في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | المساجد المغربية في فرنسا مصيدة الملايير

في ولاية جديدة لوزير الأوقاف أقدم وزير في عهد الملك محمد السادس

إعداد: عبد الحميد العوني

   المغرب ينفق على مساجده في فرنسا أكثر من الدولتين النفطيتين، السعودية والجزائر، ووصل الغلاف المالي الذي خصصته وزارة الأوقاف لسنة 2016، ستة ملايين يورو، أي مجموع ما أنفقته الرياض (3.759.400 يورو) والجزائر العاصمة (2 مليون دولار).

   يقول تقرير البرلمان الفرنسي تحت رقم “757” المسجل في 5 يونيو الماضي تحت رئاسة كورين فيري: “إن مسجد إيفري، يمثل التيار المغربي في مقابل التيار الجزائري، الممثل في المسجد الكبير بباريس، والبلدان متنافسان، وقد يزيد من تطاحنهما، قرار رئيس المجلس الفرنسي للديانة المسلمة، مضاعفة عدد المساجد في السنتين القادمتين”، وحسب جريدة “لوموند”، فإن “ارتفاع التمويلات الخارجية شيء متوقع لتصير المساجد المغربية في فرنسا، بحق، مصيدة للملايير”.

في “حرب الملايير” بين المغرب والجزائر المالكيتين، وتركيا المدعومة من التيار “الإخواني” والمذهب الحنفي، تقترح وزارة الداخلية الفرنسية، وقفا مؤقتا لبناء المساجد بتمويل خارجي أو من دول خارجية

   جاء إعلان رئيس المجلس الفرنسي، مضاعفة مساجد المسلمين في فرنسا مرتين في السنتين القادمتين(1) زلزالا أمنيا حرك الداخلية الفرنسية للتفكير في “وقف مؤقت” لبناء أماكن العبادة الإسلامية بأموال خارجية، وحسب الوزير، فإن المسألة معقدة، لأن الدولة الفرنسية “لا يمكن أن تمول بناء مساجد بسبب قانون “1905”، والمؤمنون المسلمون لا يمكنهم فعل ذلك لوحدهم”.

   ويقر سكرتير الدولة المكلف بهذا الملف، تيري ماديسون، بعدم كفاية المساجد لـ 4 ملايين مسلم، حسب إحصاء المعهد الوطني للدراسات الديمقراطية “أيند”، مؤكدا وجود مليونين و100 ألف مسلم بين 18 و50 سنة، مقابل 11 مليون و500 ألف كاثوليكي، ويوجد 2368 مكانا لعبادة المسلمين في 2014(2)، منها 64 مسجدا بمئذنة.

   ويتفق الجزائريون والمغاربة على شيء واحد: مضاعفة عدد المساجد في فرنسا(3)، فيما يطرح التمويل(4) رهانا للنفوذ بين أتباع إمارة المؤمنين في المغرب ومناهضيهم.

   ورصدت الجزائر 1.8 مليون يورو للمسجد الكبير بباريس، منافسة بذلك دولتي المغرب وتركيا في 410 عدد مشاريع المساجد كما في آخر عدد من جريدة “المساجد في فرنسا”، وأغلقت السلطات أخيرا، 20 مسجدا حسب السكرتير العام للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، أنور كبيبيش ومساعده عبد الله زكري.

   ويكون المعدل السنوي الممول من المساجد، هو 195 مسجدا، وللتدقيق، يؤكد تقرير فرنسي على حاجيات تصل إلى 10 ملايين يورو لكل واحدة من هذه المدن: بوردو ومرسيليا وميلهوس، و22 مليون يورو تكاليف كل مسجد في ثلاث مدن أخرى.

   وقلل توماس أندرو، مدير الحريات العامة والشؤون القانونية في وزارة الداخلية الفرنسية، من مساهمة التمويل الأجنبي في بناء المساجد، وحدد نسبته بـ 10 في المائة فقط.

   واليوم، يتنافس في الجانب العربي كل من الجزائر والمغرب في نشر مدرستين منسوبتين إلى المذهب المالكي، إلى جانب قطر، المتعاطفة مع تيار الإخوان المسلمين، والإمارات المعارضة له، والسعودية عرابة المذهب الوهابي، و”تقلل هذه التوجهات من فرصة بناء الإسلام الفرنسي” كما تقول دراسة نشرت في 2015، لصمويل لوران وألكسندر يوشار.

