في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | محاولة تحريك ملف الريف في الأمم المتحدة يعجل بظهور أخطاء في الدبلوماسية المغربية

مؤشرات التعارض بين سياسة الملك والسياسة الخارجية للحكومة

إعداد: سعيد الريحاني

   في نهاية شهر أبريل المنصرم، تناقلت عدة مواقع إلكترونية، شريط فيديو يظهر فيه عمر هلال، السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، والذي عينه الملك محمد السادس خلال شهر أبريل من سنة 2014 كبديل للسفير السابق، المغضوب عليه، لوليشكي، (يظهر فيه هلال)، وهو يقدم “رأيه الشخصي” في ما يتعلق بالحراك الموجود في الريف، جوابا عن سؤال لصحفية جزائرية.

   وقد كان عمر هلال يتحدث أمام بوابة مقر مجلس الأمن، الذي كان قد اجتمع في نفس اليوم لمناقشة قضية الصحراء وليس قضية الريف، وقد احتفت عدة مواقع بتصريحات عمر هلال، الذي أفحم الصحفية الجزائرية بقوله أمام عدة وسائل إعلام عالمية: “أتريدين رأيي.. الفرق بين الريف وما يقع في الجزائر، هو أنه في القبايل، وفي غرداية، هناك مئات القتلى، أما في الريف فليس هناك قتلى.. الكل يعبر عن آرائه بكل حرية عكس ما يجري في الجزائر.. هناك ديمقراطية في المغرب، لهذا فإن المواطنين في الريف، يعبرون عن كل مطالبهم وآرائهم بكل حرية عكس ما يقع في القبايل وغرداية بالجزائر”.

   مصدر خبير في الدبلوماسية، يرى أن نقطة الضوء الوحيدة في تصريحات عمر هلال، هي تهديده بتوقيف المسار السياسي لقضية الصحراء في حالة عدم انسحاب البوليساريو من الكركرات(..)، لكنه مع ذلك، وضع كلام عمر هلال في محل تساؤل، وقال، إنه ((لا يفهم الأسباب التي جعلت عمر هلال يجيب عن سؤال خارج الموضوع)) في حين، كان الموضوع هو الصحراء، فما علاقة الريف بما يجري في مجلس الأمن، أليس هذا تدويلا (جعله قضية دولية) لقضية احتجاجات الريف، ومنذ متى كان سفراء المغرب يعبرون عن آرائهم الشخصية؟ أليس مفترضا ألا يتحدث “الدبلوماسي” إلا وفق الأعراف الدبلوماسية التي لا تعترف بالأراء الشخصية؟

   جواب عمر هلال أعطى إذن، الشرعية لاحتجاجات الريف من منصة مجلس الأمن، “ألا يعرف عمر هلال أن تشبيه احتجاجات الريف باحتجاجات القبايل، يفترض الاعتراف بالقبايل في المغرب”؟ فضلا عن كونها المرة الأولى التي تتعارض فيها تصريحات مسؤول أممي مغربي مع المسؤولين الحكوميين داخل المغرب، ألم يسمع السفير المغربي في الأمم المتحدة تصريحات وزير الداخلية عبد الوافي الفتيت، الذي خصص أول زيارة ميدانية له، بعد تعيينه وزيرا، لمدينة الحسيمة، وهو يقول بأن هناك ((أياد خفية تلعب في الريف..))، وبأن ((هناك عناصر وجهات نعرفها جميعا، تسعى بكل الوسائل الممكنة، لاختراق واستغلال أي حركة احتجاجية كيفما كانت مطالبها بغية تأجيج الوضع الاجتماعي، وبغية توسيع رقعة الاحتجاجات)) (المصدر: موقع اليوم 24 بتاريخ: 13 أبريل 2017).

   أليس من باب التناقض، أن تكتسب الحركات الاحتجاجية في الريف شرعية أممية على لسان مسؤول مغربي بينما تفتقد للشرعية من وجهة نظر الحكومة المغربية في الداخل؟

