطيطات منطلقة من متمنيات ورغبات(…) تثبت الأيام كذبها، ولكنها تعود كالصفعة في وجه المغرب، الذي لا نرضى له هذه الوضعية الإعلامية الرديئة.

   ولنا الدرس المفيد لا من عهد السلطان مولاي حفيظ، ولا عهد السلطان مولاي عبد العزيز، ولكن من عهد الرئيس الأمريكي الجديد، طرامب، رئيس الدولة الأمريكية التي تعتبر أعظم دول الدنيا، وقد ارتكب أول غلطة بتوقيف مدير مخابراته، فجاء مستشار ليقول أمام مجلس الشيوخ: لا نعرف إلى أين نسير، ولكن إنه التاريخ الذي لا يرحم، مؤشرا إلى أن الغلطة الأولى التي ارتكبها الرئيس الأمريكي الجديد، ومن يدري ربما ستؤدي إلى سقوطه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!