في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | المغرب بين بوحمارة وبوعمامة وبوحصيرة

بقلم: مصطفى العلوي

   يواخذنا الكثيرون ممن ينعمون بهذا الهدوء المادي والفكري، في إطار الدنيا بخير، والخير والخمير، والأموال في القطمير، على تخوفات الكثير من المفكرين المغاربة، من كل مظهر من مظاهر ضعف الدولة، وغيبتها عن مواجهة الواقع، بتغييب كل ما يشغل وما يخيف.

   والواقع أن المغرب، غير بعيد، في سنة 1900، بالأمس القريب طبعا، سنوات قليلة بعد موت ملك عظيم كان اسمه الحسن الأول، وقد كتب عنه المؤرخون الفرنسيون والإنجليز، أنه هو الملك الذي جعل عرشه فوق فرسه، وهو يعرف لماذا..، وقال مؤرخون آخرون، أنه كان يشرف على تنمية صادرات المغرب نحو أوروبا، وامتداد حدوده الجنوبية إلى تخوم ما يسمى اليوم بتمبكتو، على أطراف حدود المغرب مع عمق الدول الإفريقية(…) حيث كانت المساجد عبر مآذنها تنصر سلطان المغرب(…) لتقترن الكارثة المغربية بموت هذا الملك العظيم، سنة 1893 ويبادر الرجل القوي وقتها، باحماد، إلى الاتفاق مع إحدى زوجات الملك التركية، للا قيقة، ليتم تنصيب أصغر أولادها، مولاي عبد العزيز، سلطانا على دولة المغرب، ليبدأ التلاعب، وتنقرض الجدية، حتى إذا ما كبر السلطان وتعقل، كان الوقت قد فات(…).

   وعلى الضفة المقابلة في إسبانيا، ملك إسباني أعظم، يسمى ألفونسو الثالث عشر (1886-1941) وقد قرر بعد موت الحسن الأول، أن يكرس الوجود الإسباني في مدينة مليلية، ويدشن ملكه الذي بدأ سنة 1902 بالدخول إلى المدينة المغربية.

   وكان السلطان الجديد في المغرب، وهو في سنه الصغير، لا يعرف ماذا يفعله ولا ما يفكر فيه، قواد جيشه الذين كانوا مشهورين بتضخيم أرقام عدد الجنود ليأخذوا أجور الجيوش الوهمية، والرجل القوي باحماد يريد إظهار قوة المغرب، فيأمر محلة من جيشه قوامها ألفي عسكري بالهجوم على مليلية، لمنع الملك الإسباني من دخولها.

   ولنراجع الكارثة، كارثة الدولة المخروبة، من خلال ما كتبه مؤرخ كان يرى، ويكتب ما يرى: ((لقد قدم لنا العميل “ساي” وهو عربي جزائري، تقريرا عما جرى، عندما صدرت الأوامر المخزنية لعبور واد ملوية، وعجرفة رؤساء المحلة المغربية، وعدد جنودها يقدرون بالألفين، عندما تم إخبار رجال الدولة المغربية، بأن الألفي جندي لم يعبروا واد الملوية نظرا لارتفاع نسبة المياه، بينما الواقع هو أن الوادي لم يكن فائضا، وإنما وقع تسريب ثمانمائة فتاة للاختلاط بالألفي جندي، ومنعهم طبعا من العبور في اتجاه مليلية، ولم تبق لهم أية رغبة طبعا، في العبور نحو أرض العدو)) (ليونارد كاروف. كتاب تسع سنوات في العمل بالمغرب).

   وقتها، كان للسلطان المغربي صديق حميم، لا يفارقه، يسمى المهدي المنبهي، بارع في شغل صديقه السلطان، بما سماه الصديق الفرنسي الآخر للسلطان، كابرييل فير “ديوان الملاغة” في (كتاب في رفقة السلطان)، الديوان الذي جعل السلطان يتغيب عن استقبال إمبراطور ألمانيا، كيوم الثاني عندما زار طنجة في 1905، مثلما سبق له أن تغيب عن استقبال الملك الإنجليزي إدوار السابع سنة 1901، الذي استدعى السلطان لمقابلته في جبل طارق، وكان السلطان المغربي مشغولا.

