في الأكشاك هذا الأسبوع

متابعات | أخطر كواليس حجز جنوب إفريقيا لفوسفاط بوكراع

إعداد: عبد الحميد العوني

   قال تقرير لسفارة فرنسا في جنوب إفريقيا: “إن حجز جنوب إفريقيا لسفينة شيري بلوسوم من جزر مارشال في ميناء إليزابيث بشحنة تقدر بـ 5 ملايين دولار، لم تكن في علم الرئيس زوما”، لكنها لم تحرجه بعد صدور قرار لمجلس الأمن بإجماع أعضائه حول الصحراء، لأن بلاده تريد بدء المفاوضات من الثروات الطبيعية للإقليم المتنازع عليه، وأن مشكلة “الكركرات” التي اعتبرتها فرنسا طريقا تجاريا يضمن للقانون الدولي انسيابيته، فرضت أن تكون المعركة تجارية أيضا حول الثروات تعزيزا لقرار محكمة العدل الأوروبية، فيما يرغب المكتب الشريف للفوسفاط، في تعميم القرار القضائي في أوروبا على باقي المحاكم الإفريقية، لتحصين اتفاقياته مع دول القارة السمراء.

   وبين هذين الهدفين، قررت باريس عدم خوض هذه الجولة القانونية، كي لا يزيد الشرخ بين الرؤية الأنجلفونية للموضوع، وبين النظرة الفرنسية التي تحمل مسؤولية “إدارة الإقليم” للمغرب دون توصيفه بـ “المحتل” في أي قرار قضائي أو قانوني.

   والمعركة، حسب السفارة الفرنسية، حذرة، ولا يمكن كسب رهانها إلا بتوافق يؤطره المسؤول القانوني لمكتب الرئيس زوما.

نيوزيلاندا التي اشترت إحدى شركاتها شحنة من 55 ألف طن، تترك المعركة القانونية للمكتب الشريف للفوسفاط

   اختارت جريدة “ستوف” النيوزيلندية، مقاتلا بلحية كثة لمرافقة موضوع “جيرار هوتشيتينغ” حول حجز شحنة الأحجار الفوسفاطية المتجهة إلى شركة “فيريتلز كومباني بالانس نوترييايت”،

   وتقول الشركة النيوزيلندية، أنها استوردت منذ 30 سنة نفس الفوسفاط، ولم يحدث أن وقع توقيف أي شحنة، وتدعي جبهة البوليساريو أن الشحنة غير شرعية، استنادا إلى حكم محكمة العدل الأوروبية، الذي يعتبر إقليم الصحراء ليس جزءا من المغرب.

   وصرح المدير التنفيذي للشركة، مارك وين، بأنه مضطر من الآن، لتوريد هذه المادة من الصين أو جنوب إفريقيا، وهو يثير الدولة التي تحجز الشحنة، بما يؤكد أنها سقطت في معنى غير أخلاقي للصفقات، تحول فيها الصفقات الموجهة للمغرب إلى نفسها.

   ويضيف المسؤول عن الشركة بالقول: “نحن واعون بأبعاد هذه القضية”، فمن جهة، تريد جنوب إفريقيا تسويق منتوجاتها، ومن جهة ثانية، ترغب كتابة جدول أعمال الجولة القادمة من المفاوضات بين المغرب والبوليساريو، لأن الأوروبيين احتكروا الملف كاملا، وغاب الاتحاد الإفريقي كليا، ولم يسمع الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش الصوت الإفريقي، ليس لأن انضمام المغرب إلى الاتحاد الإفريقي شلّه، بل لأن دوائر في الاتحاد تريد عودة الملف إليها.

   ولا يمكن سماع المغرب ومجلس السلم والأمن الإفريقي، لأنهما يتحدثان معا باسم إفريقيا، ولهذا استثمرت الرباط حضورها في الاتحاد الإفريقي لإنهاء إجماع المنتظم القاري حول هذه القضية.

   واستوردت الشركة النيوزيلندية 100 حمولة إلى اللحظة، بما يؤكد أن الثقل المعنوي للشركة في استهلاك “فوسفاط بوكراع” قد يطرح سؤالا عن مستقبل هذه المادة، لأن الشركة تدارست وقف توريد الفوسفاط المسمى “غير قانوني”.

   من جهتها، دافعت الجريدة الأنجلفونية المقربة جدا من دوائر القرار في المغرب “موروكو وورلد نيوز” (عدد 4 ماي 2017) عن الشحنة، معتبرة قرار التحفظ عليها، خرقا للقانون الدولي (المواد: 17 و18 و19 من اتفاق الأمم المتحدة الخاص بالقانون البحري)، والذي يسمح بحق المرور في المياه الإقليمية للدول الأخرى أو ما يسمى بـ “المرور البريء”، وتعتبر جنوب إفريقيا إحدى الدول الموقعة على هذه الاتفاقية المسماة “مونتيغو باي” لسنة 1982.

