في الأكشاك هذا الأسبوع

أسلحة ضد الشغـب

عبد الله ملول. الأسبوع 

   كتبت بعض الأقلام سطورا كثيرة عن أنواع أسلحة الدمار النفسي الشامل التي استعملت قديما بنية مبيّتة في البيوت المغربية التقليدية، فأوقعت العقاب على الأبناء من جانب الآباء، وذلك في إطار ما يسمى بالتأديب الجارح والتعنيف المتكرر في حضور الرهبة والخوف الذي أدى أحيانا إلى عكس المراد منه، ولا أحد ينكر مستوى الشغب البيتي الذي ساد جميع البيوت المغربية من قبل الجيل السابق الذي بحكم عدد الأبناء في البيت وتواضع الإمكانيات المادية والاجتماعية، وفي ظل القيود الصارمة والنمط الرتيب الذي يميل إلى الطاعة والسكينة، أصبح المنزل حلبة للضجيج والصخب والشغب الطفولي، وبما أن الأم، وبحكم مسؤولياتها الكثيرة وقربها من أبنائها، تجد نفسها دائما مرغمة على اللجوء إلى استعمال أسلحتها الخاصة للردع وللتصدي لكل أعمال الشغب، وغالبا ما تكون البداية هي قيامها بـ “العض” على شفتيها وهي إشارة مشفّرة تدل على التهديد عن بعد ليتخيل المشاغب المصير الذي ينتظره بعد العودة الحتمية إلى المنزل، ومهما حاول الفرار فسيتبعه العذاب النفسي ليمسك به من رقبته الصغيرة، ويبقى المشاغب على أعصابه منتظرا ومتخيلا نوع الأداة التي ستنال نصيبها منه، فيبدأ عقله باستعراض ما في البيت من أدوات الضرب والجمع والكسر المنتظر استخدامها فوق جسمه للتأديب أو الإصلاح أو الردع، ولو كان من الذين يجيدون الدعوات والابتهالات لقال: “اللهم لا نسألك رد القدر وإنما نسألك اللطف فيه”، ومن الأسلحة المستعملة كذلك “الصفعة” وتسمى أيضا “الطرشة”، وهي من عيار خمسة أصابع، سلاح قريب المدى يجعل الدنيا تدور حولك وتترك أثرها المدمر على الخدود الفتية، وتستعمل في حالة القلق الزائد والنرفزة الفورية وسميت بـ”الطرشة”، لأن المضروب فيه قد يصبح أطرشا لمدة، فلا يقدر على الاستماع إلا إذا زال الطنين من تلقاء نفسه، وقد تكون “الطرشة” قوية إذا جاءت من اليد التي لا تحمل أية بصمات، فتؤدي إلى خروج شمع الأذن الزائد أو المتيبّس من الأذن الأخرى، أما “الحذاء” من صنف “الصانضالة”، فهو من الأسلحة البعيدة المدى العابرة للمسافات داخل الحجرات، وهو كما نعلم، متعدد العيارات والمقاسات وذلك حسب حجم الأرجل التي تمشي في المنزل، فيمكن استعماله في عدة أشكال ومستويات، فهو إما سلاح قريب ينزل عليك من كل الجهات حينما تكون محاصرا في ركن المنزل بعد المطاردة السريعة، فيكون نصيب الجزء المكشوف من الأطراف السفلى أكبر من حصة الظهر والرأس، وذلك لإخفاء آثار الضربات الملونة التي قد تصبح مدرة للعطف أو مدرة للدخل، وقد تطير “الصانضالة” إلى مسافة طويلة إذا كنت بعيدا عن متناول اليد، وفي حالات هروبك، فسيصلك نصيبك من صاروخ أرض أرض الموجه بقوة اليد والذي يستحيل تفاديه لسرعته الكبيرة.

   وفي الحصة التأديبية الكلاسيكية، هناك أيضا “الحزام” ويسمى أيضا “السمطة ديال الوليد”، وهي غير محرّمة دوليا وغائبة في اتفاقيات حقوق الصبيان عند عقوق الوالدين، وخطورتها تكمن في تلك القطعة الحديدية الشديدة الخطورة والمعروفة بـ “لبزيم”، ويتميز هذا الثعبان متعدد الألوان، بأنه محمول ويمكن أن يلتف حول جسم فريسته فتزداد رقعة المساحة المضروبة به، ليتمدد الألم عبر الثياب كالوشم على الجلد وتبدأ الشفاه الصغيرة في ترديد قسم حسن السّيرة وعدم العودة للشغب مرة أخرى، لكن ولا من مجيب؟ أما “القرصة”، فهي عقوبة نسائية بامتياز، لكونها عبارة عن  ضغط  قوي بواسطة أصابع الإبهام والسبّابة على جزء من الجسم فيه لحم بدون عظم، من أجل إحداث الألم على من تستحقه، فهي سلاح سرّي كاتم للصوت شديد الفعالية من عيار أصبعين يستخدم فقط في العقوبة السرية خصوصا أمام الضيوف، وغالبا ما تستهدف الفخذين وتترك علامة زرقاء هي طبعا رمز للجودة.

   كلنا مر بتجارب لا يستهان بها، أو على الأقل تجربة واحدة قوية جدا جعلت ذاكرته الدائمة تعيد نفس الصور والشعور لسنوات طويلة ومع ذلك، اللهم ارزقنا رضى أمهاتنا وارزقهن الصحة والعافية وارحمهن إن اخترتهن إلى جوارك أمين.

error: Content is protected !!