في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | سر الحل في الصحراء بين غوتيريش ومبعوثه الشخصي هورست كوهلر

لأول مرة في تاريخ النزاع.. طروحات المغرب والبوليساريو على قدم المساواة لـ “إعلان مبادئ”

إعداد: عبد الحميد العوني

   وصف كريت ويسمان، في “الفاينشال تايمز” البريطانية، دبلوماسية كوهلر بـ “دبلوماسية المدافع” التي دخلها نزاع الصحراء بعد “أزمة الكركرات”، وتغيرت سياسة الأمم المتحدة بعد جلوس المغرب إلى جانب البوليساريو في الاتحاد الإفريقي، فأعلن الأمين العام للأمم المتحدة عن انطلاق المفاوضات من “طروحات واقتراحات” الجانبين على قدم المساواة، بديناميكية جديدة وإيمان، أو روح جديدة و”بدون شروط مسبقة”.

   واختار الأمين العام للأمم المتحدة، الرئيس الألماني السابق، كوهلر مبعوثا له إلى الصحراء، لأن المفاوضات لها تقدير آخر، للمساواة التي قبلها المغرب مع البوليساريو في الاتحاد الإفريقي، ولأن “الحل النهائي”، جزء من الخلفية التي تجمع طرفين في إطار “الحوار بين المتعادلين”.

    وحكمت، هذه الخلفية، مساهمة كوهلر في كتاب حول إفريقيا، شارك فيه 41 كاتبا، منهم: تامبو ميكي، الذي استشاره غوتيريش، وقال له: “إن جبهة البوليساريو والمغرب، طرفان متعادلان في الاتحاد الإفريقي، وعلى الأمم المتحدة، أن تستفيد من هذا الوضع لإطلاق مفاوضات حدود، وليس مفاوضات وجود بين الجانبين، وخيار الحكم الذاتي، يمنع عن الجبهة تقرير مصيرها في دولة، وهذا التقدير صعب في هذه المرحلة”.

عقيدة “حوار المتعادلين” التي فرضها “نزاع الكركرات” على الأرض، وأقرها الاتحاد الإفريقي لقبول طرفي النزاع (الجبهة والمملكة) أن يكونا على قدم المساواة في المنتظم القاري، كرس بعدا جديدا لحل النزاع، بتركيب الحل من مبادرتي المغرب والجبهة، حيث تكون “الدولة” السادسة بامتيازات اقتصادية للمغرب، وحدود لا تمس ما سلمه “اتفاق مدريد” للمملكة

   آمن هورست كوهلر بـ “دبلوماسية المدافع” التي تعود إلى سنة 1850، وقدم استقالته من ولايته الثانية لرئاسة ألمانيا، من أجل هذه القناعة التي يعرف المراقبون، أن آخرها (أزمة الكركرات) في 2016، بعد الأزمة الثالثة لمضيق تايوان (1995 – 1996) و”عملية فوتاج” (1961).

   وامتلك المغرب امتيازا باستعماله المحتمل لقوته البحرية في “نزاع الكركرات” بما ألحق الأزمة بهذا الصنف من الأزمات(1)، فاستدعى غوتيريش الرئيس الألماني السابق، لامتلاكه ناصية المفاوضات من ثلاثة أركان:

   ـ مع حالة صدام بحري في الكركرات قد يمتد إلى لكويرة ونواذيبو الموريتانية، ويعرف كوهلر “دقائق استراتيجية حول مذهبه المعروف بدبلوماسية المدافع” كما تقول “الفايننشال تايمز”(2).

   ـ حوار بين المغرب والبوليساريو، يساوي “الحوار العسكري المتوازن” الذي حدث على الأرض في الكركرات، والحوار السياسي داخل الاتحاد الإفريقي.

   ـ الانطلاق من طروحات المغرب والبوليساريو، وعلى قدم المساواة، لإطلاق الجولة القادمة بدينامية جديدة وروح جديدة(3).

   واتفق غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة والرئيس الألماني السابق في جلسة من 75 دقيقة، تخللها عشاء خفيف، على:

   1ـ أن ترشيح “رئيس دولة” لإدارة المفاوضات، طمأنة لإبراهيم غالي، المؤمن بـ “دولته”، والمغرب الذي يريد، بأي ثمن، شخصا أوروبيا خلفا لكريستوفر روس.

