في الأكشاك هذا الأسبوع

البـوطـــا “المسخــوطة”

عبد الله ملول. الأسبوع 

   البوطا كائن حديدي دائري الشكل كالأسطوانة، يخرجك كرها من المنزل السفلي أو ينزلك متعبا من العمارة في أي وقت لتبحث عنه يا ولدي في كل مكان بعد أن وصلتك رسالة استغاثة صوتية تقول: “البوطا خوات”، وهي لا تقبل التبديل إلا بأخواتها من نفس اللون: الأزرق أو السماوي أو الأحمر أو ما بينهما، وزنها يصل إلى 12 كيلوغرام وطولها لا يتعدى الركبتين، وهي أم عازبة لها بنت أصغر منها حجما ووزنا وأقصر عمرا، ويشاع مؤخرا بأنه سيتم حذفها من الحالة المدنية لكونها تشكل تهديدا خطيرا بالنسبة لأمن البلاد والعباد، تجدها أمام أبواب الدكاكين وقد اصطفت كالمتهمين داخل قفص الاتهام، وفي المنازل أصبحت رفيقتنا تجلس في أركان منازل ومطابخ وحمامات ستة ملايين أسرة مغربية كما قيل في البرلمان السنة الفارطة، وللعناية بأناقتها، تقوم ربات البيوت بسترها بكسوة بلاستيكية زرقاء ترتديها كالجلابة المغربية فلا يظهر منها سوى العنق، كما تحظى أيضا بشراء لوح خشبي أو معدني فيه عجلات لتجلس فوقه البوطا بارتياح وتصبح بالتالي، تتمتع بحنان الأم التي تخاف عليها من البرودة والرطوبة، أما ابنتها الصغيرة، فتنتظر دائما دورها فوق كرسي الاحتياط مستعدة للأشواط الإضافية وهي جالسة داخل سلة من حديد لها مقابض تمكننا من نقلها من مكان لآخر بدون لمسها، ورأسها المشتعل زين بأنواع عديدة من طرابيش صنعت من حديد أو طين أو من الفخار، ليقعد عليها الطاجين بارتياح، ولترتاح فوقها طنجرة الضغط في توازن تام، ومن استعمالاتها أيضا، كونها تضيء ما حولها لدى الباعة في الطرقات وفوق العربات وداخل بعض البيوت لتعوض الكهرباء الغائب.

   عندما تصلك البوطا إلى المنزل، فقد تكون محمولة بحنان فوق الأكتاف كالصبيان وكالعروس رغم كونها ثقيلة في الميزان وغالية في الثمن، أو يدفعها أحدهم فوق عجلتين تقف عند الباب كالأحذية، وهو الشخص الوحيد الذي يمكنه الدخول إلى منازلنا ومطابخنا فيشم روائح أطعمتنا ويتفرج على محتويات غرفنا ومستويات معيشتنا، لأنه مكلف بمهمة تركيب الأنبوب البلاستيكي في فم قارورة الغاز أمام مرأى ومسمع ربة البيت التي تعاود السؤال وتلح عليه بتغيير تلك الجلدة الدائرية السوداء التي تمنع أي تسرب لتلك الرائحة الكريهة التي تمت إضافتها للغاز المسال مثل البوتان للتعرف عليه عند حدوث أي تسرب، وللتأكد من توفر شروط السلامة، لا يقوم صاحبنا بصب فقاعات الماء والصابون على مخرج الغاز، بل وبدون حيطة ولا حذر، يطلب منا عود ثقاب أو ولاعة ليشعلها قرب فم قارورة الغاز ليعطينا الدليل بأنه أحكم إغلاق منافذ خروج غاز الطبخ وينسى بأنه يلعب بالنار وقد يتسبب في الاختناق أو الانفجار أو الدمار، وبالتالي، يفتح دفتر الجرحى والوفيات من جديد، كل ذلك نتيجة غياب الحملات التحسيسية للتنبيه بضرورة تغيير هذه الممارسات والحرص على ضرورة عدم شراء واستعمال أنابيب وقوابض وإكسسوارات غير صالحة، وتجنب وضع قنينات الغاز في وضعية مائلة أو أفقية لاستخراج ما تبقى في جوفها من غاز، بالإضافة إلى معاقبة الشركات التي تتهاون في سحب القنينات المعطوبة والملغومة، وفرض رقابة على أنواع سخانات الماء الرديئة التي لا زالت تحصد الأرواح، كما لا ننسى هنا، التشهير بالسائقين وأصحاب النقل السري في بعض المدن والقرى الذين يستخدمون قارورات الغاز بدل البنزين أو الكازوال كمصدر وقود للسيارات وذلك لتشغيل محركاتها عن طريق تركيب جهاز لا يتعدى ثمنه 1500 درهم، يجلبه بعض المهاجرين من الديار الإيطالية ويتميز بسهولة تركيبه ويمكن السيارة من قطع مسافة 200 كيلومتر بقارورة غاز واحدة لا يتعدى ثمنها 40 درهما، في حين يكلف قطع نفس المسافة بالبنزين 120 درهما، وبالتالي، أصبحت هذه السيارات عبارة عن عربات مفخخة لا تنتظر دورها بمحطات الوقود.

   إن ضريبة السكوت ليست واجبة، فمزيدا من الحذر والحيطة من البوطا “المسخوطة”.

 

 

error: Content is protected !!