   يقول عمار لسفر، رئيس المنظمات الإسلامية في فرنسا: “إن 20 مسجدا فقط هي التي مولتها دول خارجية”.

   ومولت الرياض 8 مساجد بـ 200 ألف إلى 900 ألف يورو لكل مشروع، أغلبها في هوامش باريس (سيرجي – أزنيير..)، وفي ستراسبورغ، وأيضا في بيفور قرب ليون، ومولت الجزائر مسجدها الكبير في باريس، والمغرب مالك مسجد “إيفري” شارك في بناء مسجد “سانت إيتيان” و”ستراسبورغ” و”مونت لاجوري”.

   ويبدو التمويل “مسيسا وضعيفا للغاية” كما يقول بيرنار غودار، الملقب بـ “رجل الإسلام” في الداخلية الفرنسية من 1997 إلى 2014، موضحا لـ “فرانس تي. في”(5) أن “الأموال تذهب إلى المساجد الكبرى البعيدة عن إنتاج الإسلام الراديكالي والسلفي”، واقترح برلمانيون ضريبة على  الذبيحة “الحلال” كما لدى اليهود والمعروفة بـ “الكاشير”، وتشكل لوحدها 30 في المائة من مواردهم المالية.

   ويعارض هذه الرؤية الواقعية المتفاعلة مع مطالب الجالية المسلمة والإسلام الفرنسي، التيار المتحالف مع الرئيس الأمريكي ترامب، واليمين المتطرف لماري لوبين، المتحالف مع روسيا، الداعي إلى لائحة سوداء للمساجد التي يجب إغلاقها(6) تحت مسمى “نشر التطرف”، وأيضا تحت عنوان ثقافي(7).

   ولا تحب فرنسا الفكرة الإسلامية القادمة من خارج تربتها، كما تتحفظ على الهندسة القادمة من الخارج، والتي تحمل إيحاءات في مباني المساجد.

   وتقسم، مجلة “العلوم الدينية”، المساجد في فرنسا إلى “مساجد تاريخية” بين 1905 و1930، وبعد سنوات من التوقف، عادت المساجد التي سمتها “كاتدرائية” بين 1980 و1990، وتتنافس الدول الأجنبية على تمويل علاماتها الحضارية فوق الأراضي الفرنسية، لأن “المنارة” و”وزن التقليد” عاملان يشكلان في نظرها، ما تسميه “الدين المنظور”.

   والواقع، أن 80 في المائة مما يسمى مساجد، ليست سوى قاعات للصلاة، منها 60 في المائة لا تتجاوز مساحتها 100 متر مربع، و20 في المائة 500 متر مربع، و4 في المائة هي مجموع المساجد التي تصل مساحتها إلى ألف متر مربع، منها 20 مسجدا بمئذنة.

   وترى الدوائر الحاكمة في تقاريرها السرية، أن “الأوضاع الحالية للمساجد والتمويلات الخارجية لا تمسان الأمن الفرنسي، وأن التنافس بين الجزائر والمغرب يتعاظم، لكن بعض المساجد (الكاتدرائية) تستنزف هذا المجهود”، فيما تمول الجالية حاجياتها، وقد أقر وزير داخلية فرنسا بوجود 200 مشروع مسجد في 2009.

   وحسب اللائحة، فإن تمويل المساجد على الشكل التالي: 1 مليون يورو في فيوربان، مليوني يورو في ترومبلاي، و2.3 مليون يورو في مونتري و2.7 مليون يورو في فيلنوف، و5 ملايين يورو في كريتاي و8.5 مليون يورو بمسجد “ستراسبورغ” الذي دخل القطريون للمساعدة في إنشائه، وبذلك تصل ميزانية 200 مشروع، بين 385 مليون يورو ومليار يورو، فالمسألة تتعلق بصراع نفوذ داخل الجالية المسلمة للتحكم فيها وفي تأثيرها من خلال إعطاء علامات لانفتاح فرنسا على دول بحد ذاتها، وعلى “مذاهب محددة”.

   ويتقدم اليوم نقاش التمويل على باقي العوامل، لأن المغرب، هو المنافس غير النفطي لثلاث دول نفطية: قطر، الإمارات والسعودية، ولاقتصاد قوي مثل تركيا.

   وهذه المعركة تكلفه حاليا بين 6 و12 مليون يورو سنويا، وهي تكلفة عالية للتحكم والحفاظ على “الشخصية الاجتماعية” لإمارة المؤمنين في الخارج، من خلال 12 مسجدا تتجاوز مساحتها 3 آلاف متر مربع، منها ثمانية في “إيل دو فرانس”.