   2 ـ أن المغرب يرفض لقاء البوليساريو على قدم المساواة بعد جلوسهما معا في الاتحاد الإفريقي، ولا يجب “ذكر الاتحاد الإفريقي في أي تقرير جديد”، والرباط أمامها خيار واحد، الجلوس مع البوليساريو على قدم المساواة تحت يافطة الأمم المتحدة، أو الاتحاد الإفريقي، أي أن المغرب أمام “دولة” أو “في طريق الدولة”، فالمسألة تتحرك كي تكون “مسألة حدود” وليست مسألة وجود بين البوليساريو والمملكة، والجولات القادمة تهيئ الشروط لرسمها. 

   3ـ أن لدى غوتيريش، طلبا من رئيس الاتحاد الإفريقي، ألفا كوندي، بنقل المفاوضات السياسية بين المغرب والبوليساريو، بدعم من مجلس الأمن وقرار منه، إلى الاتحاد الإفريقي، فيما تواصل الأمم المتحدة ولايتها على إقليم الصحراء.

   4ـ لدى غوتيريش، المبادرتان: المغربية والتي اقترحتها جبهة البوليساريو، وعالجتهما ورقة واحدة بدقة وحرفية في الصياغة، وعلى مستوى الفقرات كي تكون “إعلان مبادئ”.

“إعلان مبادئ” من دمج المبادرتين: المغربية والتي اقترحتها جبهة البوليساريو، لتمكين المفاوضات من نتائج تكسر الجمود الحالي وتؤسس لحل نهائي

   يبدأ إنجاح مفاوضات المملكة وجبهة البوليساريو من إخراج مخيمات تندوف من حالة الفقر، وقدرت الأمم المتحدة إضافة 17 مليون دولار في هذه السنة، لتجاوز العجز في أوساط اللاجئين، ويتفق الأمين العام للأمم المتحدة، الذي اشتغل على ملف اللاجئين مندوبا ساميا في المنظمة الدولية، وكوهلر، المؤمن بأن الفقر منتج اقتصادي للصراع(4)، أن معالجة “فقر المخيمات” هو الجزء الرئيسي في إجراءات مواكبة للمفاوضات بين طرفي النزاع، فالمسألة لا تتعلق بالدور (السخي)(5) الذي يجب على الأمم المتحدة صرفه، والتواصل معه “لتحقيق المرونة” من جانب البوليساريو وإبعاد خيار المواجهة.

   والواقع، أن ما يقترحه غوتيريش ومبعوثه كوهلر يتلخص في:

   1ـ خفض منسوب اليأس في مخيمات تندوف، لإعطاء المرونة الكافية لمفاوضات تشارك فيها جبهة البوليساريو، ولن يكون ذلك سوى بـ “سخاء” الأمم المتحدة لتعويض الفشل الذي حدث لما سمي “اللجوء المريح” في وصوله إلى الأهداف الموضوعة، وحاليا تكون محاربة الفقر في المخيمات وأوساط الصحراويين تحت الإدارة المغربية من “واجب الأمم المتحدة”.

   2ـ “المفاوضات العادلة” بين البوليساريو والمملكة.

   3ـ أن بناء “شراكة عادلة” بين الدولة التي تريدها البوليساريو ومحيطها، لن يكون جزءا من الشراكة ضمن إفريقيا ومع إفريقيا(6)، بل بين المغرب والبوليساريو على ضوء تركيب المبادرتين المغربية والمقترحة من جبهة البوليساريو.

   ويؤسس هذا التقدير لـ “حوار عادل” و”متعادل” بين المملكة والبوليساريو، والحوار بين المتعادلين استمرار للحوار العسكري “المتعادل” في “أزمة الكركرات”، وهذه قناعة كوهلر من خلال ما يسميه “ديالوغ أوف إيكواليز”(7).

تعيين رئيس دولة مبعوثا شخصيا للأمين العام للأمم المتحدة “تصعيد رمزي” لرسم معالم الحل في الصحراء، لأن المغرب تعايش مع “دولة” البوليساريو في الاتحاد الإفريقي

   في كتاب حول إفريقيا(8)، نجد أن مساهمة كوهلر، تعتمد “العدل” و”التعادلية الدبلوماسية” في أي شراكة، والرئيس الألماني السابق الذي حقق رقما قياسيا، 72 في المائة من الشعبية صيف 2005، يعرف أن “الوطنية” جزء من تركيب الصراع في القارة السمراء، كما دافع عن “وطنيته المحافظة” دائما، وهو يدرك أن الصراع في الصحراء، لا يخلو من هذا الوازع.

   وعلى هذا الأساس، لابد من حوار “متعادل” بين المغرب والبوليساريو، وهي قناعة للأمين العام للأمم المتحدة، ولا يمكن للمغرب أن يرفض بشكل مفتوح، وبعد ما حدث مع ثنائي بان كيمون ـ روس، المقاربة الجديدة، لأنها الوحيدة الموجودة على الطاولة.

