في الأكشاك هذا الأسبوع

قـاعـة الانتـظـار

عبد الله ملول. الأسبوع                                     

   صالة الانتظار داخل العيادات الطبية الخصوصية هي عبارة عن صالون تحيط به مقاعد وتتوسطه طاولة وقد يعلق فيه جهاز تلفاز مبرمج لالتقاط البرامج الوثائقية، وعلى الجدران، صور ملونة بتعليقات فرنسية لها علاقة باختصاص الطبيب أو الطبيبة، والغريب في الأمر، أنه بمجرد وضع الخطوة الأولى بباب قاعة الانتظار، فإنك ترى الوجوه الزائرة تسرق النظرات من بعضها البعض، وكل وافد جديد يلقي السلام على الجميع ولا تسمع رد السلام إلا من الحاضرين، أما جل الحاضرات، فيعتبرن الجواب بمثابة مفتاح لباب المناقشة الغير مرغوب فيها والتي كانت نسائية بامتياز قبل أن يفسدها دخول بعض المرضى من الرجال للقاعة  ليتحول الكلام إلى همس، فهذه الصالونات هي أفضل مكان للاطلاع على السيرة الذاتية للأطباء والتي يملك بعض المرضى تفاصيلها بدقة، كما يتم فيها توصيف بعض الأمراض وتبادل الوصفات البينية الشعبية وطرق العلاج الناجحة والمجربة، إضافة إلى اطلاع الحاضرين على أشهر المختبرات المعروفة بجودة نتائج تحليلاتها الطبية.

   فقد يشتد عليك الحصار داخل حجرة الانتظار نصف يوم تقضيه مرغما أمام شاشة صغيرة فتشاهد برامج عن حياة الحيوانات البرية في الأدغال الإفريقية، وتستبد بك الشكوى من طول الانتظار وعدم وصول الطبيب(ة)، وعندما يتطوع أحدهم بالسؤال عن سبب التأخر، يأتيه الجواب الروتيني والممل الذي هو عبارة عن أسطوانة مشروخة تقول بأن سبب التأخر يرجع إلى وجود الطبيب(ة) في عيادة أخرى أمام حالة استعجالية، أو أنه واقف على رأس مريض مخدر في غرفة العمليات، مما يزيد من أساليب الدعاية الطبية لصاحب(ة) العيادة ويرتقي بالطبيب إلى أعلى درجة من العلم والشهرة ويجعل الاطمئنان يدب في قلوب المنتظرين الحائرين والمتنقلين من عيادة لأخرى طلبا للخلاص من الألم ومن المرض، وأمام هذه الحقيقة المرة كالدواء، يتم تشغيل الهواتف لتبرير التأخر من طرف الذين لا تسمح ظروف عملهم وعملهن بتجاوز الرخصة الممنوحة، كما يقفز آخرون مسرعين للنزول إلى الشارع قصد تمديد وقت توقف سياراتهم بساعة أو ساعتين قرب الأرصفة المؤدى عنها، وحين يحضر الطبيب(ة) تحضر الشكوى من بعض الممارسات كتفضيل بعض الممرضات لبعض المريضات، فتدور مقولة في رؤوس الحاضرين وهي عبارة عن رسالة مشفرة تؤكد على أن الكل أبناء تسعة أشهر، ويتبادل الجالسون النظرات والعبارات، بل والسؤال أحيانا عن السر وراء المناداة على بعض المرضى ممن حضروا متأخرين وأطالوا الحديث أمام مكتب الاستقبال، ليكون الجواب على الوجه الآخر من الأسطوانة المشروخة سابقا والذي مفاده أن الدخول مرتب حسب المواعيد ولا دليل للحاضرين على ذلك، بخلاف عيادات أخرى تستعمل أسلوب توزيع أرقام تسلسلية على كل وافد جديد لتفادي سوء الفهم وللحفاظ على هدوء القاعة.

   سدت الأفواه بمفاتيح الصمت وفضل أناس آخرون مرافقة الهواتف الذكية برؤوس مطأطئة لا ترفعها إلا للنظر إلى من يدخل القاعة لأول مرة أو للنظر إلى الممرضة التي تطل ببذلتها البيضاء منادية بالأسماء كما في القسم، إنهم زبناء حفظوا عن ظهر قلب أغلفة المجلات المتراكمة فوق الطاولة، وإذا أردت أن تنتقل إليك العدوى فاطلبها في قاعات الانتظار وفي العيادات، فقد تجتمع الأمراض كالمرضى في القاعة وتتبادل التحية بينها لتتعارف، فعندما تسمع الزفرات من الصدور والكحات المدوية والعطسات المعدية والأنوف التي ترشح، فاعلم أن هناك بكتيريا وفيروسات تسبح في الفضاء وأخرى تلتصق في ثنايا المجلات الملونة القديمة التي يتداولها المرضى داخل قاعات الانتظار، فعندما يطول الصمت ويطول الوقت، يقوم الحاضرون بتصفحها بنفس الطريقة، أي ورقة بعد ورقة ومن نفس المكان، والأخطر من ذلك، هو لجوء بعض المرضى إلى لمس ألسنتهم بأصابعهم بغية استعمال الريق لتفريق الصفحات الملتصقة لكثرة الاستعمال، فتتحرر الميكروبات من سجنها لتسكن الأمراض الجديدة والتعفنات في صمت داخل الأبدان الدافئة، ونفس الشيء يذكر عندما نقوم بزيارة مرضانا في العيادات، بحيث ترى الجميع يلمس مقبض الباب ويمسك بالحديد أثناء الطلوع أو النزول من الدرج، مع العلم أن عدد الزوار يقدر بالمئات، وعدد الميكروبات بالآلاف ونحن قوم نتصافح كثيرا ولا نمانع أيدينا من العبث بوجوهنا وبأيادي وأجسام أبنائنا.. عفوا عن المقاطعة، لقد سمعت اسمي وسأغادر صالة الانتظار.

 

 

error: Content is protected !!