في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | دور التقارير السرية في توجيه السياسة الأمريكية عن المغرب

بقلم: مصطفى العلوي

   مغْربت واحدة من آلاف المتعاطفات مع الملك محمد السادس انتقادها للرئيس الأمريكي “طرامب” الذي لم يفتح قصره في فلوريدا لاستقبال الملك، رغم أن الاستقبال كان منتظرا.. كيف لا، وها هي مجلة “جون أفريك” تكتب بأن “مقربا من القصر الملكي” أكد لها أن موعد الغذاء بين رئيسي الدولتين، سيتم زوال الأحد 16 أبريل، لتختصر المتعاطفة(…) في جلسة مع مجموعة من صديقات المجالس المغلقة(…) انتقادها للرئيس الأمريكي بقولها: يشويني فيه.

   ليتراجع معلق معروف عن قراره بكتابة مقال حول هذا الموضوع، معتمدا على تحليل صحفي آخر، كتب في جريدة شرقية “رأي اليوم” بأن ((الرئيس طرامب، غاضب من محمد السادس، لأنه ساهم في تمويل منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون))، كمؤشر إلى أن علاقات المغرب مع الجمهوريين الأمريكيين لن تكون كما يرام، كما كانت عليه العلاقات أيام الرئيس الديمقراطي أوباما، في مقارنة مواكبة للخوف من الموقف الأمريكي خلال المناقشة القريبة لمجلس الأمن، حول قضية الصحراء، وكلها طبعا توقعات خاطئة، لأن المواقف الأمريكية تجاه القضايا العالمية، لا تتغير في جوهرها وعمقها بتغير الرؤساء.

   وكيف ننسى أن أوباما هذا، عندما كان رئيسا في 2014، لم يكن أكثر ترحيبا بالملك محمد السادس، من الرئيس الحالي طرامب، متذكرين أنه عندما زار الملك محمد السادس، البيت الأبيض في فترة مخيفة كالتي نعيشها الآن، كان مجلس الأمن يحضر قانون تكليف قوات المينورسو، بمراقبة حقوق الإنسان في منطقة العيون، وباقي أطراف الصحراء، لكن الرئيس أوباما، لم يقف في باب البيت الأبيض كما هو معهود، لاستقبال ضيفه المغربي، ملك المغرب، بل كلف موظفة للبروتوكول باستقبال العاهل المغربي، كما أن البيان المشترك في أعقاب المقابلة، ميز بين المغرب والصحراء، لا فرق إذن، كما نرى، بين أوباما وطرامب، ولا بين الجمهوريين والديمقراطيين.

   الفرق، هو بيننا وبين الأمريكيين، نحن الذين نجهل أو نتجاهل أن الإدارة الأمريكية تنطلق من التقارير السرية، وبالدرجة الأولى من تقديرات وتلميحات المنظمة الاستعلاماتية المتحكمة للمخابرات الأمريكية “السيا”، المنظمة التي تبني مخططاتها المستقبلية على أسس كل دولة تتعامل معها، والأسس طبعا، هم الرجال المتعاملون معها في كل دولة، بما في ذلك تصرفاتهم الشخصية، ولابد من التذكير بنموذج صارخ لحادثة سابقة في تاريخ المواقف الأمريكية من أزمة إيران، عندما بدأ الإمام الخميني في منفاه بالعراق يحرك عفاريته لزعزعة نظام شاه إيران، الذي كان الصديق الحميم للأمريكيين، وكانوا يعتبرون نظامه آخر قلعة لهم في تلك المنطقة، انطلاقا من سنة 1953، حينما خطب الشاه في حفل علني، موجها الكلام إلى مدير المخابرات الأمريكية “كيم روزفلت”، وقال له بصوت مرتفع: ((أنا مدين بعرش إيران لله، ولشعبي، ولك يا مستر روزفلت)).