   ويذكر الجميع، أن الغرض السياسي من بناء المساجد، بدأ من مسجد “نور الإسلام” سنة 1905، ومسجد “أطيب المدارس” في 1920 لجلب الجالية الأندونيسية والقبايليين في الجزائر، وبني “المسجد الكبير” في باريس سنة 1926 بمئذنة تصل إلى 33 مترا من أجل المسلمين الذين ضحوا من أجل فرنسا في الحرب العالمية الأولى، وفي 1930، بني مسجد “ميسيري” في فريجو من أجل الفرق الكولونيالية، ويشبه إلى حد كبير مسجد “الجنة” في مالي.

“وزن التقليد” و”السياسة” في بناء المساجد للوصول إلى قلوب الجالية وإدارة خياراتها العابرة للطوائف والمذاهب، ونظام إمارة المؤمنين يجد جبهته الدفاعية الأولى في فرنسا

   كما تؤكد “دراسة آن لورزويلكي”، فإن “وزن التقليد” يسود عملية بناء المساجد في فرنسا، و”الدين المنظور”(8) جزء من الجبهة الدفاعية لنظام إمارة المؤمنين في فرنسا، لأن هذه الإمارة تسود مغاربة العالم.

   ويسود في هذا البلد الأوروبي “مسجد الخلاف” أو “الضرار” لاختلافات إثنية بين المهاجرين، والمستقبل سينهي المواجهة(9)، وليست هناك فرصة لتعميقها، بما يجعل الأئمة المنتدبين من دولهم، مرفوضين في أوساط المسلمين الفرنسيين في واقع إسلامي غير مرئي (في هوامش المدن الكبرى)، ومرئي (قاعة الصلاة)، ومرئي جدا (المساجد الكاتدرائية) بالقارة الأوروبية(10).

   وفي ظل ما يسميه الخبراء “الآثار الخاطئة” باتجاه الاعتراف(11)، يخوض المسلمون في فرنسا “حروبا صغيرة” لتأكيد مشروعية الأنظمة الحاكمة في بلدانهم الأصلية.

   وتمول مخابرات كل بلد فوق الأراضي الفرنسية اختراقها للجالية المسلمة، وبناء المساجد لا يعدو أن يكون واجهة لعمل سري يضبط أنفاس المتطرفين، ويدير تحركات كل جماعة على حدة، ففرنسا التي تحولت إلى شبكة معقدة من قاعات الصلاة (أو المساجد)، تجد في روادها مشرفين عليها، لأن “حياد” الفرنسيين، يساوي تدخل الآخرين.

   ووزارة الداخلية الفرنسية تغلق المساجد(12) والحكومة لا تساعد على بنائها، وتقوم بزيارتها أمنيا أو بروتوكوليا(14)، وفي هذه المقاربة، يؤكد البرلمان الفرنسي في دورته الاستثنائية وفي الصفحة 14 من تقريره، بأن “الإسلام في فرنسا، ليس ظاهرة خالصة لهذا الدين، بل يؤسس عليه المسلمون رؤيتهم”.

   والفرنسيون من أصول مغربية، ليسوا على خط من لهم أصول جزائرية، بل يرفض الطرفان الأئمة الداعمين للوحدة، وعدم امتداد خلافاتهم السياسية إلى علاقاتهم الروحية، إلى الحد الذي نجد فيه صراعات من داخل المذهب المالكي نفسه، يتورط فيها بلدان جاران، المغرب والجزائر لمجرد خلاف سياسي بين أنظمة الحكم.

   ويدفع المصلون ثمن عدم انخراطهم في الحرب المحبوكة بين الأجهزة الاستخبارية لدول أخرى، لأن الإسلام يمثل اليوم، “مرجعية هوياتية وثقافية مميزة بقيم جماعة محددة، وليس قناعة دينية فحسب”، وبين 3.98 ملايين إلى 4.27 ملايين مسلم في فرنسا(16)، تحاول كل دولة لها مهاجرين استغلال هذه الطفرة لمراقبة رعاياها، وتحديدا المتطرفين منهم، حين تربط وجود الجميع بتواجد إمامة  صغرى لإمامة عظمى في المملكة.

