في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | التحضير لانسحاب حزب العدالة والتنمية من الحكومة وعزل العثماني

أسوأ سيناريو للخلاف بين إخوان بن كيران

إعداد: سعيد الريحاني

   مع مرور الوقت، أصبحت الهوة تتكرس بين حزب العدالة والتنمية كتنظيم سياسي دعوي في الأصل(..)، وبين رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، الذي يقود حكومة تضم مجموعة من الحلفاء، هذا الأخير تأكدت محدودية سلطته على أعضاء الحزب، بخلاف بن كيران الذي كان قادرا على “ردع” جميع مخالفيه في الرأي، وإذا كان العثماني قد عجز عن الرد على عبد العالي حامي الدين، الذي اتهمه بالتدليس والتضليل، كما عجز عن إسكات البرلمانية أمينة ماء العينين، التي تقول بأن حكومته ليست انتصارا للديمقراطية.. “فماذا سيفعل في مواجهة بن كيران العائد بقوة إلى الساحة السياسية، مدعوما بالمتعاطفين من داخل الحزب وخارجه، ومدعوما بمؤتمري الغد، الذين سيصوتون عليه لولاية ثالثة، مع ما يتطلبه ذلك من تعديل لقوانين الحزب.. لا شك أن السيناريو الأكثر تفاؤلا، هو قيادة الحزب من طرف بن كيران وقيادة الحكومة من طرف العثماني، لكن ماذا لو قرر بن كيران في حالة فوزه، عدم مساندة العثماني، وهو الذي قال ذات يوم عندما فاز سعد الدين بالأمانة العامة، أنه كان يريد اعتزال العمل السياسي لولا تدخل الراحل عبد الله باها الذي أقنعه بالبقاء، حتى وصل إلى رئاسة الحكومة، قبل أن يتم إبعاده عنها باتفاق بين عدة أطراف بعد حربه الطويلة مع ما يسميه “التحكم” و”الدولة العميقة”(..).

   بتاريخ: 15 مارس 2017، صدر عن الديوان الملكي البلاغ الذي توقعه كثيرون، والذي قضى بإعفاء رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران من مهمة تشكيل الحكومة وجاء فيه: “لقد سبق لجلالة الملك محمد السادس، أن بادر بالإسراع، بعد 48 ساعة من الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية لسابع أكتوبر 2016، بتعيين السيد عبد الإله بن كيران رئيسا للحكومة.. وبعد عودة جلالة الملك، في حفظ الله ورعايته إلى أرض الوطن، بعد الجولة التي قادته إلى عدد من الدول الإفريقية الشقيقة، أخذ علما بأن المشاورات التي قام بها السيد رئيس الحكومة المعين، لمدة تجاوزت الخمسة أشهر، لم تسفر إلى حد اليوم، عن تشكيل أغلبية حكومية، إضافة إلى انعدام مؤشرات توحي بقرب تشكيلها وحرصا من جلالته على تجاوز وضعية الجمود الحالية، فقد قرر، أن يعين كرئيس حكومة جديد، شخصية سياسية أخرى من حزب العدالة والتنمية..”، ورغم أن البيان أشار إلى “المسؤولية العالية والوطنية الصادقة، التي أبان عنها عبد الإله بن كيران، طيلة الفترة التي تولى خلالها رئاسة الحكومة بكل كفاءة واقتدار ونكران ذات”، إلا أن ذلك لم يحل دون تعبير رئيس الحكومة، عن غضبه مما آلت إليه الأمور، فقال في البداية: “.. سأذهب لأتوضأ وأصلي..”، واعتقد الجميع أنه سيطلق السياسة على غرار “رؤساء” الحكومات السابقين، أمثال عبد الرحمان اليوسفي، وعباس الفاسي، غير أنه خلق المفاجأة بتسريبه لبعض كواليس المشاورات، ومنها لقاؤه مع مستشارين ملكيين، حيث قال: “إن مستشاري الملك محمد السادس، دققوا معه حول اتهامات زعماء أحزاب المعارضة”، مضيفا أنه “أمدهم بدوره بأشرطة توثق لما يقولون أيضا، ومنذ ذلك الحين، لم يتحدثوا معه”.. وهو ما يؤكد أن بن كيران لم يستطع لقاء الملك طيلة المدة التي كانت تجري فيها مشاورات تشكيل الحكومة، وربما شك في أن الملك لم يتوصل بتسجيلات زعماء الأحزاب الذين تفاوضوا معه، فقرر أن يكشف أنه بعث للملك محمد السادس تسجيلات رؤساء الأحزاب، لتأكيد “كذبهم” حسب وجهة نظره.. غير أن هذه التصريحات لم تكن سوى مقدمة لتصريح سيكون له ما بعده، فبينما كانت الطبقة السياسية تنتظر تطبيع بن كيران مع وضعه الجديد (رئيس حكومة سابق)، واعتزال السياسة، فإن هذا الأخير قال إنه لن ينسحب من العمل السياسي: “لن أنسحب من إبداء الرأي انطلاقا من موقعي كأمين عام لحزب العدالة والتنمية، وسأستمر في إبداء رأيي ومواصلة المسيرة مع إخواني”، وهو ما يعني مواصلة بن كيران لمهامه على رأس الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أي تكريس تحرك حزب العدالة والتنمية برأسين، رأس في الحكومة (العثماني) ورأس في الأمانة العامة (بن كيران).