   وكان التناقض بين المسؤولين المغاربة في الداخل وتصريحاتهم في الخارج، قد بلغ أوجه في الحرب التي تم شنها على فنزويلا، والتي وصف بلاغ لوزارة الخارجية المغربية النظام فيها بـ “الأبارتايد”، أي حكم الأقلية للأغلبية، وهو ما زكاه السفير عمر هلال الذي هاجم سفير فنزويلا في مقر الأمم المتحدة قائلا بأنه ((لا يمكنه أن يعطي دروسا للمغرب في وقت يقوم فيه نظامه بتجويع شعبه، وإطلاق النار يوميا على المتظاهرين السلميين، الذين يتطلعون فقط للديمقراطية والكرامة، والغذاء للبقاء على قيد الحياة))، بالتزامن مع قيام الملك محمد السادس بفتح أبواب المغرب في وجه دول أمريكا اللاتينية، وقد أصدر الأوامر بفتح السفارات بشكل مستعجل في كوبا والبراغواي، ليطرح السؤال، كيف يمكن للمغرب المنفتح على كوبا أن يهاجم فنزويلا؟ ألا يعلم المسؤولون أن هذين البلدين يجمعهما أكثر مما يفرقهما، وهما مرتبطان بـ “الاتفاق الشامل للتعاون والذي تم التوقيع عليه قبل عدة سنوات من قبل الزعيم الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز والقائد التاريخي للثورة الكوبية فيديل كاسترو؟”.. ألن يفسر الهجوم على فنزويلا إعلاميا، هجوما على كوبا نفسها، ألن يكون ذلك مدخلا للتشكيك في نوايا المغرب؟

   وكانت الاحتجاجات في الريف، والتي تغطيها وسائل إعلام دولية بصور قديمة لإظهار كثرة أعداد حاملي أعلام “جمهورية الريف” و”العلم الأمازيغي” في إطار الأجندة الإعلامية المعروفة والموجهة للعالم الثالث(..)، (كانت) قد اتخذت بعدا آخر، بعد الإصرار على ربطها مباشرة بالملك، وليس بالحكومة، فهذا ناصر الزفزافي الذي يقدم نفسه كزعيم للحركات الاحتجاجية بالحسيمة والنواحي، والذي خرج ليقول للوالي اليعقوبي، الذي يواصل عقد لقاءات مع الساكنة للاستماع لمطالبهم، بأنه مجرد “بيدق” مطالبا في ذات السياق بحضور الملك.

   كيف يمكن للملك أن يحاور النشطاء، ما فائدة وجود البرلمان والأحزاب والولايات والعمالات، والمندوبيات الحكومية والوزراء، إذا كان الملك هو من سيحاور نشطاء الحركات الاحتجاجية؟ الزفزافي لا يقدم طريقة للحوار مع الملك، لكنه يشن هجوما كبيرا على “ممثلي الملك والحكومة” من ولاة وعمال، وعلى رأسهم وزير الداخلية، والي الرباط السابق، بقوله: ((الوالي اليعقوبي ينهج سياسة خبيثة.. لم نعد نثق في الوالي لأنه وعدنا في الشهور الماضية ببناء المستوصفات والطرق والمدارس، لكنه لم يف بوعده، وسنواجهه بهذا الحراك الضخم، “لأن الريف فوق كل اعتبار”، يقول الزفزافي، قبل أن يؤكد أن “الحراك كشف حقيقة الدولة المغربية في تعاملها مع المواطنين، نحن نعيش 60 سنة من الحصار السياسي والاجتماعي والثقافي، تحت وطأة الظهير المشؤوم الذي يعتبر إقليم الريف منطقة عسكرية متوترة تمنع فيها كل أشكال التنمية والإقلاع”)) (المصدر: موقع لكم: 9 ماي 2017).

   الزفزافي الذي يعزف على نفس الأوتار التي يعزف عليها إلياس العماري يقول: ((على الجيش والدرك الحربي والتدخل السريع والقوات المساعدة والوحدات العسكرية المتواجدة في الريف، الذهاب إلى الصحراء، فنحن لا نهدد أمن البلد بل نضمنه، فالريافة هم من بين السكان القلائل الذين يمكن أن يؤتمن بهم، ما يريدون هو الكرامة))، وكأن الأمر يتعلق بوجود صراع بين قوات الأمن والمحتجين، على غرار البلدان التي تشهد فوضى من هذا النوع.