   ومن هذه الزاوية، تصدر الدول المصدرة للهجرة “أفكارها الدينية”، لأن الإسلام الفرنسي المرغوب فيه، لم يغير إلى الآن، الإطار التوافقي للاتفاق “التاريخي” بين الدولة والكاثوليك الرومان الموقع في عهد الجمهورية الثالثة بين نابليون الأول وبابا روما والمعروف بـ “اتفاق 26 ميسيدور”، وفي خلاصة الدولة الفرنسية يدور:

   أ ـ أن الإسلام ليس ضمن تعيين عدد من الوزراء، مما يسمى “العبادات التقليدية”.

   ب ـ وجود تعليم ديني في المدارس العامة تسوده “فوبيا” ضد الإسلام، وينحاز إلى “مسلمين نمطيين لدول وأنظمة صديقة ومتحالفة مع فرنسا”.

   والمغاربة متدينون على العموم، ولا يجدون في تقييم نظامهم سوى تقييما لأنفسهم، كما يشكل تدين بعضهم المفرط، انسلاخا عن المغرب نفسه، بنقل البيعة إلى “أمير القاعدة” أو “أمير المسلمين” (قائد داعش في العراق) في أجواء تؤكد  تقدم منسوب “التدين المفرط” في اتباع الديانات الأخرى على الأرض الفرنسية، فالمسلمون يشكلون 39 في المائة من المتدينين المفرطين في إيمانهم، يتقدمهم اليهود (55 في المائة) والبروتستانت (41 في المائة).

   ومنذ 1871، بنى الفرنسيون مسجدا من أجل لقبايل، والآن يقومون بتنصير هذا الإقليم لحل هذه المعضلة، في نظرهم، وبنوا مسجدا للمغاربة العاملين في صفوف جيشهم، قبل أن ينتقل بناء المساجد إلى المهاجرين من الدول المستقلة حديثا عن فرنسا، فالمسألة الوطنية ضعيفة في الجيل الأول والثاني، وتحاول الأنظمة الطاردة لمواطنيها، إعادة استمالتهم الدينية إليها، وهو “رهان معقد بالنظر إلى نسبة 7.5 في المائة التي يشكلها المسلمون في فرنسا، ولن تنتقل سوى إلى 10.9 في المائة عام 2050″، حسب تقديرات المركز الشهير “بيو”(17).

   وتستعرض الدراسات، تطورا حثيثا للمكون المسلم في فرنسا بعد آخر إحصاء ديني عرفه الفرنسيون، إذ جاء فيه أن 97.5 في المائة منهم “كاثوليك”، لأن خلاصة التقرير البرلماني تحت رئاسة كورين فيري تشمل الملاحظات التالية:

   1 ـ ليس هناك تهديدا حقيقيا لدين الإسلام رغم ما يورده الإعلام الفرنسي.

   2 ـ أن خطاب فرنسا الرسمي، “مزدوج المعايير”، فهو يدعو إلى الحد من تأثير الدول في الحقل الديني (الإسلامي) على أراضي الجمهورية، ويقبل من جهة ثانية، توقيع حكومتها على اتفاقيات مع ما تدعوه “الدول الحليفة”، خصوصا فيما يخص مشكل الأئمة.

في الصفحة 36 من التقرير البرلماني الفرنسي تحت رئاسة كورين فيري، يميز ممثلو الشعب الفرنسي بين الأئمة السفراء الذين يمثلون دولهم، وذكروا الجزائر والمغرب وتركيا، وبين من سموهم “الأئمة المحليين”

   يقر التقرير البرلماني تحت رئاسة كورين فيري بأن “الأئمة في فرنسا لهم خصائص اجتماعية مشتركة، فهم أجانب على العموم، وفقط 20 إلى 30 في المائة لهم الجنسية الفرنسية، ومتطوعون في الغالب، 700 إلى 800 إمام، ثلثهم أئمة مؤقتون”، ويشمل الإحصاء، الأئمة المرتبطين ببلدانهم الأصلية، الذين قدموا إلى التراب الفرنسي في إطار ثنائي، وحصر التقرير هذه الحالات في 151 إماما قادما من تركيا، (في ألمانيا 970 إماما تركيا) و120 إماما من الجزائر و30 إماما من المغرب.

