في الأكشاك هذا الأسبوع

خاص | “أمير جهادي” يكشف أسرار السجن رفقة “التكفيريين” ويحكي عن أساس تكفير البرلمانيين والعلماء

أخطر من دعوة شيخ سلفي إلى المساواة في الإرث

إعداد: سعيد الريحاني

   لم يعد لمشكلة “السلفية الجهادية” لوجود أقطابها داخل سجون المملكة المغربية، أثر كبير في النقاش العمومي، رغم أن قضايا الإرهاب المعروضة على المحاكم في ارتفاع مستمر، مما يعني، ارتفاع عدد الإرهابيين(..)، بالمقابل، وبينما كانت الدولة تعول في مشروع إعادة إدماج السلفيين على المشايخ، تأكد عمليا محدودية هذه المقاربة بعد أن أصبحت لكل شيخ جمعيته، جمعية الخطاب، جمعية الفيزازي، جمعية الشاذلي.. ورغم أن بعضهم يحافظ على التواصل مع المسجونين، إلا أن أسئلة كثيرة تطرح بخصوص إعادة الإدماج المنشودة، فظهور “داعش”، أدى إلى ظهور نوع جديد من المتشددين الذين لا يؤمنون بالمشايخ السالفي الذكر، وهم اليوم أقرب إلى “أمراء” الجهاد، المنتشرين في دول أخرى(..)، مما يفرض حتمية تغيير المقاربة، إذ لا يمكن لشيخ مثلا، يطالب بتغيير أحكام الإرث، أن يكون له تأثير على من يفكر في الجهاد(..)، كيف لأبي حفص (عبد الوهاب رفيقي) الذي يدعو للمساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، أن يساهم اليوم في حل مشكلة “السلفيين الجهاديين”، بل إن الأمر قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

   محمد رحا، “أمير” جهادي سابق، معروف إعلاميا بتزعمه لـ “جماعة التوحيد والجهاد” في المغرب، والذي قضى حوالي 10 سنوات في السجن، قرر أخيرا كتابة مذكراته في السجن، وتدوين النقاشات الجارية بينه وبين “السلفيين التكفيريين” و”الموالين لتنظيمات إرهابية”، ليكون هذا الكتاب، تصديقا لمقولة، “ليس من رآى كمن سمع”.

   يحكي محمد رحا في كتابه: “جذور داعش”، “من سلسلة نكسات السلفية الجهادية”، والذي حصلت “الأسبوع” على مقتطفات منه، عن أصل الصراع في المنتديات الجهادية، ما بين سنتي 2001 و2003، أي بين تلك السنة التي شهدت أحداث 11 شتنبر، والتي غيرت وجه العالم، وسنة 2003، التي وصل فيها الإرهاب إلى المغرب (أحداث 16 ماي بالدار البيضاء): ((ما بين 2001 و2003، أنشأت عدة مواقع ومنتديات جهادية على الأنترنيت قصد التعبئة والدعاية لفكر الجهاديين وأخبارهم، ومن أوائل المواقع النشيطة كانت “غرفة الأنصار” في “البالتولك” و”منتدى الأنصار”، التابعين للقاعدة في جزيرة العرب التي كانت صانعة الحدث آنذاك، فعندما كان الجهاديون يدخلون “البالتولك” كانوا يجدون غرفة واحدة تمثل الجهاديين جميعا، وكانت هي “غرفة الأنصار”، ولم يظهر حينها أي خلاف فكري بين الجهاديين، إلى أن ظهرت جماعة “التوحيد والجهاد” في العراق، وفي هذه الفترة بالذات، أي تقريبا سنة 2004، بدأت مواقع جهادية جديدة تبرز لنشر فكر هذا التنظيم والدعاية له، فأنشؤوا من بينها “غرفة التوحيد والجهاد” في “البالتولك”، وكان هدفهم الرئيسي من إنشاء هذه الغرفة والمواقع التابعة لهم، لأجل إظهار التمايز المنهجي والمفاصلة بينهم وبين الجهاديين القدامى.. فمثلا قبل ذلك، كان كل جهادي يدخل “البالتولك” يجد غرفة واحدة تمثل كل الجهاديين، وكانت هي “غرفة الأنصار”، لكن لما ظهر تنظيم “التوحيد والجهاد” في العراق، بانت غرفة “التوحيد والجهاد” ومواقع تابعة لها فانقسم الجهاديون)).