   وأبعدت بريتوريا ورقة من 15 فقرة لعدم تصعيد الوضع، معتبرة “ما حدث”، تهريبا لـ 5 ملايين يورو عبر طرق غير قانونية وفي خروج عن الأعراف والسلوك الدولي، ولم تقدم فرضية الاحتلال أو الإدارة المخولة للمغرب، ولأن الأمم المتحدة لم تقرر ذلك، فلا يمكن لكل دولة الاضطلاع بتوجهها الخاص.

   وفي الرد على الرأي الاستشاري لهانز كولير، دافع كاتب المقال، سمير بنيس، عن مشاركة الصحراويين في المؤسسات، وأن المغرب ينفق سبعة أضعاف على الصحراويين ما يأخذه من أراضيهم، لكن البوليساريو دفعت بقضية “المستوطنين المغاربة” في تعارض كامل مع قبولها بـ “خطة بيكر الثانية” التي تعتبرتهم “صحراويين”.

محامي البوليساريو، أندري باولي، يؤكد أن هذه هي أول باخرة، لكنها لن تكون الأخيرة

   من كيب تاون، صرح محامي جبهة البوليساريو، أندري باولي، أن المحكمة استمعت لصك الادعاء، وأن قرار 18 ماي الجاري، سيؤطر فعلا قانونيا جديدا عبر القارة السمراء، وشككت القضية في مدى وجود حماية قانونية معقولة حول الفوسفاط القادم من الصحراء، ويخدم هذا الطرح:

   ـ عدم اعتماد المحكمة الجنوب إفريقية إلى الآن على أن المغرب “محتل”.

   ـ أن مسألة الثروات، محكومة بمفاوضات مرتقبة لا يجوز التأثير عليها أو إفشالها.

   ـ أن قدرة “جمهورية” البوليساريو على تحريك دعوى تجارية ضد المغرب، يساهم في وصولها إلى “توافقات تجارية” مع المملكة تكون مقدمة لمفاوضات سياسية شاملة.

   ومن جهتها تصرح الشركة قائلة: “إننا نأخذ تقديراتنا من قرارات مجلس الأمن”.

محامي البوليساريو رجل أبيض في جنوب إفريقيا

   في الطابق الخامس عشر، من غرب كيب تاون، ينطلق أندري باولي ليفحص “التفاصيل” كما تقول ورقة الغرفة المنتمي لها، إنه متخصص في مواد القانون البحري، ويعرف جيدا ملف الصحراء، بل يعرف دقائق اتفاق الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ولا يخشى على معركته، لكنه يدرك أن المغرب يرفض اصطلاح أن يكون “محتلا” وهذا يسهل عليه القول بإدارة موارد الإقليم.

   وفي هذه الحرب على التفاصيل، يدرك أن المسألة تتعلق بالدفاع المغربي عن شحنة باسم دولة عضو في الأمم المتحدة وتمر بمياه دولة أخرى، وفي مرافعته التي قال فيها، إن ما يجمع المغرب والاتحاد الأوروبي “صناعة صيدية” (فيشين أنديستري) وليس اتفاقا على موارد وإدارتها، فالصيد ليس موردا بل صناعة، فيما الفوسفاط مسألة أخرى.

   وسهل المحامي الجنوب إفريقي قدرة المكتب الشريف للفوسفاط على المرافعة، لكن لا شيء مؤكد في المرافعات، فتحول الملف إلى القنوات الخلفية الفرنسية ـ الجنوب إفريقية.

   وتعمل السفارة الفرنسية في هذا البلد الإفريقي العملاق على التوصل إلى “توافق” لدعم الجولة القادمة من المفاوضات، وقرر الاتحاد الإفريقي إصدار بيان لدعم الخطوة، وفي كل الأحوال، لا شيء ستدفعه الدولة الجنوب إفريقية على التأخير الحادث على الشحنة أو التأمين، لكن المشاورات معقدة، حسب مصادر “الأسبوع”، وهو ما أثر على حيثيات كثيرة منها انتقال مبلغ الشحنة من 4 ملايين و890 ألف دولار إلى 7 ملايين دولار، للضغط من أجل رفع مستوى التأمين.

   وفي متابعة الجريدة لهذه التفاصيل المثيرة، اتصلت بـ “ذي مارتيم لاو أسوسييشن أوف ساوت أفريكا) العضو في اللجنة البحرية الدولية، والموجود مقرها بـ 35 أليوال ستريت في دوربان، للتعليق هذه القضية التي لا تهم  محام، بل المجتمع القانوني الجنوب إفريقي المنتظم في هذه الجمعية التي قالت: “إن المسألة تتعلق بقضية عادية أمام القضاء الجنوب إفريقي، وأن له المناعة للانتصار للقانون فقط”.

