في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | هل تدخلت الكنيسة المسيحية والسفارة الأمريكية في مشاورات تشكيل حكومة العثماني؟

ما بعد إبعاد مصطفى الرميد عن وزارة العدل

إعداد: سعيد الريحاني 

    نجا المغرب حتى الآن من فتنة “الأقليات الدينية”، بل إن نموذج “إمارة المؤمنين” كان سببا مباشرا في اعتبار المغرب، بلد الاستثناء سواء تعلق الأمر بالربيع أو الخريف(..)، من هنا، لم يكن من الممكن وقوع حادث إرهابي على غرار ما وقع في مصر قبل أيام، حيث تم قتل الأبرياء، في تفجير كنيستين واحدة في طنطا والثانية في الإسكندرية، ورغم أن موضوع “الأقليات الدينية” لم يكن مطروحا في المغرب على غرار مصر، فقد تم التخلي عن هذه القاعدة مؤخرا وبإشراف رسمي حيث استقبل محمد الصبار، الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، مجموعة من النشطاء المسيحيين، بشكل رسمي، في إطار لقاء “التنسيقية الوطنية للمغاربة المسيحيين”، ورغم أن السؤال المطروح، هو متى دخلت المسيحية إلى المغرب، أو على الأقل، كيف أصبح النشطاء الذين استقبلهم الصبار إلى مسيحيين، فإن ما تم الترويج له إعلاميا، وهو ما سيتم توثيقه دوليا(..)، هو أنهم سلموا للصبار مجموعة من المطالب، تبدأ بخطاب تظلمي، يقول أصحابه: “حقوقنا مفقودة نحن المؤمنين المسيحيين المغاربة.. ليست لنا نفس الحقوق التي يتمتع بها المؤمنون المغاربة المسلمون والمؤمنون المغاربة اليهود، فنحن لا يمكننا دخول الكنيسة لأداء صلواتنا، ولا يمكننا أن ندفن في مقبرة مسيحية، لأنها حكر على الأجانب فقط، وأبناؤنا يدرسون في مدارس مغربية بمناهج لا تتماشى وما يعتقدون، خاصة التربية الدينية التي لا تشير من قريب أو بعيد إلى وجود أقليات غير مسلمة في المغرب”.

   يقول المثل المغربي “ما قدهم فيل زادوهم فيلة”، وبينما عجزت الحكومة حتى الآن على إدماج الأمازيغية في التعليم، الأمر يتطلب سنوات أخرى من التخلف بدعوى التطوير(..)، يأتي الدور على “المسيحية” حيث يفترض أن يتم تعميم المناهج المسيحية على المدارس المغربية بدعوى وجود مسيحيين مغاربة، يجب أن يستفيذوا من نفس شروط التعليم التي يستفيد منها إخوانهم المسلمون، بينما الحقيقة، هي أن هذه المدارس لم تعد تعلم شيئا(..)، بل إن مطالب مثل هذه تعتبر دعوة ضمنية لتعديل الدستور، من أجل السماح بإقامة علنية للطقوس المسيحية، ومنها “الزواج الكنائسي أو المدني” و”تسمية الأبناء بأسماء مسيحية”، والدفن على الطريقة المسيحية، فضلا عن الأكل والشرب وأشياء أخرى.. ولاشك أن مهندسي “النشاط المسيحي” في المغرب، قد فطنوا إلى تورط المشرع المغربي، في “دسترة مفاهيم لها علاقة بالهوية”، حيث يقول دستور 2011 في ديباجته، وهي جزء منه: ((المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية، الإسلامية والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية)).

