في الأكشاك هذا الأسبوع

تقرير | السكتة القلبية قادمة.. فشل إصلاح نظام التقاعد يفضح التلاعب بملايير مساهمات العمال

طارق ضرار. الأسبوع

   في فاتح ماي من سنة 1996، أي بعد عام من إعلان الملك، الحسن الثاني، بالبرلمان، عن دخول المغرب السكتة القلبية، كشف المحجوب بن الصديق، زعيم الاتحاد المغربي للشغل، لأول مرة عن “السر الخطير” في محاولات إفراغ صندوق من صناديق التقاعد، وكيف تلاعبت الأيادي الخفية في ألف مليار في صندوق الضمان الاجتماعي والغش والتحايل في الاشتراكات، ووضعت 1000 مليار سنتيم في صندوق الإيداع والتدبير “CDG”، عوض الرقم الحقيقي الذي كان يجب أن يكون في 500 مليون درهم لا غير.. “فضيحة انكشفت أيام المدير الحداوي، وجعلت المحجوب بن الصديق يثور على حلفائه بالضمان الاجتماعي ومن أبرزهم الرجل الثاني في النقابة، محمد بن عبد الرزاق” (الأسبوع عدد 17 ماي 1996).

   كان الوقت عصيبا في المغرب آنذاك، وتنبأت “الأسبوع” وقتها بنزيف إفلاس صناديق تقاعد المغاربة، إلى أن جاءت سنة 2000، حيث انطلقت الحقائق في الانكشاف مع أول تقرير لـ “لجنة تقصي الحقائق” بالبرلمان، الذي تفجرت فيه حقائق مجموعة من أسرار التدبير السيء لملايير الاشتراكات الخاصة بالعمال والموظفين، وأجابت عن الأسئلة الحارقة في عمليات تحويل أموال الاشتراكات بطرق مشبوهة وغامضة إلى الأدرع المالية للدولة “سي. دي. جي” و”مناجم” و”بنك الإنماء الوطني”.. حقائق دفعت الدولة حينها للإعلان عن توجه جديد، والتعهد بكشف الملايير المنهوبة من صناديق العمال والموظفين، والعمل على الإصلاح الذي انطلق مع تحقيقات المجلس الأعلى للحسابات، والتي انتهت بتقارير صادمة كشف فيها القضاة عن تكبد الصندوق المغربي للتقاعد لخسائر تقدر بنحو 92 مليون درهم بسبب توظيفات مالية مشبوهة بالاستثمار في أسهم شركة “مناجم” للصناعات المعدنية، وأسهم “البنك الوطني للإنماء الاقتصادي”، وكيف تسبب البنك لصندوق التقاعد في خسائر بلغت 70 مليون درهم، كما كشفت وقتها عن فضيحة شراء “الصندوق المغربي للتقاعد” مجموعة من أسهم “مناجم” لرفع قيمتها في السوق المالية، والتي كبدت الصندوق خسارة قدرها التقرير بنحو 22 مليون درهم، كما بين التقرير خطورة ما تم توقيعه بخصوص “اتفاقية التدبير بين صندوق الإيداع والتدبير والنظام الجماعي”، والتي أسفرت عن توظيف حوالي 4893 مليار درهم في هيئات توظيف جماعي للقيم المنقولة كفروع أو قيم مرتبطة بفروع صندوق الإيداع والتدبير، حيث تحمل هذا النظام المالي مبالغ مهمة كنفقات التسيير، جعلته يصل لخسارة 104 ملايين درهم في الفترة بين 2004 و2007.