   وبينما الأمريكيون وخبراؤهم يخططون لدعم نظام الشاه، ليكون الجدار الواقي في مواجهة الأخطار المحدقة بالمصالح الأمريكية، عينت الولايات المتحدة، سفيرا أمريكيا قويا، اسمه “ريشار هولمز” ضخم الشخصية، ضخامة السفارة الأمريكية في طهران، المبنية على مساحة مائة ألف متر مربع، وأجهزة واشنطن تستنجد بسفيرها لاستبعاد الخطر الإسلامي للإمام الخميني، وإذا بالسفير “هولمز” يفاجئ حكومته في سنة 1976، بتقرير تناقلته المصالح ووكالات الأنباء، كتب فيه عن محاوريه المسؤولين في الدولة الإيرانية: ((إن المناقشات حتى مع كبار الوزراء والمسؤولين، ليست دائما مفيدة، بالقدر الذي نتمناه لأن الحكومة هنا مركبة تركيبا عاليا، هرميا، وسلطويا، وكل القرارات تتخذ في القمة، وغالبا ما يكون المسؤولون وحتى الكبار منهم، غير مطلعين على السياسات والخطط)) (كتاب رحلة الشاه. وليام شوكروس).

   وتستنجد المخابرات الأمريكية بخبير بولندي كبير، مؤلف كتاب “الحضارة العظمى” عن إيران، واسمه “يازا كابوتشسكي” لتفسير تقرير السفير الأمريكي “هولمز”، فيقفل لهم الخبير البولندي القوس ويكتب: ((إن المحيطين بالشاه، عمال وجنرالات ورجال أعمال ووزراء كلهم مجرد كومبارس، شخصيات ثانوية، الوزراء يحشون الحقائب بأوراق النقود، ويطيرون هاربين، وتمسك السيدات على صناديق المجوهرات ويختفين، وتستولي الشخصيات الثانوية(…) على الأمور(…) فتقطع الأسلاك عن عرش الطاووس، البراق)) (نفس المصدر).

   على هذا المستوى من التقارير، تعتمد المعاملات الأمريكية مع الأنظمة، وليس على اختلاف الجمهوريين مع الديمقراطيين.

   ولا يتعلق الأمر فقط، بحدود الخريطة الجغرافية للمصالح الأمريكية وحدها، بل إن هذه الخريطة، هي من الشساعة التي تجعل المغرب، وطننا هذا، مشمولا بضخامتها.

   وعلى سبيل الحصر، لا المثال، اكتشف ملكنا محمد السادس خلال رحلته الحاتمية إلى أطراف إفريقيا، أن السيدة المسؤولة عن مصاعب المغرب في منظمة الوحدة الإفريقية، هي مدام زوما، تتصرف تجاه المغرب ومحاولاته البحث عن مستقر له في هذه المنظمة الجهنمية، تصرف الأفعى. ومدام زوما، هاته، يقال أنها واحدة من زوجات رئيس دولة جنوب إفريقيا العشرة(…) بينما يقسم الرئيس زوما هذا بأغلظ الأيمان بأنه لن يستقر له قرار، إلا إذا قام بزيارة عاصمة الدولة الصحراوية في مدينة العيون، فما هو سر عداوة هذا العنطيز(…) للمغرب، وهو الذي عندما شاهد منظر الملك محمد السادس يسلم عبد القادر الأنصاري ظهير تعيينه سفيرا للمغرب في جنوب إفريقيا، يصدر أوامره برفض اعتماد هذا السفير المغربي في دولته، وإرجاعه إلى حال سبيله، ويضطر المغرب مؤخرا إلى تعيين قائم بالأعمال، كما كان الحال عليه منذ أكثر من عشر سنوات، في شخص كريم حليم، مبتلعا في صمت، غصة رفض سفيره الذي عاد وظهير تعيينه في حقيبته.

   فما هو السر في هذه العداوة الدفينة بين المغرب وجنوب إفريقيا، وما هو الدور الأمريكي في هذا الموضوع؟

   بداية، إذا كانت مدام زوما قد بهدلت وزير المغرب السابق في الخارجية مزوار، أمام الصحفيين في مؤتمر المنظمة الإفريقية الأخير، فلأنها تنتقم لكرامتها من وزير الخارجية المغربية الأسبق الطيب الفاسي، الذي منعها يوما من المجيء للمغرب، لأنها كانت قادمة من الجزائر، وعندما احتجت، وجه إليها رسالة قبيحة كلها شتم، وكانت وزيرة خارجية لجنوب إفريقيا، وبذلك يكون هو البادئ أظلم.