   ولا شك أن مهندسي دستور 2011، لم ينتبهوا إلى التحذيرات، فـ ((من الانزلاقات الخطيرة لدستور 2011، أنه وعلى حين غرة، خاض في قضية الهوية المغربية! وطبعا إذا أردت أن تفتت بلدا، فما عليك إلا أن تفتح ملف الهوية وتفاصيلها وفروعها وجذورها، وهذا لا يعني أنه لدينا مشكل مع الهوية أو حساسية منها، ولكن مشكلتنا، مع النبش الأنثروبولوجي وتوظيفه سياسيا، فليس من حق أية سلطة علت أو دنت أن تحدد لنا هويتنا، لأن الدستور هو مجرد قانون يضع أسسا لمعالم خارطة الطريق السياسي المراد المضي فيها، حسب موازين القوى الاجتماعية والسياسية القائمة، أما مسألة الهوية، فهي أكبر من ذلك وبكثير، لأنها إجماع تراكمي تداخلي توارثي لا يمكن لجماعة ما في عصر ما، أن تفصل فيها لباقي الأجيال السابقة واللاحقة، ولأن الدساتير قابلة للسقوط والتغيير، فهل هذا يعني أن الشرخ الهوياتي الذي فتحه دستور 2011 سيبقى يتغير حسب موازين القوى؟)) (المصدر: رشيد شريت/ هسبريس 30 يونيو 2011).

   النشطاء المسيحيون لم يستغلوا بوابة “تعديل الدستور” فقط، بل إنهم استغلوا أيضا الخطب الملكية الأخيرة لتفسيرها حسب فهمهم، حيث قالوا للصبار، الذي اعترف بهم رسميا: ((إن ما يشجعنا على اعتبار، أن الظرفية مساعدة ومحفزة للعمل والمرافعة على ملفنا نحن المؤمنون المسيحيون المتشبثون بمغربيتنا، والمستعدون للدفاع عن حوزة الوطن ضد أي محاولة للنيل منه، هو ما جاء في التصريحات الملكية الأخيرة المتعلقة بالمعنى المنطقي والمعقول لمفهوم إمارة المؤمنين، والتي تعتبر أن جلالة الملك محمد السادس ملك المغرب، هو أمير لكل المؤمنين، على اختلاف مللهم ونحلهم ودياناتهم)).

   قد يتسائل البعض، لماذا سارع الصبار إلى تلقف مطالب من هذا النوع والدعاية لها، لكن الأمر يبدو عاديا، إذا عرفنا أن رئيسه في المجلس ليس سوى، إدريس اليزمي، الذي يجمع بين رئاسة مجلس الجالية ومجلس حقوق الإنسان، بالإضافة إلى عضويته في المحكمة الدستورية، واحد من دعاة “بناء الكنائس في المغرب”، وقد سبق له أن قال: ((بأن المغرب في حاجة إلى بناء كنائس جديدة قادرة على استيعاب العدد المتزايد للمسيحيين المقيمين فوق تراب المملكة، كما كشف اليزمي توصل المجلس بعدد مهم من طلبات تسجل الخصاص المسجل بهذا الخصوص، موضحا أن إعادة فتح الكنائس المغلقة لن يفي بالغرض، وذلك في إشارة إلى ضرورة الإسراع ببناء أخرى جديدة، كما حذر اليزمي، الذي سجل بأن المغرب في طريقه ليصبح دولة مستقبلة للهجرة، من مغبة أن يجبر الأجانب، خاصة أفارقة جنوب الصحراء، على التعبد في أماكن سرية، كما كان الحال مع مسلمي أوروبا في سبعينيات القرن الماضي)) (المصدر: عدة مواقع/ 21 نونبر 2014).

   اليزمي واحد من الذين يكتفون بالدفاع عن حقوق الإنسان الموجودة في الأجندة الدولية، التي تتم مناقشتها في إطار الصالونات المخملية(..)، يملك كل الحق في التعبير عن رأيه، وهو بذلك يكون عضوا نشيطا في “مجموعات الضغط”، وبالتالي، فهو من القلائل الذين يحافظون على مواقعهم بغض النظر عن مسار مشاورات تشكيل الحكومة، الذي يفترض أن تكون تتويجا للتعبير عن الإرادة الشعبية المعبر عنها في الانتخابات.