   تصريح بن كيران بمواصلة العمل السياسي، كان بمثابة الشرارة التي أشعلت نار التمرد داخل حزب العدالة والتنمية الذي عرف أعضاؤه بالانضباط التنظيمي، حيث لم يعد يخفي عدد كبير منهم تعاطفهم مع بن كيران، كما لم يخف عدد كبير من أعضاء الحزب، غضبهم من عودة بن كيران، بل إن عبد العزيز الرباح قال: “هناك منطق يفرض نفسه، ويصعب علينا أن نذهب برأسين لقيادة المرحلة المقبلة، أي أن يكون هناك رئيس حكومة وأمينا عاما.. السي عبد الإله له مكانته وستبقى، ولكني أعتقد أن الحزب لا يمكن أن يستمر برأسين.. بن كيران سيكون له الموقع الذي يستحقه” (المصدر: حوار الرباح مع الأسبوع الصحفي عدد: 23 مارس 2017)، غير أن هناك جناحا كبيرا يدعو لتجديد الثقة في بن كيران، وهو ما يعني عمليا، التمييز بين الحزب والحكومة، وعندها سيطرح إشكال، هل سيخضع العثماني لإملاءات الحكومة التي يشارك فيها أخنوش وحلفاؤه في الأغلبية، أم سيخضع لتوجيهات الأمين العام للحزب الذي صوت عليه المواطنون؟

   يقول أفتاتي على سبيل المثال، والمثال هنا يوضح مدى تباعد وجهات النظر في أفق انعقاد المؤتمر: “إن الالتفاف حول بن كيران ضرورة حتمية.. إن قدر العدالة والتنمية هو إحداث التمايز بين الحزب والحكومة”، وفي معرض جوابه حول تعارض قوانين الحزب مع مسألة تجديد الثقة في بن كيران كأمين عام، قال أفتاتي: “أنا كان لي رأي آخر منذ مدة، وهو أن نعقد مؤتمرا استثنائيا، ونعدل القوانين، ونزيل حكاية تحديد عدد الولايات على رأس الحزب، مادام أن القضية مرتبطة بإرادة الشعب، فإذا احتضن الشعب الحزب من خلال أحد قيادييه، فلا يمكن إلا أن نجدد الثقة لهذا القيادي (بن كيران)” (المصدر: حوار أفتاتي مع جريدة الأسبوع الصحفي بتاريخ: 13 أبريل 2017).