   وأسقط غوتيريش عن مبادرة “الحكم الذاتي” أوصافها وامتيازاتها، وتوازنت الأفكار بين الطرفين لإنتاج حل نهائي يبدأ بـ “إعلان مبادئ” مصاغ بشكل كامل، وفي فقرات ذكية.

   ويعود هذا الأمر إلى مفهوم “الشراكة العادلة” التي يؤمن بها هوكلر، ويقدمها عن غيرها من معايير العصر، وفرض هذا التطور على ثنائي غوتيريش – كوهلر، بناء “تقدير آخر لمشكل الصراع” في ظل سكوت مغربي ومتابعة “دقيقة” لأبعاد الصراع التي تغيرت، وخلقت اختيارا جديدا في الكركرات، وصل معه الطرفان إلى تأكيدات منها، أن البوليساريو، أقرب للحرب مع رئاسة إبراهيم غالي، وأن المغرب يبني مصالح استراتيجية في غرب إفريقيا والمنطقة، ولا يريد أن ينقل لجيشه إدارة تفاصيل هذا الورش.

   وأهلت هذه الخلاصة كوهلر، الذي فاوض موسكو لسحب القوات السوفياتية من جمهورية ألمانيا الديمقراطية، كي يكون قادرا على خلق شروط أخرى لانسحاب غير مشروط من الكركرات تبعا لما دعاه تقرير الأمين العام للأمم المتحدة “المهاجمين الصحراويين”:

   1ـ أن البوليساريو تريد انطلاق المفاوضات بدون شروط مسبقة، أي بدون انسحابها من الكرارات، رغم سحب أي وصف لمبادرة المغرب بشأن الحكم الذاتي، وعد مبادرة البوليساريو على قدم المساواة مع المبادرة المغربية، لأن انضمام المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، أسقط أي امتياز للطرفين، لأنهما على قدم المساواة في المنتظم الإفريقي.

   وتتمسك الجبهة بعودة الوضع إلى 1991، أي بدون طريق بري نحو موريتانيا، أو إسقاط كل شروط مسبقة للمفاوضات، بما فيها المنسوبة للأمم المتحدة.

   2ـ أن المغرب يدخل بدون شروط لهذه الجولة المرتقبة من المفاوضات، لأن استقالة كريستوفر روس تمت، ولا يمكن إضافة شرط آخر.

   3 ـ موريتانيا والجزائر، شريكان في أي حل لقضية الصحراء انطلاقا من تعديل “أزمة الكركرات” لميزان القوى، وقد انعكس الأمر على التقدير السياسي للمرحلة.

   4ـ أن مواصلة المفاوضات الأممية، ستكون مع “دولة” إفريقية اسمها البوليساريو، وليس مع تنظيم مسلح فقط، ولا يمكن تجاوز هذه الصفة التي يدعمها المجتمع الإفريقي بعد ضم المغرب، ويريد الاتحاد الإفريقي استعادة حل قضية الصحراء، ولا يمكن للأمم المتحدة التي عقدت اتفاق وقف إطلاق النار مع جيش البوليساريو، ويعد الطرف الثاني في الحفاظ عليه، سوى إعادة تثمين دوره في ما يدعى بـ “عدالة الأطراف” في أي صراع لإنهائه، وهذه المقاربة تنقل الصراع بعد “أزمة الكركرات” إلى مرحلة جديدة.

   ويقترح كوهلر، أن تشارك هذه القوات في المفاوضات مباشرة، ووزير دفاع الجبهة مؤهل لقيادة هذا الدور لإبعاد “كاريزمية” إبرهيم غالي.

   والواقع، أن التفاوض مع غالي، يختلف عن سلفه، فهو لا يعتمد سوى على “تكتيكات” الأرض، وليس على تقديرات أخرى.

   وكوهلر، الذي عاش لاجئا في معظم حياته، ومولود في سيسكو بتشوف، المسماة حاليا، هيدن شتاين ببلونده، وطني ألماني وعسكري، ويبدو من هذه الناحية، متفهما لأوضاع البوليساريو وساكنة المخيمات، كما يتفهمها غوتيريش، لماضيه الأممي في المندوبية السامية للاجئين، وتكوين كوهلر الاقتصادي (دكتوراه) وعمل في مناصب مالية في بلاده، وشغل منصب مدير لمؤسسات التمويل الدولي بواشنطن قبل أن يرأس ألمانيا، يعرف جيدا منطق المغرب.