   وأعلنت الجمعية حيادها من القضية في تطور يشي بانتصار المرجعية الأممية على باقي المرجعيات، بين الانتصار لنهج المفاوضات الذي يؤجل موضوع “الثروات الطبيعية” إلى الاتفاق على الحل النهائي، وبين التشريع لتوافق بين الطرفين حول هذه الثروات للتمهيد لاتفاق شامل بين البوليساريو والمملكة.

في فندق “أكوازالو ناتال” عشية عقد الاجتماع السنوي العادي لجمعية القانون البحري في جنوب إفريقيا، لم ينجح موضوع “الصحراء” في الاستحواذ على مناقشات 7 يونيو 2009، أو كسر الحاجز “المحلي” لخلق اجتهاد إفريقي قال عنه مسؤول الجبهة، خداد، “إن له تقاليد قارية”

   باريس، التي تحاول ربح قضية السفينة دون الدخول في جوهر الموضوع أو المس بتقاليد القضاء الجنوب الإفريقي، تعارض توجهات المكتب الشريف للفوسفاط الذي يريد تحصين اتفاقياته مع الدول الإفريقية من جنوب إفريقيا.

   وإن ساعد وجود أحكام سابقة، وعدم بجوء محكمة العدل الأوروبية إلى إجراءات يطبقها الاتحاد الأوروبي في اتفاقياته مع المغرب بخصوص القرار القضائي الصادر بخصوص تمايز الصحراء عن المملكة، فإن ما حدث في اجتماع 7 يونيو 2009، وأثار هذه القضية في فندق “كوازالو ناتال”، يكشف أن التسوية لن تكون “قانونية”، بل “سياسية”، وتؤكد في كل الأحوال عن تشبث طرفي النزاع بالقانون الدولي، وفي المقدمة، قرار مجلس الأمن الداعي إلى إطلاق مفاوضات بين الجانبين بمساعدة إقليمية.

   وحاول غوتيريش ومبعوثه، كوهلر، أن يسحب دول المغرب العربي ـ موريتانيا والجزائر ـ عن سمتهما “الإفريقية” إلى مسؤوليتهما المنصوص عليها في القرار الأخير لمجلس الأمن.

   تقول جريدة “بوليتي” الزامبية في تعليق لها على رفع الدعوى: “إن اللعبة غير محسوبة إلى الآن في إفريقيا”.

   وتحولت المشكلة إلى مشكلة “تأمين” على التصدير الصادر من المغرب، ومصدره موانئ الصحراء، العيون والداخلة.

كلفة الائتمان المرتفع لشحنات التصدير، من موانئ العيون والداخلة، قد تحول التصدير إلى طانطان وأكادير، واليوم، يتكلف المكتب الشريف للفوسفاط بكل النفقات القانونية

   مجرد أن يكون هناك تمييز بين موانئ المملكة، ربح إضافي لجبهة البوليساريو، وما يدفعه المكتب الشريف للفوسفاط في موضوع النفقات القانونية وارتفاع كلفة التأمين على التصدير من موانئ العيون والداخلة (الصحراء)، إجراء قد يحول الأنشطة إلى أكادير وطانطان التي تقلص مردودها، لأن القرار ذهب بعيدا في إنشاء موانئ في الصحراء، لكن شيئا ما حدث قد يغير دورة العجلة الحالية.

   وأي تطور في مسألة السفينة “شيري بلوسوم” خارج القانون المتحد والعام لجنوب إفريقيا، في مقابل اجتهادات محاكم أوروبية لم تستوف وجهها التنفيذي لتطبيق قرار محكمة العدل الأوروبية، سيكون سلبيا لطبيعة ما سيكون عليه التأمين الذي يعود أداؤه لدولة جنوب إفريقيا، ولم يخترها أي طرف طبقا لـ “المادة 6 (1) ب من قانون 1983″، والكل في هذه الحالة، محرج بين فرنسا الداعمة للمغرب وصاحبة العلامة التاريخية في القانون البحري (اتفاق باريس)، وبين القانون الإنجليزي لعام 1745 المثير لفعل الائتمان البحري.

   وعاشت القضية، إلى الآن، سباقا بين اعتبارها مجرد ورقة للعب السياسي، وبين تطبيق القانون الإفريقي على الحالة المعتمدة فيها البوليساريو “دولة” معترفا بها.