   ثم إن علاقاتنا مع جنوب إفريقيا كانت على أحسن ما يرام، أيام الزعيم مانديلا، وكانت جنوب إفريقيا من الدول الأولى التي زارها الملك محمد السادس، غداة تتويجه ملكا للمغرب بعد أن استقبل في شتنبر 2002 بحفاوة منقطعة النظير، لدرجة أنه بعد أن قام بزيارة لفيافي وقفار إفريقيا الجنوبية أعجب بحيواناتها ووحوشها، فقامت دولة جنوب إفريقيا بإهدائه مجموعة من الوحوش الإفريقية، ليضع قبل مغادرته لهذه الدولة الصديقة، أسس علاقات دبلوماسية في وقت لم يكن فيها أثر للبوليساريو، ولا للنفوذ الجزائري، وكيف ينسى رئيس جنوب إفريقيا، نيلسون مانديلا أن المغرب كان من أول مناصريه ومؤيديه، وهكذا نصب الملك محمد السادس سفارة مغربية كبرى تشمل ملحقا عسكريا(…) لقيت دعما من خليفة مانديلا، “طامبو مبيكي”، الذي أحس بالتحول الحاصل من طرف قيادة الحزب الحاكم ANC، ليكتب رسالة إلى الملك محمد السادس، وها هو التدخل الأمريكي يتدخل(…) ليخبر الرئيس الإفريقي سفير المغرب، بأنه أيام مانديلا كان الحزب الحاكم تلقى ضغوطا أيام الحسن الثاني، للاعتراف بالبوليساريو، وأن الرئيس الأمريكي جورج بوش، والرئيس الفرنسي ميتران، نصحوا حكومة جنوب إفريقيا بعدم الاعتراف، احتراما لمقام الحسن الثاني، في انتظار قرار الأمم لمتحدة.

   والآن ينصح الرئيس الإفريقي ويطلب من الملك محمد السادس، أن يعود لتوسيط أصدقائه الأمريكيين والفرنسيين بالتدخل لدى الحزب الإفريقي الحاكم لنصح جنوب إفريقيا بتأخير هذا الاعتراف.

   الذي حصل، هو أن السفارة المغربية لم تبلغ الرسالة(…) وانتظرت جنوب إفريقيا، ولم يحصل شيء، فتم الاعتراف بالبوليساريو، وتستفحل الأوضاع بمجيء زوما رئيسا للدولة، ولو قامت السفارة بدورها، لما كان هناك اعتراف بالبوليساريو.

   ولم يتوقف تاريخ المغرب عند هذا الحد الكارثي، بل إن المسؤول المغربي الذي بقي السيد المطلق في السفارة المغربية، أعجبه المقام، وأصبح يهتم بقضاياه الشخصية وأعماله التجارية(…) لدرجة أصبح فيها من ملاك الضيعات هناك في جنوب إفريقيا، وتصرفات سرية لم يكن وزير الخارجية المغربي الطيب الفاسي على علم بها، ربما.

   أحداث تم فيها اغتيال المستشار المغربي في السفارة، نور الدين الفاطمي لأسباب مجهولة(…) واختطاف المسؤول السياسي في السفارة وتعذيبه، وتجريده حتى من ثيابه، ربما لأسباب البيزنس، ليتم إخفاء هذا الحادث، وعدم تبليغه رغم خطورته للرباط، لولا أن مراسلا لوكالة المغرب العربي أعلن في المراسلة الصحفية بخبر الاختطاف، ليتم استدعاؤه للرباط، وتوقيفه من أجل دسارته(…) لتكون الكارثة الأكبر، هي أن هذا المسؤول عن تردي العلاقات المغربية مع دولة جنوب إفريقيا، وبعد أن تم استدعاؤه هو أيضا للرباط، بقي هو المستشار المغربي الوحيد لدى أقطاب الخارجية(…) والمخابرات، مكلفا بملف جنوب إفريقيا.

   وها نحن نرى النتيجة، هذه العلاقات المتردية بين المغرب وجنوب إفريقيا، والتي تسببت في إغلاق السفارة المغربية، وفتح المجال للبوليساريو والجزائر.

   الكارثة التي لو قام الدبلوماسيون المغاربة بواجبهم، وأبلغوا الرسالة التي تطلب تدخل الرئيس الأمريكي، لما تم صنع هيكل العداوة المغربية الجنوب إفريقية، لتصبح غولا يخيف المغرب ويهدده.

error: Content is protected !!