   ويمكن أن يخرج الرئيس السابق لأكبر قوة اقتصادية أوروبية، بتوليفة لحل نزاع الصحراء من بوابة الاقتصاد والبعد الإنساني لأزمة اللاجئين.

   وركزت جبهة البوليساريو على “العلاقات الاقتصادية” مع المغرب لضمان مصالحه، فيما تريد ضمان مصالح جيوسياسية للجزائر وموريتانيا، وقرر غوتيريش إدخال الدولتين في المفاوضات إلى جانب مجموعة دول أصدقاء الصحراء التي طالبت الجبهة بحلها لأنها من دون مردود.

   5 ـ مطالبة البوليساريو بحل “مجموعة أصدقاء الصحراء”، دفع الأمم المتحدة لتمتيع الاتحاد الإفريقي بهامش المناورة الضروري، لوجود المغرب إلى جانب “دولة” البوليساريو في الاتحاد، وفرضت على أنطونيو غوتيريش تعزيز مكانة الجزائر وموريتانيا في المفاوضات لحل النزاع.

   وبين التقدير الإقليمي والقاري، حصر مكتب غوتيريش المفاوضات الأممية بين طرفي النزاع، وفي جواره لإبعاد أي تأثير إفريقي (انضمام المغرب إلى الاتحاد الإفريقي) أو “أوروبي” (قرار محكمة العدل الأوروبية الذي يميز الصحراء عن المغرب) على صورة الحل، وترغب الأمم المتحدة في احتكار الملف، وهو ما تعتبره المملكة شيئا رئيسيا في تقديراتها.

   ومحاولة غوتيريش احتكار ملف الصحراء، يزيد من تركيز كل الجهود الدولية في انطلاق مسلسل جديد من المفاوضات.

   6ـ من المهم أن تكون المفاوضات من دون شروط، لأن مجلس الأمن الذي أثبت انقسامه في “أزمة الكركرات”، سيكون، ولا شك، منقسما بشأن الحل.

    وخسرت الولايات المتحدة دورها منذ استقالة جيمس بيكر، الذي وحد المجتمع الدولي على “خطة للحل” صادق عليها مجلس الأمن بالإجماع، واستقالة كريستوفر روس، رفض لجهود العودة إلى “مشروع بيكر”.

   وتفاعلت الأمم المتحدة والمغرب مع هامش إقالة الدور الأمريكي في المسلسل، وتنتظر واشنطن العودة من الباب، فور فشل مشروع غوتيريش المدعوم من المملكة، ومن فرنسا، من خلال دعم ترشيح الألماني كوهلر مبعوثا خاصا للأمم المتحدة.

   7- رفع غوتيريش السقف عاليا في الأمم المتحدة بتسليم مهمة المبعوث الخاص لرئيس دولة، ولا يمكن للولايات المتحدة أو روسيا، قبول أن يكون رئيس سابق لإحدى القوتين، مبعوثا خاصا للأمين العام للأمم المتحدة.

بريطانيا داعمة قوية لعمل الألماني كوهلر

   رفضت الولايات المتحدة الأمريكية، الرئيس السابق لألمانيا في تقلده لمناصب دولية، ولولا دعم بريطانيا، لما وصل كوهلر إلى منصب المدير العام لمؤسسات التمويل الدولي (إف. إم. إي) واعتبرته واشنطن “وحشا” يجب أن يعود إلى حدوده، واستخدم دبلوماسيون العبارة مباشرة على الهواء، وأيا تكن العبارات مختلفة، فهي تتوحد في شيء رئيسي: كوهلر “وحش”، وهو ما أساء في لحظة صعبة مع شعبه، دفعته إلى الاستقالة حين أقر مشاركة بلاده في العملية الأوروبية “أطلانطا” لتأمين البواخر من القراصنة الصوماليين والشعب يناقش المشاركة الألمانية في حرب أفغانستان.

   إن كوهلر، وطني محافظ(9)، وتسبب في تقديرات جرى فيها تغليب الدور العسكري لألمانيا على أي دور آخر.

   والوصول إلى توليفة عسكرية ـ أو أمنية ـ اقتصادية، جزء من عبقريته الخاصة، وهي الجزء الهام من حاجة الصحراويين والمغاربة إلى حل، فهذا الرئيس، من الأقلية الألمانية في باسارابي في حدود الرايخ الثالث ومن هوامش العاصمة المولدافية، يعرف جيدا الرايخ، والبعد التاريخي في النظرة المغربية، لكنه يميل إلى مبدإ تقرير المصير دون التزام بـ “الاستفتاء” أو غيره.

