في الأكشاك هذا الأسبوع

كم تكلف “دبلوماسية الفوسفاط” المغربي في إفريقيا؟

الوجه الآخر لما بعد العودة للاتحاد الإفريقي وتدشين مشروع الغاز النيجيري

طارق ضرار: الأسبوع

   سرع المغرب في الفترة الأخيرة من وتيرة التنافس مع الجارة الجزائر وباقي خصوم المغرب في إفريقيا، وهو ما يؤكده وقوف الملك شخصيا على استكمال إجراءات تنفيذ مشروع أنبوب الغاز القادم من نيجيريا عبر عدة دول، وصولا إلى المغرب ومنه إلى أوروبا، وقبلها كان المغرب قد وقع على عودة قوية للساحة الإفريقية، من خلال استرجاع مكانته في الاتحاد الإفريقي، لكن هذه المنجزات التي يطلق عليها في وسائل إعلام عالمية “دبلوماسية الفوسفاط” تطرح سؤالا حقيقيا حول التكلفة والهدف منها.

   ولحدود اليوم، كلفت المشاريع الاستثمارية للدولة المغربية في مجموعة من الدول الإفريقية، ميزانية تقدر بنحو 3 بلايين دولار، أي ما يعادل 28 بيليون درهم مغربي، بعد عقد 500 اتفاقية، من بينها اتفاقية نقل الغاز من نيجيريا إلى المغرب وربما قد تصل تلك الأنابيب إلى إسبانيا، بمعدل تكلفة إجمالية قدرتها بعض التقارير المالية الدولية بحوالي 25 مليار دولار، حسب تقرير اقتصادي لجريدة “الحياة اللندنية”، بينما لم يكن حجم المعاملات التجارية سنة 2015 يقف عند معدل 37 مليار درهم.

   وتشير التقارير الاقتصادية، أن دلالة هذه الأرقام والمعطيات، ربما تكشف بعضا من حقيقة التوغل الاقتصادي والتحركات المالية للمغرب في إفريقيا، الذي يتزعمه المكتب الشريف للفوسفاط في عمليات مالية ضخمة ضختها في مشاريع استثمارية، تقول التقارير الاقتصادية، أن الهدف من ورائها، ترويج منتوجات الأسمدة والمنتوجات الفوسفاطية في مجال الفلاحة، حتى وصل معدل الاتفاقيات إلى 500 اتفاقية، حصلت فيها نيجيريا لوحدها على 14 اتفاقية.

   وكشفت التقارير الاقتصادية، بعضا مما جاء في تقرير للبنك الدولي، في محاولة لفهم طبيعة التحركات الاقتصادية للمغرب، حيث ذكر التقرير، أن “عدد سكان نحو 20 دولة إفريقية جنوب الصحراء، سيبلغ 800 مليون نسمة بحلول عام 2050، وهو عدد ضخم لا يمكن توفير الغذاء الكافي له من دون تعاون إقليمي”، وأن “شرق القارة الإفريقية، أكثر المناطق تهديدا بالمجاعة بسبب دورات الجفاف الحاد”، بحيث نصحت المؤسسات الدولية بـ “التعاون الإقليمي لتجنب أي تحديات غذائية مستقبلية”، كما لفت البنك الدولي في تقرير آخر عن آفاق النمو الاقتصادي لهذه السنة في القارة الإفريقية، بكونها “ستحقق معدلات نمو مرتفعة قياسا مع بقية العالم، وستبلغ 3.2 في المائة، متجاوزة بكثير معدلات النمو في الاتحاد الأوروبي والدول المتقدمة، وسيبلغ النمو وفقا للتوقعات، 9 في المائة في إثيوبيا وساحل العاج، وأكثر من 8 في المائة في غانا، و7 في المائة في السنغال ورواندا وتنزانيا، و6 في المائة في الموزمبيق والكامرون، و5 في المائة في الكونغو الديمقراطية ومدغشقر”.

   واعتبرت بعض التقارير، أن هذه المعطيات الدولية، مكنت المغرب من خط سيره الاقتصادي والمالي في إفريقيا، على نهج ما دعا إليه التقرير الدولي وأشار من خلاله بطبيعة النمو في تلك الدول الإفريقية، حيث بدا الانسجام واضحا من خلال تحركات المغرب اقتصاديا وماليا وتقارير البنك الدولي، ومما يفسر ذلك أكثر، ما نجده في تحرك الذراع المالي القوي، للمكتب الشريف للفوسفاط، نحو شرق إفريقيا لإنتاج مشتقات الفوسفاط من أسمدة للأرض وغيرها، وما ذهب إليه اختيار مهندسي التحركات الإفريقية لخلق شراكات واتفاقيات مع دول صنفت في خانة البلدان التي ستعرف ارتفاعا في نسب نموها، مما يوضح أيضا ذات الانسجام التام مع تلك التقارير الدولية الاقتصادية.

