في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | الوزيرة بوطالب بين الحريرة.. والحرير

بقلم: مصطفى العلوي

   ذكرتني هذه الهجمة الإعلامية العالمية(…) على الوزيرة المغربية بوطالب، بعد فضيحة تلعثمها أمام البرلمان، لدرجة جعلت رئيس الجلسة، يوقفها قبل الوقت، خوفا من استفحال الفضيحة(…) بعد أن أصبحت عرضة لضحكات النواب واستخفاف النائبات، أقول هجمة عالمية، لأن كل وسائل الاتصال الفيسبوكية، واليوتوبية، والكوكلية، جعلت من الوزيرة المغربية شغلها الشاغل، زاده حزبها، حزب الأحرار تضخما، عندما أصدر بيانا، ربما هو أول بيان سياسي أصدره هذا الحزب منذ تغيير رئيسه، الفعفاع مزوار، ليتوسع هذا البيان في مجالات تبرير الفعفعات اللسانية(…) للوزيرة بوطالب، لأنها كما يقول البيان، كانت تتكلم لأول مرة(…) أمام البرلمان، رغم أن حزب الأحرار يعرف أن البرلمان المغربي متأصل منذ سنة 1963، كان فيه النواب الأميون والجهلة، مثلما كان فيه الأقطاب والعظام، ولكن نموذج الوزيرة بوطالب، كان فريدا من نوعه، لأنها لم تتزعزع فقط أمام السادة النواب، وإنما زعزعت الرأي العام كله، عبر قنوات الإعلام، لدرجة أن الشكوك بدأت تحوم حول مصداقية إدماج المرأة بهذه الطريقة التي أثبتت مصداقية الإسلام الذي سمح لكل رجل بأن يتزوج أربع نساء، أما الحكومة بتسع نساء وزيرات، مرة واحدة، وهي نسبة خارجة عن التقليد(…) في تحد سافر لتاريخ المرأة المغربية التي تحتاج كالعروسة إلى إعداد واستعداد(…) للتمتع بالحقوق على الطريقة الأوروبية، إلى الكثير من الوقت، مادام الله جل وعلا، خلق الأرض في سبعة أيام.

   فالمرأة المغربية، التي كانت بارعة عبر الأجيال في تدوير الحريرة(…)، وعندما تترقى وتتعقل، تتطور إلى تدوير الحرير(…)، بينما ها هي الوزيرة المكلفة بالسياحة يا حسرة، دورت كلامها أمام البرلمان في الخوا.. الفراغ المخيف، ولو تكلمت بتلك الطريقة ممتحنا لها في جامعة أمريكية(…) وهي تقول أنها متخرجة منها، فإن الشكوك، ولا شك، ستخامر المستمع إليها.

   لأن الأمر يتعلق بالدرجة الأولى ببرلمان دولة تسمى المغرب، وشعب مغربي يسمع أن البرلمان منتخب، والبرلمان مؤسسة سامية، ومفضحة خطيرة، تمثل النبل الديمقراطي والقيم الحضارية، رغم الاقتناع الشبه إجماعي(…) بالشكوك المتضخمة في مصداقية الانتخابات، كما أن الحكومة والوزارات يا حسرة بمرسيديساتها وسواقها ودواوينها وميزانياتها وتقاعد وزرائها، عناصر تحتم الكثير من الاحتياط وليس لدرجة الهبوط الذي واكب المآخذ المنتقدة لطريقة تشكيل الحكومة، وقد رأينا العثماني يحل مشاكلها في أسبوع بعد أن عجز سلفه بن كيران عن تشكيلها في خمسة شهور.. لنفهم أن في الأمر ما فيه(…)، لقد عجز بن كيران ونجح العثماني، لكن بأي ثمن؟

   أفلا يحق لنا أن نتساءل عما إذا كانت هذه الزربة في تشكيل العثماني، منطلقة لسرعتها من القيم الشعبية الخالدة “كور واعطي للعور”، ولا نظلم الوزيرة بوطالب، ونحن الذين لم نسمع بعد كل الباقين من أعضاء الحكومة، وهم يقدمون لنا مخططاتهم وتخطيطاتهم لحل مشاكل المغرب أمام البرلمان، وذكر الله بالخير، الكاتب الإنجليزي “آدم سميث”، عراب سياسة “اليد الخفية”(…) وأب الليبرالية التي تكتسي في إطار التخلف(…) طابع الفوضوية، والذي ((كان يدرك خطورة تطبيق قيم السوق(…) على كل مناحي الحياة.. حينما تسود سطوة المال(…) ويتقلص الذكاء(…) ويضحى سمو الفكر متعذرا، بعد أن ينظر إلى التربية بازدراء وتستهان)) (مرآة الغرب المنكسرة. حسن أوريد).

