في الأكشاك هذا الأسبوع

لماذا اختار الملك الدكتور محمد عبد النباوي وكيلا عاما لمحكمة النقض؟

بقلم: رمزي صوفيا

   الدكتور محمد عبد النباوي، الذي حظي بتشريف ملكي من خلال تنصيبه وكيلا عاما للملك لدى محكمة النقض، تدرج في عدة مناصب قضائية مهمة كان آخرها، مدير الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل والحريات لمدة عشر سنوات، والمنصب الذي تقلده يعد بمثابة المدعي العام في دول أخرى، وهو منصب ذي أهمية عالية في التعيين القضائي، لأنه يدخل في إطار المهام الجديدة لهذا المجلس، إذ أن النيابة العامة لم تعد تابعة لوزارة العدل، بل تعمل تحت إمرة الوكيل العام للملك بمحكمة النقض.

   من هو الدكتور محمد عبد النباوي؟ باختصار هو رجل قانون كاتم الأسرار والعلبة السوداء للسياسة الجنائية باعتبار آخر منصب انتقل منه إلى محكمة النقض كوكيل عام للملك، وقد تقلب في عدة مناصب قضائية منذ سنة 1979 سنة انخراطه في السلك القضائي، وهو الحائز على الدكتوراه في القانون سنة 2015 بعدما مر على أسلاك قضائية بمختلف محاكم المملكة المغربية، إذ عين قبلها قاضيا بطانطان سنة 1984، ونائبا لوكيل للملك بكل من العيون والداخلة وأزيلال، ليعين وكيلا للملك في العيون في نفس السنة، وفي سنة 1987، عين رئيسا لمديرية الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل، ثم وكيلا للملك بالدار البيضاء، وعاد مستشارا في وزارة العدل، ثم مديرا لإدارة السجون وإعادة الإدماج إلى سنة 2007، حيث شغل منصب مدير الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل والحريات إلى أن وصل إلى المنصب الأخير كوكيل عام للملك بمحكمة النقض.

   وللدكتور محمد عبد النباوي كذلك صفات مميزة، أولاها التواضع الجم حسب معارفه وأصدقائه ومن تعاملوا معه، وكذلك الصدق والنزاهة، وكان في كل المناصب التي تقلدها، خير مثال للقاضي العادل المنصف بدليل أن الكبير والصغير الذي عرفه يدعو له بالخير.

   بالإضافة إلى الشواهد القانونية التي حصل عليها، فهو أديب وكاتب وأطروحته في أسلوبها الرفيع والواضح السلس تشهد له على ذلك، ولا بأس من ذكر بعض الخلاصات عنها من وجهة نظرنا كقراء، فالأطروحة في جزئها الأول المطبوع بمكتبة “عكاظ” سنة 2015 والمعنونة بعنوان في هذا التخصص القانوني: “تسليم المجرمين بين القانون الداخلي المغربي والاتفاقيات الدولية”، وهي مقدمة للمناقشة أما هيئة قانونية رفيعة ومتخصصة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة القاضي عياض بمراكش التي قدمت يوم الجمعة 8 ماي 2015، ومنحت اللجنة المشرفة للباحث المؤلف، الأستاذ محمد عبد النباوي، الدكتوراه في القانون الخاص بميزة مشرف جدا مع تهنئة اللجنة والتوصية بالنشر، لأن موضوعها لم يسبق التطرق إليه من قبل من الباحثين القانونيين في المغرب، وهذا ما نستشفه من خلال قراءة لمقدمتها في المؤلف المنشور في مطبعة “عكاظ” الجديدة سنة 2015.

   ومما ذكر في المقدمة التعريفية بالأطروحة، نستشف أن الدكتور محمد عبد النباوي، نقل تجربته المهنية كمتخصص في المجال الجنائي وكمسؤول مركزي عن التعاون القضائي بواسطة آلية التسليم بصفته مديرا للشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل والحريات آنذاك، وتميزت أطروحته هذه بكونها أول أطروحة في المغرب في هذا المجال القانوني.

   ولقد كان من أسباب اختياره لموضوع أطروحته “تسليم المجرمين بين القانون الداخلي المغربي والاتفاقيات الدولية”، هو كونه قد اعترضته في مساره المهني كباقي المهن، عدة عراقيل وإشكاليات تتعلق بالتعاون القضائي الدولي عن طريق آلية التسليم، باعتبار أن بعض الإشكاليات التي تهم الجوانب الإجرائية التقنية لمسطرة التسليم، لم يتناولها حتى الفقه المقارن الذي عادة ما يخوض في المعطيات الموضوعية للتسليم، أو على الأقل يتناوله من زاوية متخصصة معينة.