   وفي معرض حديثه عن المواضيع التي كانت تطرح للنقاش داخل المنتديات الجهادية، قال نفس الكاتب (محمد رحا): ((إن المواضيع التي أثارتها غرفة “التوحيد والجهاد” ومواقع أخرى تتمحور حول وجوب تكفير كل العلماء الذين يدافعون ويبررون أفعال الحكام الذين يحكمون بالقوانين الوضعية، لا عذر بالجهل ولا بالتأويل في الدين، ووجوب تكفير الجماعات الإسلامية السياسية كـ “الإخوان المسلمين”، وكل من دخل في البرلمان أو شارك في الانتخابات، كفر كل من تحاكم إلى المحاكم الوضعية)).

   بمقابل ذلك، يقول نفس المصدر: ((إن “غرفة الأنصار” التابعة لـ “قاعدة” جزيرة العرب هي التي كانت حينها تتصدى لهذا المد الصاعد وتقف ضدهم، وهي التي كانت تقود المنتديات والمواقع المعارضة لغلو “التوحيد والجهاد”، ولا زلت أذكر أن بعض قيادات “قاعدة” جزيرة العرب، كانت تلقي الأخبار والكلمات مباشرة في “غرفة الأنصار” ردا على ضلالات غرفة “التوحيد والجهاد”، لكن انهيار “قاعدة” الجزيرة أواخر سنة 2004 (بعد مقتل المقرن) أدى إلى انهيار منتدياتها ومنابرها الإعلامية، بينما شهد تنظيم “التوحيد والجهاد” في العراق في نفس الوقت، طفرة نوعية من الناحية العسكرية والإعلامية حتى سيطر على أغلب المنابر الإعلامية والتي إما كانت تابعة ومسيرة من قبلهم في العراق، أو تابعة للجهاديين الجدد المتعاطفين معهم والحاملين لفكرهم)) (نفس المصدر).

   ووصف محمد رحا طريقة عيش السلفيين داخل السجن، ورغم أنه لا يتحدث عن سجن مغربي، فإنه فضل الحديث عن تجربته في سجن عربي (علما أن تجربة المتهمين بالإرهاب داخل السجون تتشابه)، حيث يقول عما سماه “الخريطة الفكرية للسجن”: ((في سنة 2005، اعتقلت ودخلت أحد السجون العربية على خلفية دعم المقاومة العراقية، فوجدت السجن يعج بمئات المعتقلين المنتمين لما يسمى السلفية الجهادية، وقد كان هؤلاء الجهاديون ينقسمون إلى 3 أصناف: صنف “أفغان العرب” والمتأثرين بهم وبـ “القاعدة”، وصنف من “الجهاديين المحليين”، وصنف ثالث من مجموعات “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، والصنفان الأخيران كانت لهما أفكار وتصرفات فيها جوانب من الغلو وقابلية كبيرة لسلك طريق الخوارج، لذلك التحق أغلبهم اليوم بـ “داعش”)).

   وحسب نفس المصدر، فالأصناف الثلاثة كانوا يختلفون في ما بينهم حول طريقة التغيير وبعض المسائل المنهجية، إلا أن منهجهم بالعموم كان متقاربا، وكل هؤلاء كانوا قد اعتنقوا الفكر الجهادي قبل حرب العراق 2003، وكانوا يشكلون 95 في المائة من نسبة المعتقلين الإسلاميين في هذا السجن، أما الفئة المتبقية، فكانوا خليطا من الهجرة والتكفير وأصحاب التوقف والتبين، كان يطلق عليهم “المسلمون الجدد”، وهم يكفرون الجهاديين والشعوب وكل الجماعات الإسلامية ولا يؤمنون بفرضية الجهاد.

