في الأكشاك هذا الأسبوع

رفـقـا بالأسـمـاع والأبصـــار

عثمان محمود. الأسبوع

   أعتقد أنه لم يعد هناك أي داع لاستخدام مقاييس محددة للوقوف على درجة ذكاء الهواتف الذكية التي كثرت في أيدي الناس بشكل لافت، إذ يكفيها ذكاءا، أنها استحوذت على اهتماماتهم، وحضرت حضورا رسميا في حركاتهم وسكناتهم، فباتوا شبه منقادين لها في اللحظة والحين، وإلا بماذا نفسر هذا الاعتكاف الجلي عليها لمسا ومتابعة، حتى في الأماكن التي لا ينبغي أن تكون فيها ظاهرة للعيان، فترى هذا منشغلا بعوالمها المترامية الأطراف، وهو بين الحضور في قمة حفلة من الحفلات، والآخر غارق في بحورها العميقة، وهو بين أصدقائه داخل ناد أو مقهى، وثالث لا يهدأ له بال حتى يلمس شاشتها، وهو على طاولة الدرس والتحصيل، ولا داعي لذكر الذي يخطو خطواته المتسارعة وسط الشارع وعيناه مثبتتان على الشاشة الصغيرة، لا بل يكفينا دليلا على هذا الخضوع والانقياد، هذه السماعات التي غدت اليوم من اللوازم الأساسية لدى العديد من الذكور والإناث على السواء، حتى أن الواحد أو الواحدة منهم، لا يتأتى له الخروج من المنزل، أو التحرك هنا أو هناك دون تثبيتها بإحكام، حتى ولو كان في رفقة، وكثيرا ما ترى مترافقين يسيران جنبا إلى جنب و في أذانهما سماعتان، وأحيانا أخرى تراهما يتقاسمان السماعتين فيسيران في خط مستقيم، في تعبير صادق عن هذا الخضوع، وذاك الانقياد الذي غاب في ظله التواصل بين الأفراد وسط الجماعة، وأثناء الرفقة، كما غاب الاستمتاع بالطبيعة الغناء في الحدائق والمنتزهات، حيث أضحى المتنزهون والمتنزهات منشغلين بهاتيك الهواتف الذكية، حقا إنها ذكية، في حين قل الاستمتاع بالرياضة، فالكثير من الممارسين لرياضة المشي والركض وركوب الدراجات، وما إليها سواء في الهواء الطلق، أو داخل الأندية يضعون السماعات في الأذان، والتي أخذت شكل اللجام رمز الانقياد، والخضوع لتلك الهواتف، حقا إنها ذكية، فأين التحسيس بخطورة هذه الظاهرة التي أساءت إلى التواصل المباشر بين الأفراد في الزمان والمكان الواحد، وساهمت في عزلة الفرد، وهو داخل الجماعة، حتى ولو كانت الأسرة صغيرة، كما أنها أجهدت إلى درجة الإنهاك، السمع والبصر، وأرهقت أصبعين محددين من أصابع اليد، ولا ينبغي إغفال الضريبة المكلفة التي تؤديها فقرات العنق، فليس مستبعدا بفعل هذا الإجهاد المبالغ فيه، أن يكثر استعمال أجهزة تقوية السمع بمعية نظارات تصحيح البصر، لأن إتلاف هاتين النعمتين الربانيتين قد تفاقم تفاقما مهولا، فهل من منتبه إلى هذ الوضع الخطي؟ وهل من مبادرة إلى التوعية بعواقب ذلك الانقياد الكلي للهواتف الذكية، حقا إنها ذكية!؟

error: Content is protected !!