   وركز كوهلر وغوتيريش على مبدئية حق المصير، دون ربطها بأي شكل من أشكاله إلا عبر المفاوضات، وهذه القدرة في التمسك بحق تقرير المصير، على ضوء ما يراه الطرفان، هي “الجزء العميق” في مناورة الثنائي الذي قضى 4 ساعات في إطار “تفاهم واسع حول رؤية الحل النهائي للنزاع”.

   وحصل كوهلر على دعم قوي من بريطانيا مرتين، ووجهت لندن مذكرة في الموضوع إلى واشنطن متضمنة أهم ما تراه “مناسبا” لدعم مفاوضات “نهائية” لحل قضية الصحراء.

   ويمتلك صاحب، نيشان “فرسان العقاب الأبيض” وجائزة “ستيدر”، ذكاء في المفاوضات من بوابة الاقتصاد، أو المصادر الطبيعية للصحراء، لإقرار حل.

 اتفاق على الموارد الطبيعية للصحراء، يتجاوز العائق القانوني الذي فرضته محكمة العدل الأوروبية على المبادلات مع المغرب، ويشرعن الاتفاقيات بين معظم الدول الإفريقية والمملكة، خصوصا حول الفوسفاط القادم من الصحراء، ولم تستطع المنظمات المساندة لجبهة البوليساريو، إثارة أو إعلان أسماء المستفيدين في القارة، ويريد كوهلر البدء من هذه النقط الاقتصادية الحرجة، والاتفاق حولها، سيفتح الحل على أفق عملي جديد

   إن التركيز على الإجراءات الإنسانية والاقتصادية لحل الجزء الواسع من التوتر بعد “أزمة الكركرات”، يقضي حسب ثنائي غوتيريش – كوهلر، إلى تذويب البنيات المنتجة لتصاعد التوتر في المنطقة، ويباشر غوتيريش “الإجراءات الإنسانية” وكوهلر “الإجراءات الاقتصادية”.

   وهذه الطريقة، مدعومة من بريطانيا وألمانيا والبرتغال، لأن روسيا والولايات المتحدة، لم تهتما باندلاع حرب في الصحراء، كما لم تهتم فرنسا بالطرف المقابل للمملكة في “أزمة الكركرات”.

   ومن التفاصيل المثيرة في الكواليس، أن برلين قررت مصير الإقليم مع بداية القرن العشرين، ويحاول كوهلر بدعم من رئيسة الوزراء، ميركل، الوصول إلى تفاهمات بين الجزائر والمغرب لرغبة ألمانيا في “تفاهم اقتصادي واسع مع دول المغرب العربي”.

   وتدعم المستشارة الألمانية ميركل جهود الرئيس السابق لبلدها، وقررت المزيد من الحياد تجاه طرفي النزاع، ولهذا السبب، نشر موقع “كليماغيتغ أنفو” بـ “أن شركة سيمنس، قد تنسحب من مشاريع الطاقة النظيفة في الصحراء لدعم حياد ألمانيا في قضية الصحراء”.

   وسعي كوهلر، المنتمي لنفس حزب رئيسة الوزراء في حل هذه القضية، خدمة لدور “قديم” يتجدد لألمانيا في المنطقة، من حضور الرئيس السابق لألمانيا حفل رئاسيات الرئيس المالي، كيتا، وإلى دوره الحالي في حل قضية الصحراء.

   ولا يمكن نفي العلاقة الدقيقة بين كوهلر والجيش الألماني(10) في إطار استراتيجية “نقل ألمانيا لدائرة القرار الدولي”، وهزيمتها في الصحراء، ستكون “هزيمة لها في القارة الإفريقية”.

   ودور هذا البلد المحوري في أوروبا يتجسد، لأول مرة، في مشكل إفريقي يهدد أمن الأطلسي (لوصول المهاجمين الصحراويين إلى مياه المحيط الأطلسي) والأمن المتوسطي.

   ولن تكون برلين سوى مسوغة نهائية لاتفاق اقتصادي بين البوليساريو والمملكة، وبين طرفي النزاع ومحيطهما، فألمانيا تؤمن بـ “الإقليم” من واقع تاريخي يذكره كاراتيني في كتابه حول “الركيبات من 1610 إلى 1934″(11)، واليوم يعيش اللاجئون والساكنة انفصال أجيال حاد بفعل التحولات المعاصرة(12)، ولا يمكن لـ “جمهورية الرمال”(13) ــ البوليساريو ـ تحت واقع “أنثروبولوجيا الثورة” أو المملكة المغربية بواقع التاريخ، سوى الوصول إلى حل، لن يكون دون توزيع ذكي للمصالح الاقتصادية، حسب رؤية برلين التي يستعين بها غوتيريش لكسر الجمود السياسي الحائل دون الوصول إلى حل.

