في الأكشاك هذا الأسبوع

تقرير | مخطط السري لتحويل وجهات القروض الصغرى إلى أبناك لسرقة أموال الفقراء

حكاية ابتلاع امبراطورية بلاص بييتري لبنك الفقراء

طارق ضرار: الأسبوع

   مع ارتفاع الجدل حول القروض الصغرى ومساهمتها في تفقير الفقير وإغناء الغني، يتبادر إلى ذهننا السؤال عن أحد بنوك الدولة في عهد الحسن الثاني الداعم للفقراء، وما مصير هذا “البنك” أو الصندوق التابع للدولة الخاص بتمويل مؤسسات القروض الصغرى المعروف بـ “جيدة”(..)؟ وهل وقع له ما وقع لبنك الإنماء الوطني الذي نعرف قصته المثيرة من خلال ما كشفت عنه “الأسبوع” سنة 1996، حينما “اعتقلت عناصر أمنية سرية مجموعة من الموظفين داخل البنك، من المتورطين في بيع معلومات سرية وأسرار المعاملات والملفات لمستثمر إيطالي” (عدد 7 يونيو 1996)، وكيف ساهمت هذه الفضيحة بعدها وبسنوات، في ظهور مؤشرات السيطرة على عدد من المؤسسات المالية للدولة، والتي انطلقت خلالها عمليات ترميم المؤسسات المالية بابتلاع “بنك الإنماء الوطني” وبنك “جيدة” من قبل “CDG”، امبراطورية بلاص بييتري(..).

   وبين صناديق الدولة الداعمة للفقراء والممولة من الدولة، ومؤسسات التمويل الأصغر التي وزعت منذ إنشائها إلى غاية نهاية 2015، قرابة 50 مليار درهم معظمها عبارة على سلفات صغيرة، بعدما انخرطت المؤسسات في الأسواق التجارية وابتعدت عن المفهوم التضامني للقروض، حسب ما كان قد سطر لها في جل الظهائر الشريفة والقوانين المنظمة لها، تحولت في غفلة من الزمن ومن مسؤولي الدولة، إلى مؤسسات مالية “جشعة” تفرض أداء فوائد سنوية لا تقل عن 33 في المائة، مكنها من الحصول على مبلغ إجمالي بين “الفائدة” و”أصل الدين” على 67 مليار درهم.

   رقم كشفه تقرير أسود لمنظمة “أطاك المغرب” قبل أيام، مسجلا أن “فقراء المغرب هم من مول مؤسسات السلفات الصغيرة بما مجموعه 67 مليار درهم، وذلك بمعدل كل 3 مليار درهم تستثمره هذه المؤسسات في سوق التمويل الأصغر بالمغرب، جعلها تحصل مقابله على ربح يتجاوز مليار درهم، أي بنسبة تفوق 33 في المائة”، وأكد التقرير أن “حقيقة التمويل التضامني ومحاربة الفقر، ما هو إلا تمويه لدورها السري في ضمان أرباح المستثمرين الماليين”.

   وإذا علمنا أن معظم هذه الأرباح من القروض الصغرى أو قروض الفئات الفقيرة، تشكل قرابة 95 في المائة كانت محتكرة من طرف أربع مؤسسات للتمويل الأصغر، اثنتان منها تعدان فرعين لمؤسستين بنكيتين، وأن عددا من البنوك لازالت تستفيد من حصة هامة من الأرباح الإجمالية لقطاع التمويل الأصغر من خلال المردود المالي لمؤسسات القروض، يمكننا أن نستنتج الحقيقة المرة، وهي أن مؤسسات القروض عبارة عن مؤسسات “وسيطة” بين البنوك والزبناء من الفئات “الفقيرة” و”الهشة”، وهنا تتضح اللعبة المالية في كون “قطاع السلفات، ما هو إلا جزء من القطاع البنكي وقطاع التأمينات الخاصة والسوق المالية، حيث تظهر الغاية الأساسية في ترويج النشاط المالي بين الفقراء وتوهيم الفئات بفوائد يمكن تسديدها، للحصول على أرباح مالية” بعيدا عما يتم التسويق له كونها قروضا تضامنية.