منفعة “جمهورية” البوليساريو على قدم المساواة مع الدولة المغربية في القضاء الجنوب إفريقي طبقا لتأويل قانوني ناتج عن تواجدهما في الاتحاد الإفريقي

   محاكم جنوب إفريقيا ذهبت في أحكام سابقة، إلى أن المنفعة مستقلة عن ضرورة تمثيل البوليساريو لشعب الصحراء، خصوصا وأنه يمثله في مفاوضات الأمم المتحدة، ولا يمكن أن تقرر هذه الجهة في مصير الساكنة دون أن يكون لها الحق في إدارة شؤونها.

والتمرين القانوني بخصوص “شيري بلوسوم”، يذهب بعيدا في ضرورة تحصين الاتفاقيات التي عقدها المغرب مع الدول الإفريقية، وقد تركزت على المادة الفوسفاطية، وفي هذا الصدد، رغبت باريس في صفقة مع جنوب إفريقيا تهرب الملف من القضاء المحلي، وتعلقه إجرائيا.

الاشتباك القانوني المغربي ـ الجنوب إفريقي هو اشتباك أوروبي ـ إفريقي، وهي الخطوة التي بدأتها السفارة الفرنسية في بريتوريا

   يريد مكتب الرئيس جاكوب زوما، تسوية إجرائية لإعادة إبحار السفينة “شيري بلوسوم” على أن يكون الحكم النهائي على قناعة يحملها وتحملها معه جنوب إفريقيا، لكن لا وجود لتطور في الاتصالات التي تساوي بين ما حدث للتجارة البرية في “الكركرات” والتجارة البحرية في ميناء “إليزابيث”، وسبق للعاصمة الرباط، أن أبدت انزعاجها في تصريحات لوزير الفلاحة، عزيز أخنوش، بعد حجز سفينة مماثلة، ووجد الأوروبيون مخرجا لا يريد المحامي، أندري باولي، اعتماده أو التأثر به.

   وعدم إعطاء صيغة تنفيذية لقرار نهائي في المحكمة الأوروبية يفيد التعويض والإجراءات المصاحبة للمتضرر والدفع بحكم غير قابل للتطبيق، قناعة يرفضها الطرف المدعي.

   والمغرب، إلى الآن، قوي بالحليف الأوروبي الذي أطلق الحكم الذي بنت عليه جبهة البوليساريو الدعوى، ومؤسس على حرية التجارة والقانون البحري.

المكتب الشريف للفوسفاط اعتبر الحجز إجراءا عاديا في انتظار دراسة دعوى البوليساريو، فيما مصطفى الخلفي، الناطق الرسمي للحكومة، اعتبر “الشحنة شرعية، لأن المغرب يستثمر في موارده الطبيعية في إطار القانون الدولي ومتطلب السيادة الوطنية”

   تطورت المعركة القانونية بين المغرب والبوليساريو، المتواصلة في ردهات محكمة العدل الأوروبية، وحاليا تخوض جولتها في قلب القضاء الأسمر، وترغب جنوب إفريقيا في عدم خلق مسار آخر من المفاوضات يعطل المسار التفاوضي الأممي، فيما أدارت لندن محادثات في الموضوع، لأن القضية سياسية وليست قانونية، وهو ما نبه إليه الأوروبيون ويريدون عودة طرفي النزاع إلى المفاوضات فورا.

   ولا يجد المسار المزدوج: القانوني والسياسي، الذي تفضله البوليساريو، أي دعم من الجزائر أو جنوب إفريقيا، وهي تتعايش معه، ولا يمكن أن تقدمه حلا للصعوبات والعراقيل التي يواجهها الحل على الأرض، وقد اضطلع الأوروبيون بقيادة الأمين العام للأمم المتحدة، غوتيريش، بأن يدفعوا باتجاه الوصول إلى “إعلان نوايا” ثمرة للجولة القادمة، انطلاقا من مبادرة البوليساريو الموجهة إلى مجلس الأمن، والتي لا تسمح للجبهة بكل هذه “الحدة” في مواجهة موضوع الثروات الطبيعية للصحراء أو الاستثمار فيها.

   ويعترف المراقبون للملف، بأن التهميش الذي حدث للاتحاد الإفريقي من طرف غوتيريش ومجلس الأمن، هيأ لردة فعل “طبيعية وقانونية” تزعزع الثقة في الرهان الاقتصادي على الصحراء، لأن الحل السياسي أضحى مسألة اقتصادية، بما يفرض استعجاليته، فالبوليساريو فضلت الحرب ولم تسمح الظروف بالمواجهة، فواصلت الحرب “القانونية” والقضائية، ويجزم ممثل ثاني أكبر سفارة غربية في بريتوريا، “أن البوليساريو ترسم مع الفرنسيين الحل، وسيجدونه على الطاولة”.

error: Content is protected !!