   ونزاع الصحراء معقد لوجود نزاع دموي طويل من عهد الإسبان إلى اليوم، وخلق هذا الوضع انكسارا شديدا، دفع إلى توقف كل الأوراش الإنسانية، ومنها العمل الجنائي لمعرفة الضحايا والمختفين، فبين 8 صحراويين مدنيين قتلوا في 12 فبراير 1976، منهم ابن لأحدهم، عادت نتائج تحاليل الـ “أ. دي. إن” إلى إسبانيين، أي أن المعدل المحتمل للصحراويين العائدين إلى “أ. دي. إن” الدم الأزرق الإيبيري، يتراوح في حدود 35 في المائة.

   ويكشف هذا التمازج أثر الاغتصاب أو الود، لأن مسألة القتلى: عبد الله محمد رمضان (أ.4131099)، ومحمد مولود لمين (أ.4520032)، ومحمد علي سلاما سيد أحمد، تكشف إلى أي حد يفرض الواقع العسكري أثره(14).

   وكل حبة رمل في الصحراء، تشهد على حروب متتالية، و”لابد من مقاربة بديلة (اقتصادية) لتجاوز هذا الوضع التاريخي المعقد” كما تقول “النظرة الألمانية” للنزاع، لأن الرباط لا تنظر إلا من منظار اقتصادي ومالي، و”أزمة الكركرات”، لم تعد عسكرية كما تقول المملكة، لأن هذه النقطة هي الشريان البري الوحيد نحو غرب إفريقيا، وتضغط البوليساريو من نفس المقاربة للوصول إلى مكاسب سياسية، فيما يذهب غوتيرش إلى حل المشاكل الاقتصادية من خلال مبادرة البوليساريو لبناء حل.

   ويجد كوهلر في مقاربته المدعومة بطريقة غير مباشرة، من رؤية الشركات العابرة للحدود ومن الرئيس ترامب، محاولة لتجاوز جميع الأطراف للخيار العسكري، لفشل الطرفين الدخول في حرب مباشرة بالكركرات، ولا يمكن لهما، بعد هذا الاختبار، سوى التوصل إلى اتفاق على تقاسم الموارد الطبيعية للصحراء في انتظار حل سياسي لتقرير مصير كامل الإقليم.

   والانتقال من تقسيم الإدارة أو “مشاركة السيادة” كما تطرحها أنواع الحكم الذاتي، أو “التقسيم الترابي” كما قال به بوتفليقة، إلى “تقسيم المصالح الاقتصادية الاستراتيجية” المتضمنة في ورقة البوليساريو، هو انتقال جدي.

   ورأى غوتيريش الحل أخيرا، في تطبيق الجانب التقني (الاقتصادي) لمبادرة الجبهة، ومن هذا الاتفاق، يرسم الطرفان معالم الحل النهائي، ومن الطبيعي، لدى إبراهيم غالي، انتصار “الدولة” على “القضية”، فيما انتصرت “القضية” على “الدولة” عند سلفه محمد عبد العزيز، الذي رفض أي تقسيم ترابي للصحراء، وإن قبل بتقسيم الثروات.

   والإحداثيات الجديدة للمفاوضات، قد تميل ـ في نظر الثنائي ـ إلى مسلسل ثان من المفاوضات، وليس جولات تنضاف لمسلسل “مانهاست”، فالجولات الماضية جولات مؤطرة ، والجولات الحالية غير مشروطة، ووصل الجميع إلى قناعة مفادها أن قدرة البوليساريو على عدم سحب مهاجميها من الكركرات، هي قدرة تفاوضية لا تبدأ مع المغرب، بل بدأت مع الأمم المتحدة.

   ومن المهم أن نعرف، أن “تناوب الاصطدام” مع الأمم المتحدة: المغرب مع بان كيمون وروس، وغوتيريش مع البوليساريو، يعرقل التوجهات النهائية إلى إقرار الحل.

 كوهلر يعرف بذكائه المعهود أفق المقاربة الجزائرية، فالمسألة لن تتعلق بالصحراء  الإسبانية أو المغربية، بقدر ما يكرس المجتمع الدولي التعريف الجيوسياسي للصحراء من خلال مصطلح ـ الغربية ـ

   يريد غوتيريش أن يقود تعريفا جديدا لقضية الصحراء من جوارها الموريتاني والجزائري، ومن مركزية القرار الاقتصادي للمملكة، واختار كوهلر لهذه المهمة التي تبدأ من “الموارد الطبيعية” للصحراء للإجابة عنها، كما في أجندة البوليساريو، وضمن خطة المغرب الاقتصادية في غرب إفريقيا.