   ويتساءل المراقب لماذا المغرب، الممول الأول للمساجد وبنائها، هو أضعف الدول تعيينا للأئمة في فرنسا؟ والجواب يأتي من تقارير فرنسية عدة: أولها، “أن الرباط، تستثمر في تيارها المنطلق من مسجد إيفري، فهو المقرر في التفاصيل، وأن الدولة تبرمج خطواتها عبر المؤسسة الأمنية المطابقة لرؤية الحليف الفرنسي، وأخيرا، لأن مشكل الأئمة في داخل الجماعة المغربية مطروح بقسوة، ولهذا رفض العبادي، عن علماء المغرب، منصب وزير الأوقاف، لأن ورش الأئمة يتقدم الرهان الرسمي في المملكة لتجاوز مشكلة العنصر البشري في نظام إمارة المؤمنين، وبناء شبكة آمنة في المجتمعات في إفريقيا وباقي الجاليات في العالم”.

   وضرب البرلمان الفرنسي مثالا على التوتر داخل الجالية، من حادثة “بوردو”، وأقصى خلاف حول الأئمة، شهده مسجد “سانت إيتيان” الذي تدخلت المملكة رسميا لإتمام بنائه، وفرضت بالمقابل إمامها عوض الذي اختارته  قواعد الجالية.

   من جهة، لأن الإمام الذي يجتمع حوله الجميع في فرنسا، لا يخدم إدارة الصراع مع المنافسين للمملكة، ومن جهة ثانية، لأن القدرة على اختراق السلفيين، لا يكون إلا عبر سلفي سابق، وثالثا لأن “سانت إيتيان” لا تعاني من توتر داخلي كما في حالة بوردو، ورابعا، لأن الخلاف حول الأئمة، جزء من التحكم في الوضع العام للجالية، فالقضاء الفرنسي يحقق فقط في الاختلالات المالية كما حدث للمسجد الواقع بمنطقة “فال فوري” بضاحية مانت لا جولي، وشاركت فيه وزارة الأوقاف بما يصل 4 ملايين يورو على دفعات، بعضها لم يصرف.

   وجرت التحقيقات بتعليمات صادرة عن وكيل الدولة بفيرساي، واستجوبت أعضاء من جمعية “عثمان بن عفان” المشرفة على المسجد من تاريخ يوليوز 2014.

   ووصل عدد المتبرعين إلى خمسة آلاف شخص، بما شكل هامش تأثير واسع داخل الجالية، قد نجد مثاله البارز في مسجد “سانت إيتيان” حيث انقسم المصلون بين المتعاطفين مع الإمام، عدلي، والرافضين للعربي مرشيش، المعروف بدوره في تهريب أبناء رئيس الشبيبة الإسلامية، عبد الكريم مطيع إلى ليبيا.

   وتعيين الإمام من مكتب الجمعية المشرفة على المسجد، سلوك فرنسي متبع، لكن تمويل أي دولة لبناء مسجد معين، يؤثر على السير الطبيعي للمؤسسات المنتخبة للجالية.

الصراع حول الأئمة وجه من وجوه الخلاف داخل الجمعيات التي تدير المساجد

   يخدم الأئمة “السفراء” القادمين من المغرب، “الأجندة” المطلوبة من العاصمة الرباط، وهؤلاء السفراء “الدينيين” قدموا خدمات انتخابية لحلفاء المملكة في الساحة السياسية الفرنسية، تماما كما في حالة  نيكولا ساركوزي لأجل وصوله إلى الإليزيه، ورد بدوره على هذه الالتفاتة من خلال مسجد “سانت إيتيان” الذي يحمل اسم العاهل المغربي، وقد رصد له 5 مليارات من ماله الخاص لإنجاز هذه التحفة.

   ونظمت الرباط تأثيرها على الجالية المسلمة، مثل العواصم الأخرى المنافسة من خلال المساجد، في فرنسا كما في إفريقيا، التي عرفت جولات ملكية إلى العديد من دولها، وعلق الصحافيون، بأن الدعاية الدينية متطابقة في خارج المملكة، سواء كانت في باريس أو أي عاصمة إفريقية.

   وميزانية الدعاية في العاصمتين الجزائرية والمغربية، وصلت الملايير، واستخدمتها الأجهزة في البلدين.

   ويعتقد الجميع أن الحروب الصغيرة تستهلك الجهد والطاقة، لأن الأوقاف في عهد الوزير أحمد التوفيق، أصبحت طرفا في إدارة الصراعات، وقد اعتبرتها التقارير الفرنسية “امتدادا للسياسة الداخلية للمغرب، لأن المواطنين الفرنسيين من أصول مغربية يعتبرون رعايا المملكة”، وإن علمنا أن ملايين اليوروهات من 4 مصادر، على الأقل، تبدو من دون نتائج على صعيد “وحدة الجالية”.

