في الأكشاك هذا الأسبوع

الهجرة الإفريقية ورصد التحولات السوسيولوجية في المغرب

محسن زردان. الأسبوع

   منذ فترة ليست بالهينة، بدأ المواطنون المغاربة يتلمسون اتساع وتيرة توافد أفواج من المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، حيث ألفينا نصادفهم أينما حلينا وارتحلنا، بأماكن ومدن مختلفة عبر تراب المملكة، وبشكل يومي، سواء في الشوارع أو في الأحياء السكنية وحتى داخل وسائل النقل، حتى أنهم أصبحوا يشكلون نسيجا اجتماعيا قائما بذاته يتعايش معنا.

   هذا المعطى يطرح مسألة التحولات السوسيولوجية، وكذا الديمغرافية لساكنة المجتمع المغربي في ظل تحول المغرب إلى بلد استقبال للمهاجرين قصد الاستقرار بترابه، وليس بغرض العبور إلى الضفة الأوروبية، التي أصبح أمر الوصول إليها غير متاح، بالنظر لظروفها الاقتصادية الصعبة، التي أفضت إلى تنامي ظاهرة الشعبوية وبالتالي، رفض المهاجرين.

   تزايد عدد الوافدين على المغرب من دول إفريقيا جنوب الصحراء، يطرح عديد الأسئلة، حول الشروط القانونية لدخولهم للبلد، والتي برزت بجلاء من خلال المبادرات التي قامت بها الدولة من أجل التسوية القانونية لعدد منهم، مما يعني أن هناك الكثير منهم يلجؤون للمغرب بطريقة غير قانونية، وهو شيء يرجع لأسباب متعددة، منها الحروب والظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها بعض الدول الإفريقية، كرسها كذلك انتشار خبر مبادرة المغرب للتسوية القانونية للمهاجرين غير الشرعيين، مما زاد من توافد أعدادهم على المملكة أملا في بناء حياة أفضل، فضلا عن صعوبات تواجه الأجهزة الأمنية الحدودية في ضبط تسللهم إلى المغرب.

   وضعية أبناء المهاجرين في أوروبا وأمريكا، ومعاناتهم مع ظواهر العنصرية وسوء المعاملة، وتجميعهم في الضواحي والأحياء الهامشية في المدن، ومظاهر احتجاجاتهم المتتالية في الشوارع بمجرد وقوع حوادث الاعتداء على أحد أفرادهم من طرف رجال الشرطة، يفتح المجال لنا، ويذكرنا بالحديث عن مصير المهاجرين القاطنين في المغرب بعد مرور جيل أو جيلين.

   ستتشكل لا محالة في المنظور المتوسط، جالية مهمة، ستفضل الاستقرار بالمغرب، خصوصا مع ازدياد أطفالهم بتراب البلد، مما سيدفع السلطات المغربية تحت ضغط الجمعيات الحقوقية، والتوجهات الدولية التي تدفع الحكومات إلى الاعتراف بحقوق المهاجرين المدنية والاقتصادية والاجتماعية، إلى التفكير في تجنيسهم باعتبارهم مغاربة مولدا ونشأة.

   إذا كانت الدول الأوروبية المتقدمة وجهة مفضلة ومازالت للمهاجرين الأفارقة، فإن نموها الاقتصادي المرتفع، يؤهلها لتوفير أرضية صلبة لاستقبالهم، من خلال وفرة وظائف الشغل، وضمان مؤسسات اجتماعية قوية تساعدهم على الاندماج، فإن دولة كالمغرب، باعتبارها سائرة في طريق النمو، تواجهها عدة صعوبات، بالنظر إلى هشاشة اقتصادها، وضعف مؤسساتها الاجتماعية، وهو شيء تكشف عنه التقارير الدولية، التي تصنف المغرب في مراتب متأخرة في مجال التنمية.

   وعلى الرغم من ضعف الخدمات الاجتماعية المقدمة من طرف الدولة، فإنه زاد من تفاقمها، إقبال المهاجرين الأفارقة للاستفادة من مرافقها، حتى أنه أصبحت الجامعات المغربية تخصص “كوطا” من المقاعد لطلبتهم، في حين يقصى منها المواطنون المغاربة من دافعي الضرائب، مما يدفع المغاربة إلى التضايق من عملية التمييز التي تلحقهم، والتساؤل هل تنطوي تلك الإجراءات على أبعاد قانونية، أم الأمر مجرد ترضية خواطر المجتمع الدولي على المستوى الخارجي؟  

   إلى حدود الساعة، لا توجد معطيات إحصائية دقيقة عن نوعية المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء، من حيث وضعيتهم الاجتماعية ومستواهم التعليمي، والهدف من قدومهم للمغرب، هل من أجل استكمال الدراسة، أم من أجل البحث عن شغل والاستقرار بتراب المملكة سواء بشكل مؤقت أم دائم، مما يجعلنا نتساءل عن مدى توفر الدولة على استراتيجية واضحة لكيفية التعاطي مع هذا الملف، علما أن دول أخرى سبقتنا في هذا المجال، وأصبحت تفرض شروطا على المهاجرين القادمين، منها إتقان لغة البلد والتعرف على ثقافته وسجله الحضاري، حتى يتسنى لهم الاندماج بسرعة في المجتمع، وهو أمر مازال بعيد المنال في حالة بلادنا، حيث أن أغلب المهاجرين الأفارقة الوافدين، يتواصلون ويدرسون باللغة الفرنسية في مؤسسات مغربية، وبالتالي، فهم ينظرون للمغرب كبلد فرانكفوني أكثر منه بلد عربي أمازيغي، وهنا يكمن خلل واضح، يتطلب وقفة تأمل، وتفكير عميق حول سبل الاشتغال على المحافظة ودعم هوية البلد اللغوية والثقافية.

error: Content is protected !!