   والانتقال من الصحراء ـ الإسبانية ـ التي أعيد رسمها مؤخرا على الصعيد الأكاديمي في المملكة الإيبيرية(15)، وقبول المغرب بتجاوز النظرة التاريخية إلى الشرعية الإقليمية (الاتحاد الإفريقي) والدولية، هو إيمان بعودة إقليم الصحراء إلى آفاقه ـ الاقتصادية ـ كي يتمكن من تقرير مصيره في الخارطة.

   ولم تعارض الجزائر العاصمة هذه الرؤية، لأن هورست كوهلر، قريب من ميركل(16)، ولا تريد الجزائر تراجع مصالحها مع ألمانيا، بل تطوير رؤية مندمجة ترسم معالم حل لمشكل الإقليم (الصحراء) لخدمة المنطقة وأمنها، وتسهل الوصول إلى توافق إقليمي واسع لا يدفع المغرب إلى المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا، بل إن البناء الاقتصادي للمغرب العربي، يحول دون المواجهة العسكرية ويعرقلها، ويقرب معالم الحل، لذلك فالوضع المختلف والمتميز للإقليم عن المغرب(17) رؤية قانونية في الاتحاد الأوروبي، لكنها ـ عبر الألمان ـ تقود النظرة الاقتصادية أسس الحل، ومن الواجب ـ في نظر برلين ـ دعم الاندماج الإقليمي اقتصاديا لهيكلة الحل السياسي “المتوافق عليه”، فلا توافق خارج دائرة المصالح الاقتصادية.

   والمسألة مختلفة عن بيتر فالسوم في 2008، لأن كوهلر ينطلق من منهجية ألمانية تبني السياسة على الاقتصاد، فيما فالسوم، الذي استقال من منصب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة لقضية الصحراء، قال بالحل الجيوسياسي لبناء حل سياسي، ولم يعرض التنازلات إلا من جانب واحد.

   وانتقدت البوليساريو فالسوم وقاطعته كما قاطع المغرب روس (18)، وانتهت المسألة بحرمان طرفي النزاع من حق “الفيتو” ضد المبعوثين الخاصين بالأمم المتحدة.

   وكوهلر، المدرك أن الصحراء في حدودها بين 1884 و1976 اختلفت حاليا(19)، يكشف إلى أي حد يمكن للاقتصاد وحده إعادة رسم الخارطة التي جاء فيها “تراب البيضان” مقابل “تراب السودان”.

   واشترك نظام فرانكو وسالازار في البرتغال، في إدارات تابعة لهما هي حاليا دول، والواقع أن “أزمة الكركرات” التي كان اسمها في 1915 “أكركر”، هي التي فصلت الصحراء الإسبانية عن جزيرة “فرناندو” المندمجة في غينيا الاستوائية، وفي 2016 ـ 2017، يقرر النزاع حول هذا الموقع، التراجع عن الحل العسكري وبداية حل سياسي يجد بوابته من التفاهمات الاقتصادية التي تدخل فيها الصحراء ضمن “إفريقيا النافعة”، وهذا الجزء بالكامل، تحت الإدارة المغربية.

   ولا يمكن إعلان حل “حدودي” أو “قانوني” أو “إداري” لإقليم الصحراء، دون تسليم البوليساريو جزءا مهما من الواجهة الأطلسية من الصحراء، فالمغرب يسيطر في خارطة 1960 ـ 1975 المرسومة من إسبانيا على 6 من مناطق مورو (أي مورو 1 و2 إلى 6) وللبوليساريو جزء فقط من (مورو 4)، وتقسيم الصحراء أو تمييزها ـ اقتصاديا أو حدوديا ـ لن يكون دون رفع منسوب “إدارتها” عبر الصحراويين، وعلى أراض تضمن “الاندماج الاقتصادي” كإحدى خطوات الحل النهائي للنزاع.

الحل النهائي قراءة لغوتيريش لإطلاق مفاوضات تؤكد تقرير المصير “الاقتصادي” للصحراء قبل الحديث عن تقرير المصير “السياسي”

   بدأ التفاوض من الآن على تقرير المصير لإقليم الصحراء، من المفاوضات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، وأيضا من داخل الاتفاقيات التجارية للمغرب مع الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي.