   ويذكر مؤرخ السلاطين، عبد الرحمن بن زيدان في “إتحاف أعلام الناس”، أن صديق السلطان المهدي المنبهي، كان له هو بدوره صديق آخر، يشتغل معه عونا في الديوان الملكي(…) اسمه الجيلالي الزرهوني ((صار من أخص الناس، بالمنبهي، وأقرب أعوانه إليه، لنباهته وحزمه وشدة ملازمته له، تنامت صداقتهما إلى درجة أن صديق السلطان عندما نهره يوما ولم يستقبله استقبالا حسنا، فغضب الزرهوني من صديقه صديق السلطان، فأقسم باليمين أنه سيصبح أميرا، وفعلا أعلن ثورة على السلطان وهو الذي أصبح يعرف باسم بوحمارة)) (كتاب إتحاف أعلام الناس).

   بوحمارة، لأنه أخذ يطوف المغرب على ظهر حماره، ويدعي الريادة الدينية، والإمارة مثل بغدادي داعش، وإن كان قد سبق داعش في مجال الذبح والقتل.

   ولم يكن السلطان صديق المنبهي يعلم، أن صديق صديقه الزرهوني بوحمارة، هو عميل للضابط الفرنسي بالجزائر، ليوطي، الذي كان يخطط لاحتلال المغرب، وقد كتب المؤرخون في ذلك الوقت: ((إن ليوطي كان يتحدث بصراحة في رسائله عن فوائد استخدام بوحمارة، ومساعدته ماليا، وكتب أحد الضباط الألمان عند زيارته لحدود الجزائر، إلى الوزير الألماني المفوض في طنجة، إن ثوار بوحمارة كانوا يتلقون الأسلحة من الجزائر)) (كتاب المسألة المغربية. محمد خير فارس).

   بوحمارة هذا الذي ترك شغله في الديوان الملكي، أعلن ثورة في خريف سنة 1902 معتمدا في الانطلاق على أقربائه من قبائل غياتة، وفتحت له طريق فاس، وأمضى أول عيد بصفته أميرا، في تازة، بعد أن ادعى أنه أمير، واسمه امحمد، ابن السلطان الحسن الأول، الشيء الذي جعل السلطان المبتدئ عبد العزيز، يطلق سراح أخيه امحمد، الذي كان في السجن، حتى يكذب ادعاء بوحمارة، بأنه هو الأمير امحمد، واتخذ السلطان عبد العزيز قرارا آخر، بتعيين صديقه الحميم المنبهي، وزيرا للدفاع، وكلفه بقيادة الجيش لاعتقال صديقه المتمرد بوحمارة.

   وقبل أن يضحك قراؤنا في عهدنا هذا(…) على التسلسل المقبل للأحداث، نقرأ لكاتب آخر عاش تلك الأيام، ودوّن أحداثها في موضوع بعنوان: “القصة المضحكة المبكية”(…) أن أحد أفراد قبيلة آيت عتيق، نسبة إلى أصول المناضل الاتحادي الوزير، عبد الكريم بن عتيق، كان في زمن بوحمارة يسمى عبد القادر العتيقي، ادعى في زمانه محاربة الفساد، واسمه بوحصيرة(…) ((جمع حوله عدة أتباع، وسألهم يوما: من يكون السلطان اليوم، فقالوا له مولاي عبد العزيز نسمع عنه أنه بفاس، وأمه رقية التركية، سمعنا أن مستشاره الإنجليزي ماك لين، وضعه في صندوق وأرسله إلى لندن، فقال لهم وهو يبكي: هذا صحيح، وأنا أيضا ولد للا رقية التركية، وأخ السلطان عبد العزيز وأخ الأمير امحمد، الذي هو بوحمارة، وما عليكم إلا أن تسندوننا أنا وأخي بوحمارة لاسترجاع الملك الذي افتقدناه)) (كتاب انتحار المغرب. ذ.محمد الخلوفي).