   قد يقول قائل: “لا توجد أي مشكلة في حزب العدالة والتنمية ولا هم يحزنون” طالما أن نواب الحزب في مجلس النواب صوتوا على برنامج العثماني؟ لكن أصحاب هذا الكلام لم يأخذوا بالتأكيد كون عبد الإله بن كيران، هو الذي أصدر الأوامر بالتصويت على برنامج العثماني في مجلس النواب، بعد أن جمع كل البرلمانيين بصفته رئيس الحزب، وقال لهم صوتوا لبرنامج العثماني، علما أنه هو شخصيا تجنب التصويت عليه، من خلال تقديم استقالته من مجلس النواب، تماما كما تجنب في وقت سابق، مباركة تشكيل الحكومة، ويفسر محمد يتيم المنتشي بالوزارة، بأن “استقالة بن كيران من مجلس النواب، كانت قرارا سابقا على تشكيل الحكومة، فمنذ ترشيحه في اليوم الأول، كان هناك توجها  يقول بأنه سيقدم استقالته إذا لم يحصل الحزب على المرتبة الأولى..”، غير أن كلام يتيم لا يصدقه أحد.. لا سيما وأنه تزامن مع حملة تبادل الاتهامات داخل الحزب، فهذا عبد العالي حامي الدين، عضو الأمانة العامة يكذب رئيس الحكومة العثماني، وهي واقعة لم يسبق لها أن حصلت داخل حزب العدالة والتنمية، ويقول: “إن اجتزاء الوقائع عن سياقاتها واستحضار معطيات وإخفاء أخرى في محاولة مكشوفة لتحويل التنازلات إلى انتصارات، هو نوع من التدليس الذي يؤدي إلى التضليل”، ويوضح حامي الدين عبر صفحته “الفيسبوكية”: “اليوم، أقول من باب الشهادة أمام الله، ورفعا لأي التباس، بأن الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية لم تتخذ قرارا بإدخال الاتحاد الاشتراكي، ولو اتخذت قرارا واضحا لأصدرت فيه بيانا واضحا بكل شجاعة، كما اعتادت على ذلك”.. إذن حامي الدين، لم يكتف بتكذيب العثماني، بل اتهمه بالتدليس، وها هي أمينة ماء العينين، البرلمانية القوية في حزب العدالة والتنمية، تهاجم الوزير عبد العزيز الرباح، وتتهمه بطعنها من الخلف أمام مناضلي تزنيت: “بألم وحسرة بالغين، تلقيت في طريق عودتي من أكادير (حيث شاركتني منصة تأطير تظاهرة فاتح ماي وحيث تناولنا الغذاء في جو أخوي لم تسألني فيه أي سؤال) – تلقيت- اتصالات العديد من الإخوة والأخوات من تيزنيت (مدينتي التي نشأت فيها) يبلغونني استهجانهم واستياءهم من حديثك عني بالاسم خلال لقاء تواصلي عقدته معهم بتيزنيت، ويبلغونني أن أصلهم السوسي الكريم والراقي، منعهم من الرد على كلامك وأنت ضيف بينهم”..

   قلت في معرض ما قلته: “إذا كانت ماء العينين أمينة، تعارض المسار وتنتقد الاختيار الذي اخترناه، فلماذا قبلت بمنصب نائب رئيس مجلس النواب وهي تعلم أن مسار التنازل بدأ بلحظة انتخاب المالكي رئيسا؟ أصدقك القول أنني في البداية لم أصدق الأمر، ومع توالي الاتصالات تأكدت من حقيقته.. الأستاذ الرباح: أخبرني الإخوة أنه في نفس اللقاء تكلمت كثيرا عن المنهج، و أصدقك أنني قد لا أكون أفهم كثيرا في المنهج الذي تعلمه أنت للإخوان والأخوات في مختلف اللقاءات، إلا أن استيعابي المتواضع لهذا المنهج، منعني دائما من ذكر إخوتي بما يسوؤهم في لقاءات هم غائبون عنها لمجرد اختلافي معهم في الرأي و التقدير.. لو كنت انتقدت فكرة عبرت عنها لكان الأمر عاديا وطبيعيا ومن عمق المنهج، لكن أن تختار استهدافي في مدينتي وبين إخوتي (الذين نشأت وسطهم) بطريقة استفزتهم، فهو أمر لم أفهم دواعيه، علما أنك تكلمت أيضا عن الإخوة حامي الدين وحمورو وبلال واعتبرتهم أقلية معلنا عن معلومة نحتاج منك تأكيدها لنا، وهي أن عدد المطالبين بعقد المجلس الوطني لا يتجاوز 7 أعضاء” (المصدر: صفحة أمينة ماء العينين على الفيس بوك).

   بغض النظر عن الخلاف بين أمينة والرباح من حيث المنهج ووجهة النظر إزاء الحكومة، هل كان من الممكن تصور خلاف بين أعضاء حزب العدالة والتنمية في عهد رئاسة بن كيران للحكومة؟ هل من الممكن أن نتصور شنآنا بين وزير من العدالة والتنمية وبرلمانية من نفس الحزب، لولا أنهما يعرفان مسبقا أن رئيس الحكومة لن يتدخل، ولا يقدر على التدخل؟ ألا يعني ذلك، أن بن كيران قد يعود لضبط الأمور طالما أن حزب العدالة والتنمية، ليس حزبا سياسيا بقدر ما هو حركة دعوية اختارت العمل السياسي، ولا ولاء فيها إلا للمرشد الأول، وهو في هذه الحالة، بن كيران، الذي تابع كل هذه النقاشات وهو في العمرة؟ أليس هناك ما هو أسوأ من انشقاق حزب العدالة والتنمية، وهو الانسحاب من الحكومة وعزل العثماني إذا استمر الحال على ما هو عليه(..)؟

error: Content is protected !!