   لم يكن توجه الدولة الجديد كافيا للحد من عمليات التدبير السيء، حتى نبه مجموعة من النقابيين عن خطورة ارتفاع وتيرة الاتجاه نحو “رسملة” الصناديق في سنة 2014، بعدما كشفت تقارير من وزارة الاقتصاد والمالية وبنك المغرب، عن ارتفاع نسب التوظيفات المالية من “أموال المنخرطين” التي قامت بها الصناديق الثلاثة (الصندوق الوطني للتقاعد، والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، والصندوق المهني المغربي للتقاعد) إلى نسبة 207.76 مليار درهم، وسجلت بخصوصها التقارير المالية ارتفاعا سنويا بمعدل 6.7% في الست سنوات الأخيرة، تنبيه لم يلق أي أذان صاغية، حيث اكتفت حينها حكومة بن كيران بتشخيص الداء ووصف الدواء في مجموعة من الإصلاحات الاستعجالية، والذي قال عنه بن كيران في إحدى تصريحاته، إنه “الدواء المر الذي وجب على المغاربة تحمله”، قبل أن تتوجه حكومته في أول صعود لها إلى البنك الدولي لاقتراض سيولة مالية، كلفت المغرب اليوم، مجموعة من التعديلات القانونية تسمى بـ “الإصلاح المقياسي” لمعاشات التقاعد المدنية الخاصة بموظفي الدولة في الصندوق المغربي للتقاعد، والتي اعتبرتها منظمة “أطاك المغرب” في تقرير حول قانون المالية برسم سنة 2016، بمثابة “الخطوة الأولى نحو تدمير هيكلي لأنظمة التقاعد التضامنية، وأن هذه التعديلات التي تنص على رفع سن التقاعد بشكل تدريجي من 62 سنة إلى 65 سنة مع الزيادة في الاقتطاعات من الرواتب انطلاقا من 10% حاليا إلى 14% مقسمة على سنتين ابتداء من 2015 والاعتماد التدريجي على مدى 4 سنوات للراتب السنوي المتوسط خلال 8 سنوات الأخيرة عوض آخر راتب حاليا، وتخفيض نسبة الأقساط السنوية لاحتساب المعاش من 2.5% إلى 2% بالنسبة للتقاعد العادي، ومن 2% إلى 1.5% بالنسبة للتقاعد النسبي، ثم رفع المدة الأدنى لطلب التقاعد النسبي إلى 26 سنة عوض 21 سنة للموظف، و20 سنة عوض 15 سنة للموظفة حاليا، ستكون الكارثة الحقيقية.
   وما بين 1996 وملامح السكتة القلبية وفاتح ماي 2017، يقول المتتبعون، أن الخطر لازال متربصا بصناديق التقاعد حتى أفق سنة 2019، وذلك لاحتياجه الضروري لضخ سيولة مالية قدرتها التقارير بنحو 125 مليار درهم؟ خطر حاولت حكومة بن كيران تقليصه، بضخها ملياري درهم للسماح بعجلة المؤسسات بالدوران قبل الدخول بشكل مباشر في الإصلاح الاستعجالي تفاديا لإفلاس الصناديق، حيث وصفه النقابيون بكونه “إصلاحا مقياسيا” بعيدا عن الإصلاح الشمولي سواء بالقطب العمومي أوالقطب الخاص، الذي يهم ثلث الساكنة النشيطة المستفيدة من أنظمة التقاعد، بما فيها نظام المعاشات المدنية وصناديق المعاشات المدنية والصندوق المهني المغربي للتقاعد والصندوق المغربي للتقاعد، وهنا وللتوضيح أكثر، ننقل ما بينه محمد حيثوم، عضو اللجنة الإدارية للاتحاد المغربي للشغل في ندوة علمية حول أنظمة التقاعد، حيث أكد أن “أنظمة التقاعد الحالية غير منسجمة، ولا تفي بالشروط الأساسية للحماية، ولا تجسد مبدأ التضامن بين الأجيال وبين القطاعات والمهن، وأن الأنظمة الحالية على تعدادها لا تشمل سوى 3.5 مليون من أصل 11 مليونا، أي أن الثلثين لا يستفيدون في المغرب من التقاعد، ولم يخف الخبير في مجال أنظمة التقاعد، أن الإصلاح الحالي المعلن، لم يأخذ بعين الاعتبار أو الجدية اللازمة، ما دعت إليه اللجنة التقنية ولا اللجنة الوطنية وتقارير المجلس الأعلى للحسابات بالعمل على نهج الإصلاح الشمولي”، موضحا أن “الأمر ذاته، دعا إليه تقرير لجنة تقصي الحقائق الأخير بمجلس المستشارين، لإعادة الاعتبار للحكامة في التسيير والتمويل، منبها إلى أن تباطأ الدولة في التزاماتها وواجباتها المستحقة منذ 40 سنة والتي لم تؤد لا من ناحية عدد رأس المال المستحق ولا من ناحية فوائده، قد أثر بشكل سلبي على استعمال المحفظة المالية أحسن استعمال، مؤكدا أن الاستثمار في صناديق التقاعد يفتقد لشروط الحكامة” كما حصل في سنة 2006، عندما تمت تسوية متأخرات الدولة تجاه صندوق الضمان الاجتماعي بنحو 11 مليار درهم، وما عرف في 2007 من تحمل الدولة للأثار المالية للمغادرة الطوعية للموظفين بنحو 7.5 مليار درهم.

   وإذا كانت الدولة قد فشلت في استثمار أموال العمال والموظفين الموضوعة لدى صناديق التقاعد، وغابت عنها الحكامة الجيدة، فهل حقا ساهمت المؤسسات المالية الكبرى للدولة في إفراغ صناديق التقاعد من أموالها؟ وهل من العدل أن يتكبد العمال والموظفون اليوم، كلفة الإصلاح على حسابهم، برفع قيمة الاشتراكات ونقص في الخدمات وزيادة في سن التقاعد، أم أن تركيبة وأساس الصناديق كان قائما على الرواج المالي واستثمار الأموال؟ ومعروف أن عمليات البيع والشراء في علم الاقتصاد، قائمة على الربح والخسارة، لكن أن يدخل صندوق مهني للمتقاعدين في عمليات عقارية كما حصل في شراء منتج سياحي بمراكش وكبده خسارة 128 مليون درهم، فذلك ليس من الاقتصاد في شيء، بل هو أمر آخر؟

error: Content is protected !!