   ويوضح كوهلر هذه الخلاصة من شرطين:

   – العمل مع طرفين متعادلين في الحقوق الاقتصادية، وسلمت البوليساريو بالامتيازات الاقتصادية للمغرب في الإقليم قبل الاستفتاء أو بعده.

   – السعي إلى تأمين مصالح المغرب الاقتصادية، من مرور شاحناته في الكركرات إلى التعدين وغيرها، يؤكد أن جبهة البوليساريو تضغط في الموقع، الذي تريد إدارة غوتيريش أن تبدأ منه.

   وكل التفاهمات ـ المتوقعة ـ بين طرفين متعادلين وعلى قدم المساواة، يقضي بالوصول إلى تقديرات تشمل جزأين في معادلة واحدة: أن ما قدمته البوليساريو في ورقتها لمجلس الأمن، تنازلات اقتصادية كبيرة واستراتيجية تتيح للمغرب تقديم تنازلات سياسية.

   ومقاربة كوهلر ترمي إلى تحويل المبادرتين: المغربية والمقترحة من البوليساريو، إلى مبادرة تقنية ومجدولة، ولها وجه استراتيجي يحدد “الحل النهائي” لمشكل الصحراء.

   لن تكون الحدود الشمالية لإقليم الصحراء في المستقبل، هي خط الدورة، “هاغويس”، “أشدبيرية” والمحبس، أو الحدود التي رسمها “اتفاق مدريد” أو حدود الجدار الدفاعي، بل تعد الحدود المفتوحة جزءا من تقدير المقاربة التي يعمل عليها كوهلر وغوتيريش.

   والجولة الأولى، ستكون صياغة “موحدة” لأفكار الجانبين وطروحاتهم (بروبوزال)، وهي قضية تفترض تدقيقا يتطلب “تمرحل” المبادرة وليس الإيمان بوجود مرحلة انتقالية، ومن الممكن أن ينشأ عن التطوير التنموي للمناطق العازلة، عامل جديد لن يعرقله المغرب، كما لن تعرقل البوليساريو تجارة المغرب والدول المعترفة بها في موضوع فوسفاط بوكراع وباقي الموارد البحرية.

   ومطمح جبهة البوليساريو أن تكون جزءا من”إفريقيا النافعة”، وتريد الأمم المتحدة ضمانات من طرفي النزاع بـ “حل” غير عسكري قرره المغرب من انسحابه في الكركرات، ويريد غوتيريش أن يكون ما حدث جزء من خطة أممية لحل اقتصادي للصحراء “النافعة” ـ أي الواجهة الأطلسية لإقليم الصحراء ـ ويريد كوهلر أن يبدأ المفاوضات من هذه النقطة.

هوامش :

1_ James Cable, gunboat diplomacy: political applications of limited naval force, Chatto and Winbus for the institute for strategic studies, (1971 p: 10).
2_ Gerrit Weismann, Wulf lined up to be next German president, financial times, (3/6/2010).
3_ UN seeks to broker new talks on Western Sahara, al Jazeera, (12/4/2017).
4_ Citation on the occasion of the award of the international Charlemagne prize to president Carlo Azeglio Ciampi of Italy (youtube).
5_ Citation 1/6/2004, archived of the president office of Germany.
6_ Daniel Pelz and Maja Braum (2/6/2010), future of Koehler’s African projects, dw.com 5640987.
7_ Dialogue of equals.
8_schicksal afrika.
9_ Stuttgarter zeitung (29/12/2007).
10_ Budesweher.
11_Caratini ,s .les Rgypat (1610 -1534) 2 vol , l’harmattan , 1989 , paris
12_ Caratini, s.la prision del tiempo la transformaciones sociales en los campos de refugiados saharauis, Bakeaz, cuadernos Bakeaz, (2006, n°77).
13_ Cartinini, s, la république des sables, anthropologie d’une révolution, harmattan, paris.
14_ Junquera identificados ocho saharauis, dos con DNI espagnol, en fosas comunes, EL pais (10/3/2013). 
15_ Barbulo, t, la historia prohibida del sahara espannol,  bercelone, ediciones, destino, 2002.
16_ l’ancien président allemand horst kohler nouvel envoyé onusien, Algérie – focus.com (10/4/2017).
17_ L’UE tient compte du statut  «distinct et séparé» du Sahara occidental dans ses accords, associations avec le Maroc (6/4/2017).
18_ Relance des négociations au Sahara occidental, le Maroc a refusé de rencontrer Ross, Huff post (12/4/2017).
19_ Sahara occidental: mémoires coloniales, regards post coloniaux, Francesco Correale et Juan Carlos Gimno, matin (sur net).

 

error: Content is protected !!