في الأكشاك هذا الأسبوع

إلى وزير التربية الوطنية الجديد محمد حصاد

نور الدين الطويليع‎. الأسبوع             

   بادئ ذي بدء، أهنئك على تقلد هذه المهمة الجسيمة، وعلى الحلول بقطاع فيه تبعثر كل شيء، وفقد البوصلة وخرج عن نطاق السيطرة، فصار كل طرف من أطرافه يجذف في الاتجاه الذي يوافق هواه، ويغرد خارج سرب تفرق وتشتت ولم تعد له قائمة.

   السيد الوزير، يجدر بكم قبل أن تباشروا العمل، تنظيف البيت الذي استوطنته العناكيب وعششت فيه البوم والطيور الجارحة، وخير ما تبدؤون به، هو تصفية ملف الملايير التي صرفت على البرنامج الاستعجالي وذهب كثير منها أدراج الرياح أو أدراج الجيوب، ولكم أن تستعينوا بما أنجزه المجلس الأعلى للحسابات بهذا الصدد، فالإتيان بالجديد وتغيير الواقع، لن يتم، ولن تكون له جدوى، مادام القديم الأسود الحالك ملقيا بظلاله، مستمرا في الزمان والمكان، لأن هذا الأخير، سيكون كالفيروس الذي يبتلع كل وافد جديد ويقضي عليه في المهد.   

   ثم وأنتم تخوضون معركة محو العار هذه، لا تنسوا الجانب الأمني والتسيب الذي جعل من المؤسسات التعليمية قبلة للمنحرفين يعسكرون أمامها صباح مساء، وينقلون عدوى انحرافهم إلى صفوف التلاميذ الذين صارت نسبة كبيرة منهم تعاني من الإدمان على السجائر والمخدرات، نريد أن نمر من أمام المؤسسات التعليمية ولا نرى الغرباء يحومون حولها ويرابضون أمام أبوابها بدراجاتهم وسياراتهم حتى، فلتصدروا مذكرة تدعون من خلالها إلى تعزير المؤسسات التعليمية وتوقيرها، وتجريم أي اقتحام لحرمتها من أي كان، ولا شك أنكم تعرفون الكم الهائل من حوادث الاعتداء، وحتى محاولات الاغتصاب التي تعرضت لها نساء تعليم ضحين بكل شيء وكلفن أنفسهن عناء الانتقال المضني إلى الأدغال والمناطق النائية.

   نريد السيد الوزير، أن تطووا، وإلى غير رجعة، سلوكات غير مسؤولة وتصريحات غير مسؤولة في حق رجل التعليم، فوصفوه بالفاشل والمتخلف والعاجز عن مسايرة العصر، وألقوا عليه حزمة فشلهم في تدبير القطاع، وحملوه ما لا طاقة له به، حتى تحول إلى معرة يتندر به الناس ويزجون به وقت فراغهم، دون أن يدروا أنهم لا يهدمون رجل التعليم بمعاولهم، وإنما يهدمون الوطن، لأنه إذا هان مقدم المعرفة وعارضُ القيم والأخلاق والمبادئ في أعين تلامذته، فستكون بضاعته كاسدة، ولن يهتم أحد بما يقول، بل سيعتبرونه معتوها أو سفيها لا يعدو أن يكون مجرد “حلايقي” يملأ وقتهم ويشغلهم ويحول بينهم وبين تمضية وقت جميل في الدردشة بمواقع التواصل الاجتماعي، أو في مشاهدة مسلسلات العشق والغرام.

   لن تعود للتعليم هيبته إلا إذا احترم رجل التعليم وحُفِظَتْ كرامته سيدي، ولذلك، يجب أن تجتثوا مذكرة العار التي ألغت عقوبة الفصل عن الدراسة، وخلقت الفوضى العارمة بالمؤسسات التعليمية، وجنت على التلميذ قبل أن تجني على الأستاذ حينما أطلقت العنان لمنحرف واحد أو اثنين داخل فصل دراسي ليشوشوا على مدرسهم ويعرقلوا درسه كما يشاؤوا، لتكون النتيجة خسارة القسم بكامله حصصا بالكامل، ربما أمضاها الأستاذ في الوعظ والإرشاد بوجوب الانضباط، أو ربما قضاها منكفئا فوق كرسيه، مطوقا رأسه بيديه من هول صدمة واقع انفلت من بين يديه، ولم تعد له طاقة لمسايرته أو التصدي له تحت طائلة التعرض لاعتداء ما، أو الجرجرة في المحاكم بتهمة ممارسته.

   السيد الوزير، إن أنتم تداركتم هذه المنظومة التي تعاني من الاحتضار، ونشرتم الأمن والأمان في أوساطها، وأصلحتم ما أفسده غيركم، فلكم أن تحاسبوا نساء ورجال تعليم أشد الحساب، وألا تغادروا صغيرة أو كبيرة مما هي واجب عليهم دون أن تحصوها، وأن تفعلوا مساطر المتابعة في حقهم إن هم أخلوا بالواجب، أو قصروا فيه.

   أما إن أنتم تركتم الحبل على الغارب، وهذا مما نستبعده عنكم، فتأكد أن القارب سيغرق بالجميع، وأن الوطن سيكون الخاسر الأكبر، لأننا سنفقد المدرس والمتعلم والأسرة والمجتمع، سينهار المعبد على رؤوسنا جميعا، وحينئذ سيصلون علينا صلاة الجنازة ويودعوننا إلى مثوانا الأخير، مثوى التخلف والظلامية والانحدار إلى الهاوية.

error: Content is protected !!