في الأكشاك هذا الأسبوع

حديث العاصمة | لعاصمة الأنوار أسوأ نقل “حضري” في العالم؟

بقلم: بوشعيب الإدريسي

   لا شك بأن المنتخبين مبهورين بالتنظيم الرائع لوسائل النقل الحضري في عواصم ومدن دول الغرب ويقارنون ذلك بـ “البراريك الطوبيسية” التي تلوث وتخدش المنظر العام لمدينة الأنوار، وطبعا بـ “رعاية” منتخبينا الذين يتبخرون بأدخنتها و”يطربون لأنغام” ضجيج محركاتها ويتمنظرون في “الكراريس” البشعة المتسخة والصدئة التي تبث الكآبة في نفوس المواطنين، ويتفرجون على عذاب ناخبيهم ومواطنيهم داخل تلك الأقفاص وعلى قارعات الطرق “يتشعبطون” للركوب أو النزول من جحيم ابتدعه وأشرف عليه منتخبونا وأخذوه بالأحضان ليبقى جاثما على رقاب عباد الله المقهورين بضرائب ورسوم الجماعة والمعذبين في نقلهم وتنقلهم الذي هو من واجبات هؤلاء المنتخبين ضمانه لراحة الناس الذين سلموهم الأموال والسلطات لحمايتهم من “التكرفيس” بكل أنواعه والدفاع عن حقوقهم الإنسانية والجماعية، فالنقل الحضري هو أيضا حق من هذه الحقوق المهضومة هنا في عاصمة المملكة.

   وسنعرج على واقعة وقعت في عاصمة عربية كبيرة كانت تعاني من أزمة خانقة للنقل الحضري، فاهتدت إلى التعاقد مع شركة أجنبية مختصة في النقل لتزويدها بـ 200 حافلة مريحة تسع كل واحدة 40 راكبا جلوسا، وفي المدة المحددة، توصلت بلدية تلك العاصمة بأسطول الحافلات وبضمانة سنتين على كل تجهيزاتها المخصصة لراحة الركاب، إلا أنه بعد 3 أشهر من الخدمة، ظهرت عيوب سواء في الحالة الميكانيكية أو في الهياكل والإكسسوارات، مما أثار غضب البلدية العربية التي أحاطت الوزارة الوصية علما بالموضوع التي بدورها أخبرت وزارة الخارجية ليصبح الموضوع “قضية دولة”، ومن أجل تطويق المشكل قبل أن يتحول إلى أزمة دبلوماسية، أوفدت الشركة صانعة الحافلات، لجنة تقنية لمعاينة الوضع وإعداد تقرير مفصل حول “الكارثة” واقتراح الحلول لإرضاء البلدية حفاظا على سمعة الشركة، وبالفعل، حلت اللجنة بمطار تلك العاصمة، ومن حرص عمدتها على تبريد غضب السكان على ما تعرضوا له من “نصب”، هرول إلى المطار لتوبيخ الوافدين والاحتجاج على الشركة، وكان الاستقبال محاكمة شرسة تعرض لها التقنيون من طرف العمدة، فتوجهت اللجنة برفقته إلى مستودع الحافلات مرورا بشوارع تلك العاصمة للاضطلاع على “أسرار” سرعة تدهور حافلاتهم، وما إن وصلوا إلى باب المستودع، حتى التمس رئيس لجنة الشركة المصنعة العودة إلى المطار، فانتفض العمدة على هذا الاستخفاف والتملص من المسؤولية، وهدد برفع “الفضيحة” إلى المحاكم، وبهدوء تام أجابه رئيس اللجنة، لسنا في حاجة إلى معاينة، لقد عاينا حافلاتنا وهي تجوب الشوارع انطلاقا من المطار إلى المستودع، ووقفنا على الخلل، لم نتملص من المسؤولية، بل الذي رأيناه كارثي بالفعل، فقد سلمناكم حافلات تتسع لـ 40 راكبا، في حين رأينا الراكبين “متشعبطين” في الأبواب والنوافذ ومؤخرة “الطوبيسات”، وواقفين على الكراسي، مستعملين القفز للهبوط أو الطلوع وعددهم في كل حافلة يفوق 200 راكب وهي لا تتسع سوى لـ 40 راكبا. انتهت هذه الواقعة التي كان مسرحها عاصمة عربية(..).

   واسألوا منتخبينا المكلفين بالنقل الحضري عن الحمولة القانونية لكل حافلة، واستفسروهم عن العدد المصرح به لشركات التأمين، وذكروهم بوضعية الراكبين الواقفين، هل هي عادية؟ أما الحالة الميكانيكية والأوضاع الأمنية لراحة المواطنين داخل “طوبيسات” صارت “براريك” قصديرية متحركة فحدث ولا حرج، في ظل غياب تام للنظافة وصمت مطبق على التجاوزات المتعددة، وإهمال فظيع لحقوق الإنسان، إذ من حق المواطن أن توفر له جماعته حافلات تليق به كإنسان وليس بما نراه اليوم بـ “مباركة” منتخبينا الذين يشاركون في تسييرها من المجالس الإدارية ولجان التسيير.

   ولأن منتخبينا لا يعانون من مشاكل النقل لأنه رهن إشاراتهم سيارات “جابها الله”، فإن نقل الدراويش، مهمش ومهمل وفي الحضيض، والسبب، عدم المراقبة والضغط على الشركات المعنية للالتزام بالقانون المعمول به، فلا صيانة، ولا ضبط في التوقيت، ولا محطات، ولا شبكة لتغطية الأحياء المهمة، وما خفي كان ولا يزال أعظم، فلو لم يكن يتوفر نقل الطرامواي “الراقي”، لكنا بأسوء نقل في العالم يتجرع مرارته الكادحون الذين يصوتون على الذين أوصلوا هذا النقل “الحضري” إلى الحضيض.         

error: Content is protected !!