في الأكشاك هذا الأسبوع

ما هكذا ينبغي أن ينظر إلى الأمور في رحاب وزارة التربية والتعليم

عثمان محمود. الأسبوع

   فور الإعلان عن الحكومة التي جاءت بعد ولادة عسيرة أعقبت مخاض ما أطلق عليه في حينه “البلوكاج”، حظيت وزارة التربية الوطنية والتعليم باهتمام الرأي العام المغربي ما لم تحظ به وزارة غيرها، وقد يعزى الأمر إلى تعيين وزير على رأسها بدون لون سياسي محدد قبل أن يفاجأ الجميع أنه ينتمي لحزب “السنبلة”، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، كون الوزير المكلف بالإشراف على تنوير دهاليزها المعتمة، جاء توا من أم الوزارات (الداخلية)، غير أن هذا لا يمكن أن ينسينا أمرا ثالثا، وهو الأهم، وأعني به انشغال المغاربة بقضية هذا القطاع الحساس المعول عليه لدى الجميع، كما يدل على ذلك حرص الأسر المغربية على التضحية بالغالي والنفيس من أجل دراسة أبنائها وبناتها، ولدى المجتمع أيضا، الذي يكتوي بنار تعثر المنظومة التربوية، ويتطلع إلى غد تربوي تعليمي أفضل، إلا أن هذا الاهتمام بأمر حقيبة التربية والتعليم الذي واكب الأيام الأولى من تعيين هذا الوزير على رأس هذه الوزارة، لم يكن في مستوى التطلع المرغوب، وأحصر هذا في أمرين اثنين: الأمر الأول: تمثل في التندر والتفكه الذي غطت غيومه سماء العالم الأزرق (الفيسبوك)، فبدل أن يستهدف ذلك التندر والتفكه الجرح الغائر في جسم قطاع التربية والتعليم، قصر همه على الوزير ذي الخلفية الأمنية لا أقل ولا أكثر.

  ألم يكن من الأولى أن يتجند أولئك “الفيسبوكيون” لإمطار الوزير الجديد بالملفات الساخنة داخل القطاع، حتى ولو اتخذ ذلك شكلا ساخرا بدءا من الأجواء اللاتربوية التي تسود أمام المؤسسات التعليمية، ومرورا بالهواتف الذكية التي تتمسك بها أيادي التلاميذ داخل الفصول الدراسية، حتى إذا جاءت الامتحانات عز عليها التخلي عنها، وأقبلت على التفنن في توظيفها لتحقيق أرقام قياسية في الغش! وانتهاءا بالساعات الإضافية التي أنهكت الجيوب، وأرهقت التلاميذ، وشوهت الدرس والتحصيل داخل المؤسسات التعليمية، أما الأمر الثاني، فتمثل في أول لقاء للوزير المعين بالمعنيين بالقطاع التربوي والتعليمي، والذي كان مع النقابات الأكثر تمثيلية، فصحيح أن النقابات طرف أساسي في كل حوار يسعى إلى إصلاح حال المنظومة التربوية المتهالكة، ولكن اللقاء المذكور جاء بين يدي فاتح ماي، مما يؤشر إلى البحث عن أرضية توافقية حول ما يسمى السلم الاجتماعي، لذلك لا يمكن لمثل هذا النوع من اللقاءات أن يدنو، ولو من بعيد، من مواطن الخلل التي تنخر جذع شجرة التربية والتعليم التي تصارع غصونها المتفرعة الذبول، إضافة إلى ذلك اللقاء، ألم يكن حريا بالوزير، أن يعقد لقاءات متوازية مع هيئات المجتمع المدني ذات الصلة بالقطاع وعلى رأسها جمعيات آباء وأولياء التلاميذ على اعتبار أنها الحاملة لهموم الأسر التي تكتوي يوميا بنار التعثرات التي يشهدها ميدان التربية والتعليم؟ وألم يكن من واجبه أن يجلس إلى أرباب قطاع التعليم الخاص لوضع النقط على الحروف، من قبيل تكوين وتوظيف حاملي الشهادات والتخلي الكلي عن الاستعانة بالموظفين في القطاع العام، والمنع الصارم لتوظيف المتقاعدين، والمساهمة في الاستقبال المجاني لبعض التلاميذ النجباء من الأسر المعوزة، والتحكم في الاستيراد المهول للمقررات الأجنبية، وعلى الخصوص في اللغة الفرنسية، وإصلاح الأسطول المتهالك للنقل المدرسي الذي كثير من حافلاته لا يربطها بذلك النقل إلا اللون الأصفر، وغيرها من القضايا التي تستدعي العلاج الفوري، والوقوف الحازم في وجه “اللوبي” المتجبر لذلك القطاع الذي يرجو منه المغاربة أن يخدم التربية والتعليم بشكل جاد، وأن يساهم في الحد من البطالة جنبا إلى جنب، ثم، ألم يفكر حينها الوزير المعين في عقد لقاء مع أهل الاختصاص من باحثين وباحثات في ميدان التربية والتعليم لعل الأفكار تتبلور، والرؤى تتضح، والخطوط العريضة ترسم من أجل وضع خارطة طريق واضحة المعالم قصد بلوغ الأهداف المسطرة على لوحة محطة 2030 في أحسن وأفضل الأحوال.

   نعم، ميدان التربية والتعليم فسيح ومترامي الأطراف، ومشاكله عويصة ولا شك، لكن إذا توفرت العزائم الثابتة، والنوايا الصادقة، والتطلعات المتفائلة، كل شيء يهون، فلتتجند كل الأطراف، ومن سار على الدرب وصل.

error: Content is protected !!