   وجاء انقسام المغاربة لوجود “اختلالات” في بناء المساجد، من مسجد “فال فوري”، الذي تعاقدت فيه وزارة الأوقاف مع شركة مغربية لتزيين قبة المسجد وممراته الرئيسية بعود الأرز، فيما تزخرف باقي مرافقه بالجبس البلدي، وتغلف “أحجار تازة” من المغرب الحائط الخارجي، وإلى صومعة “سانت إيتيان” التي أثارت الغبار قبل أن يتم تغيير الإمام، وتنتهي هذه الصفحة بإدارة العربي مرشيش لميزانية سنوية بمبلغ 700 ألف يورو.

    وبـ 5 ملايين يورو لكل مشروع مسجد في فرنسا، يكون المغرب في 7 مشاريع لبناء مساجد أمام تقديرات مالية تصل إلى 34 مليار سنتيم مغربي في 2017، وحروب صغيرة لتغيير الأئمة كما حدث في “سانت إيتيان”.

   تقول جريدة “إلـ. إس. إلـ” الصادرة من نفس المدينة، في ملف لها تحت عنوان “كواليس أكبر مسجد”: “إن ساكنة سانت إيتيان انتظرت 20 عاما لبناء مسجدها، في صراع مرير مع مجتمع كاثوليكي رافقها فيه الإمام عدلي محمد لـ 17 سنة ، قبل أن يفتتح المسجد أبوابه بإقالته من وزارة الأوقاف”.

   وبقي السؤال محيرا في نفوس مسلمي سانت إيتيان: “لم الإبقاء على الإمام عدلي كل هذه السنوات، ثم يأتي بديل عنه لمجرد أن المسجد أصبح له بناء آخر”.

   وساد التوتر بين مسلمي المدينة والدولة المغربية، لأن المؤسسة الممثلة لهم هي المسجد الكبير لـ “سانت إيتيان” الممول في جله أو معظمه من وزارة الأوقاف المغربية.

   وقد “خلق عدلي محمد إجماعا كبيرا حول شخصه” تقول نفس الجريدة، وقد توصلت بـ 800 توقيع من 50 ألف مسلم في المدينة، وأيده القسيس في نفس المدينة (ليبرون) وصفا إياه بـ “رجل السلام”، فيما جرى انتقاد تعيين وزير الأوقاف للعربي مرشيش، دون أن تبالي الجهة المغربية بإرادة الجالية المسلمة، وسببت هذه الشروخ في تراجع واضح لشعبية العمل الرسمي فوق الأراضي الفرنسية.

المصالحة مع أعضاء “الشبيبة الإسلامية” تشمل كل أوروبا من خلال العمل الرسمي لوزارة الأوقاف طيلة رئاسة بن كيران، العضو السابق في هذه الشبيبة، للحكومة المغربية

   من المؤكد أن السياسة لها دور في احتواء المعارضين السابقين لنظام الملك الراحل الحسن الثاني، وسمحت الرباط بعزل الشبيبة الإسلامية في أوروبا عن باقي التيارات المعارضة للنظام، وما إن وصلت “الشبيبة الإسلامية” إلى رئاسة الحكومة في شخص بن كيران، حتى تسلمت بقايا التنظيم في أوروبا، مواقع متقدمة في مصالحة “مدروسة” بين النظام ومعارضيه السابقين.

   وكان مسجد ”سان إيتيان” اختبارا قويا ضحى فيه الوزير التوفيق بإمام له شعبية عند مسلمي المدينة، من أجل إمام عمل في مندوبية وزارته في العاصمة الرباط منذ 2006، وبغطاء من رئيس الجمعية، العربي مرشيش ومساعديه.

   وفي هذا الصدد، يعلق مسؤول الاتصال، ألدو أمودين، على ما حدث بالقول: “إن المسألة إدارية، لأن الإمام موظف في الأوقاف ويمكن توقيفه في أي لحظة، وبقي الأمر غامضا لأسباب متعددة، منها أن الوزارة لم تدل بأي تعليق في الموضوع”.

تجديد الثقة في أحمد التوفيق وزيرا للأوقاف، يكشف أن كل “القضايا المثارة” في أوروبا، وفرنسا تحديدا، تجاوزها الوزير، لأن الملف الإفريقي سبق الملفات الأخرى

   ارتبط عند الرسميين، انتقاد عمل وزارة الأوقاف في فرنسا، وباقي دول غرب أوروبا، برئيس “الفيدرالية العامة لمسلمي فرنسا”، الدكتور محمد البشاري، والذي يشغل في نفس الوقت منصب الأمين العام للمؤتمر الإسلامي الأوروبي.