   وأوضح جزء من تلك التقارير الاقتصادية، أن خلاصات التقارير الدولية و”السرية” المالية، ساهمت في الكشف عن وجهة رؤوس الأموال العالمية، بعدما أعطت معلومات ومعطيات ترصد مختلف التحولات الديمغرافية والاقتصادية في القارة السمراء، كما أنها كشفت عن أرقام مالية حساسة يمكنها أن تحول وجهة أي أموال، وكشفت عن حاجيات الدول الإفريقية ومتطلباتها المسقبلية، وهنا يتضح أن ما دعت إليه التقارير الدولية، وما أوصت به الحكومات، نجده مجسدا في توجهات مهندسي التحركات المغربية بإفريقيا بشكل واضح ومطبق في خططهم وبالحرف، مما يؤكد حسب معاينة تلك التقارير الدولية، أن مهندسي التحركات الإفريقية، درسوا وتفحصوا بالفعل تلك التقارير بعناية فائقة، ووضعوا بناءا عليها، خطط عمل مدروسة لتحركاتهم الإفريقية واستثماراتهم المالية.

   ويظهر الجانب الآخر من الحقيقة، من بعض كواليس صور تحركات المغرب في إفريقيا، والتي تظهر توجهات المجمع الشريف للفوسفاط ، الذي تمكن من ضخ حوالي 25 مليار دولار في مصنع للأسمدة لإنتاج 1.1 مليون طن متري من “اليوريا”، و1.5 مليون طن متري من الأسمدة سنويا، وذلك لإنشاء 6 مصانع مرتبطة ببعضها، ستمكن مجمع الفوسفاط من ترويج منتوجات الأسمدة في عدد من الدول الإفريقية قبل أن يتمكن المغرب من توقيع اتفاقية لإنشاء خط أنابيب لنقل الغاز من نيجيريا، والذي قد يكلف المغرب حوالي 25 مليار دولار حسب التقديرات الأولية للمشروع، فيما الجزء الآخر من المشهد الأكثر قوة واستثمارا، ما عرفته الأوساط البنكية الإفريقية بعد تكشير الذراع المالي للدولة، “التجاري وفا بنك” عن أنيابه وشراء بنك “كوجي بنك” الرواندي، الذي يعتبر ثالث مصرف في رواندا من حيث الأصول، والتي بلغت قيمته 167.5 مليار فرنك رواندي بنهاية الربع الثالث من 2015 وفقا للبنك الرواندي، قبل أن يتمكن “التجاري وفا بنك” هذه الأيام من الاستحواذ على مائة في المائة من حصص بنك “باركليز مصر”، سهلت له بيع كل رأسمال البنك الموجود في مصر إلى المجموعة البنكية المغربية، وفق اتفاقية وقعت بين الطرفين في 4 أكتوبر 2016، الأمر الذي مكن المغرب من أن يصنف كأول مستثمر إفريقي في إفريقيا الغربية، وهو المصنف قبل ذلك ثاني مستثمر في إفريقيا.

   وحسب هذه المعطيات، يؤكد المتتبعون، أن الثقة السياسية لتحركات المغرب المالية في أدغال إفريقيا، نابعة من أذرعه المالية القوية، والتي تلعب اليوم دورا حاسما في “الحرب الباردة” الاقتصادية، بعدما طوعت بمواردها المالية الهائلة وثرواتها دولا كانت عصية، حتى شاهدنا ليونة في خطابها ومواقفها تجاه المغرب، قبل دخول المغرب إلى الاتحاد الإفريقي من بوابة قمة أديس بابا، كنتيجة لتلك التحركات المالية القوية، إذ يظهر من خلال المعطيات، أن أبرز فتوحات الدولة الاقتصادية في إفريقيا، تلك التي كانت شرق القارة وبأثيوبيا بالضبط، بمشاريع وصلت قيمتها المالية حوالي 3.8 مليار دولار في منصة صناعية مندمجة، تستهدف توفير 2.5 مليون طن من الأسمدة في 2022، ورفع قدراتها الإنتاجية في مرحلة ثانية لتبلغ 3.8 مليون طن في 2025، لتحويل الغاز الطبيعي الإثيوبي إلى أمونياك بطاقة إنتاجية تناهز مليون طن في السنة، واستفاد المغرب عبر دمج الأمونياك النيجيري مع الحامض الفوسفوري وحامض الكبريت المصدران من المغرب نحو نيجيريا، وبيعه في أسواق إثيوبيا والدول المجاورة، كالصومال وجيبوتي وكينيا وإيرتيريا والسودان، هذا التوجه الجديد لم يأت من فراغ، بل من معطيات دولية وفرتها التقارير الدولية التي نبهت إلى مكامن الخلل والنقص في الاقتصاد الإفريقي، كما جاء في إحدى دراسات البنك الدولي، “أن إفريقيا تعتبر اليوم الأقل استهلاكا للمخصبات في العالم، إذ لا يتجاوز متوسط استهلاكها من الأسمدة الزراعية، 13 كيلوغراما للفرد، مقابل 98 كيلوغراما في المتوسط عالميا، و300 كيلوغرام للفرد في آسيا”.

error: Content is protected !!