   بخلاف اليزمي، الذي لا تمسه مشاورات تشكيل الحكومة بأي شكل من الأشكال، فإن وزيرا من عيار مصطفى الرميد، وزير العدل السابق، قامت الدنيا ولم تقعد، لكي لا يحافظ على منصبه كوزير للعدل، رغم التنويه الملكي، والتنويه الشعبي بمجهوده، والباحث في سيرة هذا الأخير، يتذكر ذلك اليوم  من سنة 2010، الذي رفع فيه شكاية بصفته محامي ضد مؤسسة “جورج واشنطن” لتشغيلها أساتذة وأطر أجانب يلقنون مبادئ التنصير لأطفال مغاربة، ونقل الموقع الإلكتروني لحزب العدالة والتنمية عن الرميد وقتها قوله: ((إن هذا القرار، جاء بناء على شكاية توصل بها من مواطن، له ابن يدرس بمؤسسة “جورج واشنطن” التي يوجد مقرها بدار بوعزة، والذي اكتشف أن ابنه يتم تلقينه مبادئ المسيحية دون علمه)) (المصدر: هسبريس 25 مارس 2010).. ليطرح السؤال عما إذا كان للوبي المسيحي في المغرب، والمرتبط في نشاطه بالسفارة الأمريكية، دور في الاعتراض على الرميد، من خلال تسخير البعض لمهاجمته، ووضع فيتو ضده تحت الطاولة.. يقول مصدر “الأسبوع”، إن ((قضية الإنجيليين النشيطين في المغرب، هي سبب إبعاد الرميد من وزارة العدل)).

   ولا يوجد أي مبرر منطقي حتى الآن، لخروج الوزير الرميد في لقاء عمومي للمطالبة ببقاء السفير الأمريكي في الرباط، دوايت بوش في منصبه، في عز المشاورات حول تشكيل الحكومة، ليطرح السؤال عما إذا كان للأمر علاقة بالخوف من السفير القادم(..) أو بصراع خفي خلال المشاورات؟

   وبغض النظر عن حكاية الوزير الرميد، فإن صراع المغاربة مع المد المسيحي، كانت له عناوين بارزة، أهمها طرد مجموعة من المبشرين المنتمين للكنيسة الأنجليكانية ومن ضمنهم إسبان وأمريكيون وهولنديون وجنسيات أخرى حتى عربية، ويهم الأمر مسيحيا كاثوليكيا مصريا كان في مدينة العرائش، في حين أن باقي المبشرين كانوا في مدن مثل أكادير ومراكش ومدن صغيرة مثل عين اللوح، حيث كانوا يشرفون على مراكز للأيتام، غير أن ما لا يعرفه كثير من المغاربة، أن الدولة عادت لتسمح بالنشاط السالف الذكر، بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق سفيرها في الرباط(..).

   يذكر أن المغرب، كان محط انتقاذ من لدن تقارير دولية، حول حرية التدين مثل تقرير منظمة “الأبواب المفتوحة”، حيث كان لافتا، خلو اسم المغرب من قائمة المنظمة للبلدان التي تضطهد المسيحيين في سنة 2015، واعتباره أحد البلدان الأكثر أمنا بالنسبة لهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا “MENA”، عكس سنوات قريبة مضت، حيث كانت تقارير المنظمة تتهمه باضطهادهم، وتلعب التقارير مثل تقارير “الأبواب المفتوحة” وغيرها من المؤسسات الأجنبية، رسمية كانت أم غير رسمية، دورا في التنقيط إيجابا أو سلبا لبعض الدول، بخصوص مدى احترامها للحريات الدينية وحقوق الإنسان، إذ عادة ما تجد هذه البلدان نفسها في خضم عواصف من الضغوط، أثناء مشاركاتها السنوية في دورات مجلس حقوق الإنسان، ونبه محمد السروتي، إلى أن يظل ((تقييم الحرية الدينية ضمن نقاش بين العلماء والمفكرين والمثقفين الملتزمين بمقومات الانتماء الحضاري للهوية الوطنية بدلالتها الواسعة والمنفتحة))، ويضيف أن ((إخضاع المجال الديني لتأثيرات الخارج، من شأنه أن يزيد من ثقافة التطرف، ويفتح المجال لتسريب قضايا قد تتعارض مع الثوابت الوطنية، أو قد تفضي إلى خلخلة الخريطة الدينية باسم الحرية)).

error: Content is protected !!