   وتنبه عبد النباوي بعد استقرائه للخزانة القانونية المغربية، أن الموضوع رغم كثرة الكتابة فيه على صعيد الفقه المقارن، لم يستهو كثيرا الفقهاء المغاربة، ومن باب النزاهة العلمية التي يتصف بها الرجل، ذكر كل تفاصيل المعاناة وما عاشه في هذا البحث بتواضع العلماء وبنزاهة قاض يفكر بوضوح ويتكلم بشفافية، ورغم أنه بحث قيم جيدا ومفصل في عدد من الإشكاليات المطروحة في البحث، لا يمكن تلخيصها في مقالة واحدة مقتضبة عن هذا الرجل وأعماله المتعددة في ميدان متشعب ومعقد ويتطلب جهدا معنويا وذهنيا وخبرة قانونية كبيرة.

   وخلاصة، فالمؤلف يتميز بغناه في المعلومات والتطرق إلى كل إشكالاته القانونية محليا ودوليا، وليس هناك أفضل، لأخذ فكرة عميقة، من الرجوع إلى المؤلف بكامله قصد تعميق الاطلاع واستشفاف أساليب الأبحاث العميقة والجادة، ونضيف استئناسا  ببحثه هذا، قوله في مقدمته من ضمن ما قال: ((لما خضت في هذا البحث، اكتشفت أن الموضوع أوسع من تجربتي، وأن الخوض فيه يشكل في نفس الوقت نوعا من المعاناة ويفتح آفاقا واسعة للبحث العلمي، ولما وجدت نفسي مضطرا للرجوع إلى بطون كتب القانون الدولي العام، ثم كتب القانون الدولي الخاص، ثم العودة إلى نصوص قانون المسطرة الجنائية والقانون الجنائي ومغادرتها إلى القانون الدستوري ثم إلى القانون وعمل القضاء الإداريين، أدركت سبب العزوف عن الكتابة في هذا اللون من القانون الذي يتطلب البحث فيه تجاوز اختصاص القانون الخاص رغم كونه من صميم ممارسته، ويتجاوز القانون العام رغم أنه ينهل من منابعه، وأنا أدرك الخطورة التي أقدم عليها، أعتقد أن هذا البحث سيكون انطلاقة لأبحاث متخصصة تأتي بعده للإلمام  بالجزئيات ودقائق الأمور)).

   ومن الأجدر الإشارة في سياق التعريف بالدكتور محمد عبد النباوي، أن تجربته المهنية غنية باعتباره قاضيا استثنائيا في مساره المهني، إذ كان عضوا في الوفد المغربي في الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه عضو في الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة القضاء، كما أنه كذلك، كان عضوا في الخلية الاستشارية المكلفة بدراسة قانون الصحافة (أكتوبر 2013)، وأستاذا سابقا بالمعهد العالي للقضاء، وقد حاز الدكتور محمد عبد النباوي على أوسمة عديدة نذكر منها، وسام العرش من درجة ضابط (2012) ووسام الكفاءة الوطنية من درجة ضابط كبير (2013)، وأشير بالمناسبة، أنه شغل كذلك مهمة عضو بالوفد المغربي لمناقشة تقرير المملكة المغربية أمام لجنة حقوق الإنسان (نونبر 2004)، وكذلك عضوا في لجنة حقوق الإنسان بجنيف (2008-2012)، وعضو الوفد المغربي في مناقشة تقرير المملكة المغربية أمام لجنة مناهضة التعذيب (2010)، وكذلك عضوا في لجنة الوفد المغربي في مناقشات فريق العمل حول الاختفاء القسري، ورئيس الفريق المغربي في برنامج تحديث النيابات العامة – برنامج الحكامة الجيدة- برنامج الأمم المتحدة.

   وخلاصة، فهذا التعيين الملكي للدكتور محمد عبد النباوي، هو بمثابة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ونتمنى له التوفيق في مهمته الجديدة بأعلى سلطة قضائية كوكيل عام للملك في محكمة النقض في المملكة العريقة والمتجددة باستمرار في ظل الملك الهمام، ملك الأمل والإصلاح والتغيير في المملكة التي لا تألو جهدا ومبادرات يقظة مستمرة وملحة لإصلاح القضاء ونشر العدالة التي هي أساس الملك، ومن أولويات ذلك، وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وتلك هي الأمانة بحقها وحقيقتها. 

error: Content is protected !!