   ويتميز الجهاديون عن غيرهم بطقوس خاصة داخل السجن، فقد كانت لديهم، حسب محمد رحا، لجنة تمثلهم جميعا وتنظم بعض شؤونهم مثل: تنظيم بيت المال (للسجناء المحتاجين)، والدورات العلمية والترفيه، واختيار وقت التصعيد ووقت التأني مع إدارة السجن من إضرابات واعتصامات، وتتكلم هذه اللجنة باسمهم أثناء محاورة ومفاوضة مدير السجن والجهات الحقوقية وتحدد مطالبهم وغير ذلك، أما الصلوات الخمس، فكان لكل حي من أحياء السجن إمامه ومؤذنه الخاص بكل أريحية ونظام، فالكل يصلي جماعة وراء إمام حيه باتفاق جميع المعتقلين دون منازع إلا أفراد “جماعة التكفير” والذين كانوا على حالتين: صنف كان يعيش في زنزانة أغلب قاطنيها من الجهاديين، فهؤلاء كانوا يضطرون للصلاة مع الجهاديين تقية بنية الانفراد، وآخرون كانوا يعيدون الصلاة خفية كما لو أنها نوافل أو يغيبون عن صلاة الجماعة بطرق ملتوية، والصنف الآخر كانوا يعيشون في زنزانة منفردة أو زنزانة أغلبها غلاة مثلهم، فهؤلاء كانوا يصلون وحدهم بعدما يغلقون الباب والنوافذ على أنفسهم خوفا من أن يصل صوتهم إلى جيرانهم الجهاديين، وفي هذه الفترة، لم يجرؤ أحد منهم على إعلان حقيقة اعتقاده كجهاديين، ولم يقدروا على ذكر مانعهم الحقيقي الذي منعهم من أكل ذبائحنا والصلاة خلفنا، وذلك لضعفهم وقلة عددهم آنذاك، ولعلمهم أنها كانت تعتبر بالنسبة إليهم، فترة الاستضعاف، ولم يكن لهؤلاء التكفيريين أي دور أو علاقة في إدارة أمور السجن، ولم يعرفوا قط في النضالات السياسية والحقوقية، اللهم سوى النضالات الشفوية التكفيرية، حسب نفس المصدر.

   داخل صفوف المتشددين، يقول صاحب سلسلة: “انتكاسة السلفية الجهادية”: ((إن الجهاديين والتكفيريين، يعيشون منفصلين في ما بينهم بكل وضوح في هذا السجن، فلم يكن الجهاديون يختلطون بهم أو يجالسونهم إلا نادرا من باب إقامة الحجة عليهم فقط، ولم يكن الأمر خافيا، بل إن المخابرات وإدارة السجن وحتى السجانين، كانوا يميزون بين الجهاديين والتكفيريين، حتى أن إدارة السجن والمخابرات هددت بعض الجهاديين أكثر من مرة بوضعهم في زنازن التكفيريين، ولازلت أذكر مرة قال رئيس السجانين في حينا لأحد الجهاديين مهددا: “إما أن تنتظم معنا أو أضعك في زنزانة رقم 5 التي فيها 4 تكفيريين، كل واحد تكفيري يصلي وحده، واحد يصلي جهة المشرق والآخر جهة المغرب والآخر جهة الشمال والآخر جهة الجنوب، هذا يكفر هذا”، هذا ما قاله وصدق، فقد كان هذا هو حالهم)).

   وفي ما يتعلق بعلاقة الجهاديين ببعض الحركات الإسلامية في العالم، يحكي نفس الكاتب عن تجربته داخل أحد السجون عام 2008 قائلا: ((في عام 2008، رحلت إلى أحد السجون المكتظة بمئات الجهاديين، ولأنها كانت أيام حرب على غزة، فتحت عدة نقاشات بينهم حول حماس، وأول ما لاحظته أن الغالبية العظمى من هؤلاء الجهاديين يكفرون حركة حماس، وأغرب ما حيرني، هو أن الكثير منهم لم يكن يشعر بالأسف أو الحزن على ما تفعله صواريخ الصهاينة في حماس، وجيشها، وشعبها، بل أكثر من ذلك، فقد وجدت بعضهم يلوم حتى عموم أهل غزة من المدنيين، لأنهم هم الذين صوتوا في الانتخابات “الشركية” لصالح حماس.. دارت الأيام حتى أحياها الهتاري الداعشي من جديد، وفي إحدى تلك الأيام من عام 2008، جلست ومجموعة من الجهاديين ندردش، ونتأسف على أهل غزة بعدما شاهدنا بعض المشاهد المروعة في التلفاز والجرائد، وإذا بأحدهم ينطق بيننا منكرا علينا تعاطفنا، وقال لهم: “حماس أصلا كفار مرتدون، لأنهم لا يطبقون الشرع، والشيخ المقدسي كفرهم، قبل أن ينكر عليه ذلك، معتبرا أن تكفير حماس لا يمكن أن يفسر إلا أنه نوع من العمالة لإسرائيل”)).

error: Content is protected !!