   وساهمت الفيدرالية في نجاح مؤتمر “دار الإفتاء العالمي” شهر غشت الماضي، تحت عنوان: “التكوين العلمي والتأهيل الإفتائي لأئمة مساجد الأقليات المسلمة” مؤكدا أنه “الصوت الوحيد المدوي في أوروبا كلها”، وقال: “إن بعض المراكز الإسلامية في أوروبا، لها أدوات تشهير وإشهار أقوى من الاتجاهات التي تؤمن بالسلم والاعتدالية والوسطية، ولهم حضور في كثير من البلدان الغربية، لكن مع تفعيل توصيات المؤتمر، سيتم سحب البساط منها”.

   ويغلب الدكتور محمد البشاري، التواصل الإيجابي مع “دار الإفتاء المصرية” ومع المذهب الحنفي، بما ينافس “الإفتاء المغربي” المالكي المذهب، ودور الأوقاف برئاسة الوزير أحمد التوفيق.

   والحرب الخفية والطاحنة بين الفيدرالية ووزارة الأوقاف، تلغي عقود عمل أئمة مغاربة في أوروبا، وفرنسا تحديدا، ممن يدعون إلى “تأهيل إفتائي” خارج المنظومة المغربية، وتكوين الأئمة في المعهد المعروف في الرباط.

   وتشكل المساجد المغربية بطواقم جديدة، إحدى العلامات الفارقة في هذه السياسة التي تبني المآذن، وتقرر الفتاوى باستثمارات لا يشك أحد أنها طائلة، بالنسبة لبلد فقير كالمغرب يواجه استثمارات دول نفطية.

بين 7 ملايير سنتيم و13 مليار تكلفة مساجد فرنسا في عام 2017

   من الصعب قبول “التشكيك” في الذمم، والمغاربة يبنون مساجد لله فوق أراضي “ملتزمة بالقانون”، لكن ما حدث من تصريحات، يكشف أن في “سانت إيتيان” مثلا، جرت التغطية على “التحقيق المالي” بطرد إمام له شعبية، واختزال الرد الشعبي في عودته لإمامة المسجد.

   وهذه المناورة نجحت في “سانت إيتيان” بشكل مؤكد كما تقول المصادر الفرنسية، كي لا تكون المساجد المغربية مجرد قضايا أمام فرقة جرائم الأموال، فبعد وقوف أعضاء من جمعية “عثمان بن عفان” أمام الشرطة القضائية لفيرساي، لا يمكن فتح قضايا جديدة، و”لم يكن ممكنا في هذه الحالة، سوى إشغال المصلين بقضية الإمام عدلي محمد والفريق الذي عوضه، ومدى رضا الأمنيين عن هذا التحول” كما جاء في تقرير عن لقاء حول الحرية الدينية يوم 4 يوليوز 2012، ولا يهم في هذا الصدد، كلام “المؤمنين، بل الأمنيين الفرنسيين”.

   وحاليا، يجب القول، إن الوقوع تحت ضغوط التحقيقات في “الأموال الضخمة” لبلد فقير كالمغرب والموجهة إلى المساجد في فرنسا، يشكل كابوسا، يريد الجميع تجاوزه.

   “نحن أمام تقدير مالي يصل إلى 34 مليون يورو لبناء ماكينة مغربية تخدم إمارة المؤمنين، وتربط بين المهاجرين المغاربة وسلوكهم الديني والمذهبي، وتبني مساجد لحفظ كرامتهم” يقول مسؤول الاتصال في المسجد الأكبر لـ”سانت إيتيان”.

   ومن هذا المسجد، تحركت الأوقاف المغربية للتمركز واجتياح جنوب فرنسا، واستعرت النار مجددا بين “الفيدرالية العامة لمسلمي فرنسا” وجهاز الوزير التوفيق وخطة عمله في هذا البلد الأوروبي، وستبقى هذه الحرب قائمة، لأنها حرب استراتيجية بين مواقف ومواقع، أحد أطرافها، إمارة المؤمنين في مواجهة منافسيها.