   لاشك أن السوق المالية تستند على معايير البقاء للأقوى في تمويلها للقروض التي تقدمها للبنوك، إذ يتبين أن المعاملات المالية الحالية، المتعلقة بالسلفات والقروض الصغرى، تتيح الحصول على “ربح مالي” يوظف في “الادخار” المالي للبنوك، وهذا “الادخار” تحول إلى مؤشر مالي جعل بنك المغرب يرخص لقروض من نوع جديد بفائدة جد منخفضة لا تتجاوز 2 في المائة، والتي أعلن عنها في مارس 2016، بعدما كانت 2.5 في المائة سنة 2014، الأمر الذي جعل البنوك تحصل على القروض بقيمة منخفضة لتوظفها في القروض الصغرى، بمعدل يتراوح في المتوسط ما بين 6 و7 في المائة، وهنا نلاحظ نسبة الفرق الكبيرة والسلبية على الفئات الفقيرة في نسب الفائدة ما بين 2 إلى 7 في المائة.

   والغريب في الأمر، أن أحد التقارير السنوية لـ “صندوق تمويل مؤسسات التمويل الأصغر بالمغرب” المعروف بـ “جيدة” سنة 2011، قبل أن تبتلعه “CDG”، ويختفي معه المجلس الاستشاري للقروض الصغرى، يعترف أن الصندوق كان يساهم في تمويل قطاع القروض الصغرى بأكثر من 16 في المائة مقابل 75 في المائة للأبناك، وحوالي 8 في المائة للممولين الخارجيين، قبل أن يسجل تقرير سنة 2014، ارتفاع حصة مساهمة البنوك في التمويل الإجمالي، ببلوغها حوالي 91 في المائة من مجموع مصادر التمويل، الأمر الذي يعطي تفسيرا واضحا لتهافت البنوك الكبرى على منح قروض لمؤسسات التمويل الصغرى لما فيها من أرباح على حساب الفقراء.

   وهنا لابأس أن نعود قليلا لقضية إنشاء صندوق “جيدة”، الذي حُول في دجنبر 2006 إلى بنك مختص في تمويل مؤسسات القروض الصغرى المغربية، إذ وصلت حصيلته الإجمالية في سنة 2014 إلى مليار و34 مليون درهم كناتج بنكي صاف، و57 مليون درهم من المنتوجات، وأغلبية رأسمال “الصندوق” البنك تقدربـ 59 في المائة، مكونة من صناديق تمويل عمومية تابعة لكل من فرنسا وألمانيا، وعلى وجه خاص، الوكالة الفرنسية من أجل التنمية “AFD”، ووكالة “KWK” الألمانية، وصندوق الإيداع والتدبير الفرنسي، فيما يملك صندوق الإيداع والتدبير المغربي وبريد المغرب الحصة الباقية بـ 41 في المائة.

   وبالرغم من أن أصحاب رأسمال هذا الصندوق، هم ممولين عموميين محليين وأجانب، إلا أنه يقدم قروضا لمؤسسات السلفات الصغرى حسب شروط السوق، حيث بلغ متوسط الفائدة 5.5 في المائة في سنة 2012، أمام اختفاء المجلس الاستشاري للقروض المحدث بظهير شريف والمكون من لجان وزارية تتابع عمله، وهنا نلاحظ أن المؤسسات المختصة في منح قروض خارجية من أجل المساعدة على التنمية، أصبحت تتدخل بشكل مباشر في التمويل وفق منطق البنوك التجارية، مما يذكرنا بالمآل الذي وصل إليه “بنك الإنماء الوطني” بعد دخوله السوق التجارية والبحث عن الأرباح المالية على حساب الفقراء، وبالتالي، يظهر كيف تمارس اللعبة المالية على الفئات الفقيرة بنشر الوهم حول القروض الصغرى، وما هي إلا قروض ضخمة بفوائدها وتعقيداتها تشبع وتسمن البنوك الكبرى.

error: Content is protected !!