   وكان الزفزافي، الذي ظهر في أربعينية محسن فكري وهو يتحدث من منصة مزينة بصورة لبيكاسو تؤرخ للحرب الأهلية الإسبانية، قد خلق جدلا “فيسبوكيا” من خلال ظهوره مع ناشطة “فيسبوكية” تدعى ميساء سلامة الناجي، ورغم أن كل ما تم تسريبه من اللقاء بينهما ليس سوى صورة لهما وهما يتناولان طبق السمك(..)، إلا أن هذه الناشطة سبقت الزفزافي في صياغة رسالة إلى الملك حول الريف، دافعت فيها عن حمل “الأعلام الانفصالية”، معتبرة أن الأمر يتعلق بـ ((هوية.. مجروحة منذ عقود جرحا لم يندمل، يستشعرون خوف النظام المخزني منها))، كما أنها دعت في ذات السياق، إلى لقاء بين الملك وناصر الزفزافي لمناقشة احتجاجات الريف، تقول ميساء: ((إن ناصر الزفزافي قد قال لي حرفيا: لا كلام إلا مع الملك، ولا نثق فيمن دونه))، لكن، ألا تعلم ميساء أن الحسيمة ونواحيها لا تضم المحتجين فقط، بل تضم أحزابا سياسية وتضم آلاف المصوتين على هذه الأحزاب، وتضم برلمانيين ورؤساء جهات منتخبين من لدن السكان، ومصوتين بـ “نعم للدستور”، فكيف يمكن تعطيل كل المؤسسات وفتح حوار مباشر بين النشطاء والملك، طالما أن هؤلاء النشطاء الذين يصرون على عدم رفع راية المغرب المنصوص عليها دستوريا(..)، لا يمثلون كل الريفيين؟

   وها هو ناشط أمازيغي، تتحفظ “الأسبوع” عن ذكر اسمه(..) شارك في كل الاحتجاجات التي يشهدها الريف يكتب لـ “الأسبوع” عن “الخطر الانفصالي القادم من الريف”، مما يؤكد أن الاحتجاجات وإن كانت لا تضم انفصاليين على مستوى واجهة الشعارات، إلا أنها مثل جبل الجليد الذي يخفي تحت الماء الجزء الأكبر والأهم منه، وقد جاء في هذه الرسالة ما يلي: ((كل المؤشرات تدل أن الحراك الشعبي بالحسيمة الذي اندلعت شرارته بعد مقتل محسن فكري،  تواجهه تحديات خطيرة، لاشك أن أهمها على الإطلاق، هو تحالف محتمل ما بين أصوات انفصالية مدعومة من قبل مراكز تمويل تمتد ما بين هولندا وبلجيكا وألمانيا حيث ملجأ العديد من بارونات الاتجار الدولي في المخدرات، وكذا تنظيمات أصولية متطرفة تفرخ خلايا إرهابية دأبت أجهزة “البسيج” على تفكيكها ومعظمها يتخذ منطقة الريف مجالا لتداريبها في أفق إرساء إمارة الريف الإسلامية وعاصمتها تطوان.. قيادة الحراك الشعبي بالحسيمة بدأت تحس بثقل هذين التيارين، واتضح ذلك جليا في الذكرى الأربعينية لاستشهاد المرحوم محسن فكري والتي أقيمت فعالياتها يوم 10 دجنبر الماضي، فبعد انسحاب معظم الدكاكين الحزبية، كما يصفها ناصر الزفزفي، قائد الحراك، خاصة ممثلي حزب الأصالة والمعاصرة الذي لم يعد له أي دور في الساحة رغم حصوله على 42000 صوت خلال الانتخابات التشريعية لـ 07 أكتوبر، وبعد الخلاف مع جماعة “العدل والإحسان” التي يبدو أنها تركت الساحة بعد الهيمنة المطلقة للحركة الأمازيغية ذات التوجهات الراديكالية القريبة من اليسار الثوري،  تمكنت وجوه سلفية(..) من اختراق صفوف القيادة، وأضحى زعيمهم “يسوق لمشروع الإمارة الإسلامية متخذا من الرصيد الجهادي لـ “الأمير” محمد بن عبد الكريم الخطابي مرجعا سياسيا يعقد بواسطته تحالفا تكتيكيا مع التيار الانفصالي الذي تمكن من استقدام صناديق مملوءة من أعلام جمهورية الريف (1921 – 1925) عبر معبر مليلية وهي أعلام طبعت في إسبانيا..)) (المصدر: مقتطف من رسالة ناشط أمازيغي للأسبوع).

   هكذا إذن، يتضح أن احتجاجات الريف، تتوزع بدورها بين أقطاب ومصالح متضاربة، ورغم أن الواجهة يتزعمها شخص أو شخصان، علما أن الاحتجاجات تراجعت بشكل كبير، إلا أن ذلك يفترض الانتصار للمؤسسات وليس إلغاءها، وتوحيد الخطاب حول الريف بين ما يجري داخل المغرب، وبين تصريحات المسؤولين في الأمم المتحدة.

error: Content is protected !!