   ورحم الله الملك الحسن الثاني الذي كان يتعامل مع حقوق المرأة وتأهيلها لتحمل المسؤوليات، بما يسميه الفرنسيون “الكونت كوت” (قطرة قطرة)، فنجد أن أية كلمة انتقاد لم تكتب في حق من رشحهن لمسؤوليات الوزارة، بل بالكثير من الاحترام والاعتراف بالكفاءة قوبل تكليف الوزيرة أمينة بن خضرا بوزارة المعادن سنة 1997، وعزيزة بناني بالتعليم العالي سنة 1997، والبطلة نوال المتوكل بوزارة الشبيبة والرياضة سنة 1997، والمرحومة زليخة النصري بالشؤون الاجتماعية سنة 1998، وهي التي كانت نموذج النجاح على المسؤوليات الرسمية حتى في عهد الخلف محمد السادس.

   وكان الحسن الثاني في خطاب رسمي قد هدد المغاربة بتعيين سائقه وزيرا في حالة عدم توفر الميزات الضرورية في الرجال، فأحرى النساء، واذكروا وزيره الذي كان يبدأ خطبه بتعبير “صيفطني صاحب الجلالة” لولا أن قائل هذا التعبير، أرسلان الجديدي، كان من أقطاب النضال العمالي المدافع عن حقوق العمال، أرسلان الذي لم ينضم لحزب الأحرار، وإنما انفصل عنهم لتأسيس حزب الاتحاد الدستوري.

   وعودة إلى الوزيرة، بوطالب، ضحية الهجوم الشنيع للوسائل الإعلامية العصرية(…) لنقرأ بين السطور الزرقاء لتلك الهجمات، أن الرأي العام طارد هذه الوزيرة المتلعثمة، ولا ندري هل لها ارتباط عائلي بقطب الفكر والفلسفة والنبوغ، المرحوم عبد الهادي بوطالب، أم هي من أولاد بوثعلب الأمازيغيين الذين كانوا يتفادون استعمال هذا الاسم القبيح، فغيروه من بوثعلب إلى بوطالب، ولكن مطاردة هذه الوزيرة بهذه الطريقة المربكة للأعصاب(…)، ذكرتنا بأيام السلطان مولاي سليمان (سنة 1811) الذي كان يوما وهو يعطي الأوامر لجيشه بتنظيم عملية استقبال عروسته الليبية، التي خطبها من أبيها سلطان ليبيا “سيف النصر، كبير العرب الحنانشة” عندما أفسدوا عليه احتفالاته وأبلغوه بأن سيدتين رباطيتين محترمتين كانتا في شارع السويقة بالرباط حينما طاردتهما مجموعة من أوباش الصعاليك، فهربتا بشكل جنوني إلى أن اصطدمتا بجدار، لم تتبينانه من كثرة الخوف، وسقطتا معا ميتتين، دون أن يعرف أحد اسميهما، ليصدر السلطان أمرا بدفنهما في قبرين، الأول باسم للا الطريدة، والثاني باسم للا المطرودة، ثم بنى على هذين الضريحين مسجدا هو المعروف حاليا بجامع السوق.

   المطاردة إذن، تقليد مغربي جاري به العمل، وربما دفعت مطاردة الوزيرة بوطالب، هذه الأخيرة إلى صلاة ركعتين أمام قبر أسلافها: الطريدة والمطرودة، ولماذا لا يرافقها رئيس حكومتها، الدكتور العثماني، الذي يعتبر المسؤول عن تصرفات وتحركات(…) وزرائه ووزيراته، وقد كان مفروضا فيه كما هي تقاليد الدول الراقية، أن يعرض وزراءه ووزيراته المرشحين، أمام استجواب فردي لكل واحد منهم أمام البرلمان، وهذه هي الديمقراطية، ليقدم كل واحد وواحدة، برنامجه وطريقة تكلمه(…) أمام البرلمان، ويقدم مخططه في إطار المهمة التي سيكلف بها، ويدافع بفصاحته عن برنامج عمله، حتى إذا كان سيتلعثم أو سيتفعفع(…)، فإن النواب يطلبون من رئيس الحكومة أن يختار من هو أكثر كفاءة وأسلم نطقا وتعبيرا.

   ولن يكون هناك بديلا عن هذه الطريقة، إلا في حالة تراجع ومراجعة لهذا الانهيار الكارثي للأحزاب المغربية، وقد أصبحت تقايض وتفاوض من أجل تبرير ظاهرة الأغلبية(…) التي أصبحت، وخاصة في الحكومة الأخيرة، تكتسي طابع المسخرة، وهل هناك أسخر من مسخرة تجاوز الأزمة الدستورية عبرتجميع الأحزاب التي لم يصوت عليها إلا القليل، فتتجمع الأحزاب الضعيفة مع بعضها لتشكيل حكومة تكون ضعيفة بطبيعة ضعف العناصر المشكلة لها.

error: Content is protected !!