وهكذا انضاف حسن بوحصيرة، إلى جيش بوحمارة، في الوقت الذي انضاف داعية ثالث لبوحمارة، وبوحصيرة، واسمه بوعمامة، وكان بوعمامة هذا، ثائر من أصل جزائري، قال المؤلف الحجوي، أنهم كانوا يعقدون اجتماعاتهم في مقهى صالح التلمساني بمدينة تلمسان الجزائرية، وكان بوعمامة هذا لا يدعي نسبه إلى السلطان الحسن الأول كما فعل بوحمارة وبوحصيرة، وإنما كان بوعمامة يعتبر نفسه أبعد منهم نسبا، حيث كان يمضي تحت اسمه: “بوعمامة خلف الله”، وولى عهده الطيب الذي كان من ضباط جيش بوحمارة في المغرب، لأن أباه بوعمامة متأصل من وهران.

   وفي خضم الدماء التي سالت تحت وابل الرصاص الفوضوي الذي شمل المناطق الشمالية والحدود الجزائرية، والمجازر التي ارتكبوها، وخلدها المؤرخ المغربي بن زيدان، نيران الفتن بالأرض المغربية، فطن أحد قياد الشمال، إلى أنه أحق منهم جميعا بالثورة، لأن اسمه العائلي: “حمارة” واسمه الحقيقي حمارة البوزكاوى، كان حقا أنسب منهم جميعا بالإمارة، لأنه كان فعلا، صهرا للملك الحسن الأول، سبق له أن زوج ابنته لهذا السلطان، يعني أن السلطان الحسن الأول، كان متزوجا ببنت القايد حمارة البوزكاوى.

   وللمزيد من الضحك من هذه المآسي المبكية، ننقل في نهاية هذا الموضوع، ما رواه المؤرخ الحجوي عن صهر السلطان الحسن الأول، القايد حمارة البوزكاوى: ((لما تعرف بوحمارة بصهر الحسن الأول، حمارة البوزكاوى، وكانت ابنته أرملة السلطان، جاهزة، خطبها بوحمارة لأبيها وأرسل لخطبتها، وفدا برئاسة وزيره(…) صالح التلمساني، الذي كان صاحب مقهى تلمسان، ودخل الوفد بيت القايد حمارة، الذي كان يرى نسبه أهم من نسب بوحمارة، فاستقبل القايد وفد الخطاب، وأدخلهم الحمام حسب التقاليد، ليغتسلوا قبل العشاء وقدم لهم الكساوى الجيدة وقال لهم لتظهروا في عرس ابنتي مظهرا جميلا، فأنزلوا سلاحهم ودخلوا الحمام، حيث اعترضهم جيشه فقتل الجميع تاركا الدار تنعى من استضافها)) (كتاب انتحار المغرب. مذكرات الحجوي).

   وكانت تلك أولى المجازر التي أسقطت قوة الثوار، بوحمارة، وبوعمامة، وبوحصيرة، بعد أن كانوا قد استولوا على أطراف الشمال المغربي وكانوا قد سموها: “سلطنة المغرب الشرقي والريف” بدعم فرنسي، ((ليكتب القاضي محمد بن عبد الكريم الخطابي، زعيم الريف، رسالة إلى السلطان الجديد مولاي حفيظ، يستأذنه فيها ويستشيره فيما يفعله أهل الريف، وهل يهاجمون الفتان بوحمارة، ليجيبه السلطان في 9 دجنبر 1908 بارتكاب ما يخدم مصلحة القبائل وسلامتها)) (الحركة الحفيظية. الدكتور علال الخديمي).

   لينتهي التمرد باعتقال بوحمارة وأنصاره، ويتم اعتقال بوحمارة يوم 21 غشت 1909، ويجري إعدامه أمام المتفرجين، ليكتب الخديمي عن المنطلق الرسمي لثورة بوحمارة مختصرا: ((الواقع أن المهدي المنبهي صديق السلطان، كان ضالعا في التآمر على بلاده، وفي حبك الدسائس ضد المخزن)) (نفس المصدر).

error: Content is protected !!