   ومن نافلة القول، أن نرى أن “الاختلافات المالية” وإعادة توجيه أموال المتطوعين وأموال الأوقاف المغربية والمال الخاص الموهوب من شخص أمير المؤمنين كما تورد المصادر، هي العلامة التي تطبع السلوك المغربي تجاه باقي المسلمين في فرنسا، أو أمام  القضاء الفرنسي الذي قرر عدم تحريك دعاوى جديدة للعمل الحساس لهذه المساجد، باعتبارها أماكن مقدسة للمسلمين، ومن حياد الدولة، ترك هوامش مناورة لقيادة كل الديانات في الجمهورية.

لم تقرر وزارة الأوقاف، طيلة إدارتها من طرف أحمد التوفيق، فتح تحقيق في الأموال الموجهة إلى فرنسا لبناء المساجد أو لدعمها رغم فتح القضاء الفرنسي 3 حالات على الأقل

   في معركة وزير الأوقاف المغربي ورئيس “الفيدرالية العامة لمسلمي فرنسا”، يتواصل التفاهم مع الدولة الفرنسية في التفاصيل، وبدأ الخلاف في اليوم الذي رفض فيه رئيس الفيدرالية المذكورة، تغيير تاريخ إجراء انتخابات مجلس الديانة الإسلامية، وتواصل لإبعاد الدور المغربي في الإفتاء الأوروبي، فيما تريد الرباط إقصاء تأثير الدكتور محمد البشاري من جنوب فرنسا ومناطق أوروبية أخرى على التوالي، ويدير “مسجد إفري”، التيار المغربي من خلال “كونغريس المساجد الفرنسية”، المولود الذي جاء ليدفن الفيدرالية.

   ومن الغريب، أن تتواصل هذه المعارك بالملايير التي “تصيبها” بعض الأيدي من غير حق، لأن الحرب المستعرة والمحسوبة في بعض جوانبها، لم تسمح بأي حكامة مالية تضمن لمشاريع إمارة المؤمنين الفعالية في الخارج، من جهة، لأن هناك حروبا “مصطنعة” لإبعاد الرأي المتابع ودوائر القرار عن أموال الأوقاف، ومن جهة ثانية، لأن صيت إمارة المؤمنين، لن يكون قويا من دون التوافق مع المخالفين لها، ويمكن في المستقبل، الوصول إلى صرف 40 مليار سنتيم سنويا دون الوصول إلى النتائج المتوقعة، لأن المسألة تتعلق بضرب كل فساد مالي في وزارة الأوقاف قبل كل شيء.

هوامش:

1_ le président du conseil français du culte musulman veut doubler le nombre de mosquées, le monde / A.F.P (r/4/2015).
2_ Combien la France compte t – elle de mosquées? Samuel Laurent, le monde (8/4/2014).
3_ Dalil Boubaker souhaite le nombre de mosquées en France, (AFP),  (5/4/2015).
4_ le financement d’une mosquée en France, comment ça marche? jedd.fr, (1/8/2016).
5_ Avec y Ann Thompson, France tv fo.fr.(3/8/2016).
6_ Combien de mosquées faut – il fermer en France selon le gouvernement. Ksenia luky anova, sputnik news ( 3/11/2016).
7_ l’architecture des mosquées en France: construire ou édifier, Anne laure zwiligue, Revue des sciences religieuses, (Mars 2012).
8_ Religion visible dans l’architecture des mosquées, ibid.
9_ Mosques in French cities: towards the end of a conflict, jeclyne cesari, journal of Ethnic and migration studies, (31. 2016/ p:125-1044).
10 _ Frédéric de jean, l’Islam en Europe: invisible, trop visible? Frédéric de Jean, vox géographia, (18/1/2012).
11_ The city’s nod of Approval for the Nantes – la – jolie mosque project mistaken traces of recognition, Claire de Galembert, journal of ethnic and migration studies, (31/6/2005/  p: 1141).
12_ France, terre de mosquées, Bernard Michel, homme et migration (1220 – 1999/ p: 30).
13_ Le ministère de l’intérieur ferme quatre mosquées en ile de France, l’express (2/11/2016).
14_ François Fillon visite la plus ancienne mosquée de France, infos 974
15_ n° 577, session extraordinaire de 2015 -2016, enregistré le 5/6/2016, sous la présidente Corinne Feret, n° 388 (2014 – 2015) (1/4/2015).
16_ Sécularisation ou regain religieux, la religiosité des immergés et leurs descendants, documents de travail, (n° 196 INED/ 2013).
17_ The future of religions growth projections 2016 – 2050, pew research center, (r/25/3/2017).
error: Content is protected !!