في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | بوادر العلاقات بين عمليات القتل والانتحار ومراجع قضائية عليا

بقلم: مصطفى العلوي

   تهافت كل المهتمين بمسار العصابات المتخصصة في سلب العقارات، وخبرائهم في تزوير العقود، وحتى البطاقات الوطنية، وقد تخصصوا في صنعها لتكريس عمليات تحرير العقود المزورة، ومكاتب بعض المحامين الذين أصبحوا خبراء في التلاعب على ملفات النهب، مثلما تهافت المطلعون والمحامون المدافعون عن حقوق مئات اليهود المغاربة الذين كانوا أول الضحايا، وعشرات الفرنسيين الذين غادروا المغرب خوفا(…) وتركوا بيوتهم وممتلكاتهم، مثل تهافت الهلعين على ممتلكاتهم حتى من المغاربة، تهافتوا جميعا على الإجماع، بأن الرسالة الملكية لوزير العدل الرميد بشأن وضع حد لهذه الوسائل، ومتابعة المتلاعبين بأملاك الغير، كانت أكبر إنجاز حققه الملك محمد السادس، طوال فترة حكمه، لأن العدل هو أساس الملك، ولا بقاء لنظام لا يضمن الحقوق، وخاصة الحقوق العقارية والممتلكات.

   وقد كانت الأسابيع الأخيرة، كاشفة لآثار الرسالة الملكية، بعد أن تحركت أجهزة الأمن(…) بالدرجة الأولى، ودواوين وزير العدل، وقد ظهر تحركها على سحنات القضاة الذين عرضت عليهم القضايا من جديد، وكانت قابعة في مساكنهم(…) وشهد قراء “الأسبوع” على اللجنة القانونية الفرنسية التي عقدها في الدار البيضاء، حقوقيون فرنسيون، برئاسة المستشار الفرنسي السابق للدولة المغربية، الخبير القضائي ميشيل روسي، الذي حضر حفل توشيح مدير “الأسبوع” كاتب هذه السطور، لما قدمه منذ سنوات طوال لهذا الجانب السطوي في تاريخ المغرب الحديث، حيث علق ميشيل روسي في حفل التوشيح هذا، على أن قضايا السطو على الممتلكات كانت تعرض على المحاكم الابتدائية لتدارسها في عشرين أو ثلاثين جلسة(…) لتعرض على محاكم الاستيناف التي تتدارسها في خمسين أو ستين جلسة(…) ترجمة لضخامة التلاعب الذي اضطر ضحاياه إلى اللجوء إلى الديوان الملكي، لتنطلق من هذه الشكاوي حادثة هزت كيان القضاء، وصدرت أحكام باعتقال ومتابعة بعض أقطاب التلاعب، وعندما صدرت تلك الأحكام، شن بعض المحامين المنتمين لحزب الاتحاد الاشتراكي(…) حملة صحفية على “الأسبوع الصحفي”، التي نوهت بهذه القوة الخفية(…) التي كانت وراء الأحكام الأولى الصادرة في حق هؤلاء المجرمين، ليضعف وزير العدل الرميد، تحت تأثير مقالات “الاتحاد الاشتراكي” (أعداد مارس 2014) ويصدر وزير العدل الرميد أمرا بالتحقيق مع جريدة “الأسبوع”، لمساءلة مدير “الأسبوع”، عمن يقصد بالقوة الخفية، لأن المحامي الأستاذ طبيح، طالب في مقال بجريدة “الاتحاد الاشتراكي” بإلغاء الأحكام الصادرة، لأن “القوة الخفية” كما استعملتها “الأسبوع” تعني التعليمات، وبعد أن كتبت جريدة “بيان اليوم” (عدد 14 مارس 2014): ((إن وزير العدل أمر بإجراء بحث قصد التحري واتخاذ الإجراءات القانونية(…) اللازمة على ضوء ذلك))، حصلت المعجزة، ليتراجع الوزير عن قرار التحقيق مع “الأسبوع”: ((إن مصطفى الرميد وزير العدل أمر بتوقيف البحث في قضية التعليمات السرية، في ملف عقار عين الذياب، استنادا إلى مقال الصحفي المخضرم مصطفى العلوي، تحت عنوان: هل تدخلت القوة الخفية، خاصة عندما صرح مدير “الأسبوع الصحفي” بأن القوة الخفية التي يقصدها هي القوة الإلهية)) (صحيفة الناس. عدد 17 /3/2014).

  ودارت الأيام، وصدرت التعليمات الملكية، مكرسة إحقاق الحق، ويعلن المغرب حربه على هذا الأسلوب الجديد في السطو، لتتعرى أطراف من الضخامة التي تتعدى الخيال، لدرجة أن قاض للتحقيق بالدار البيضاء، استدعى يوم 15 مارس 2017 كاتبا للضبط في المحكمة التجارية، ورجل الأعمال المسفيوي محمد الركني، وخيرهما بين الاعتقال، أو أداء ضمانة 300 مليون لكل واحد منهما قبل 31 مارس 2017، ليسارع كاتب الضبط إلى وضع 300 مليون في صندوق المحكمة، أما الملياردير الركني فقد فضل الانتحار، لا عجزا عن أداء 300 مليون، لكن كما كتب في رسالة وجدت بجانب جثته لتفسير اضطراره إلى كشف الكثير من الأسرار.

   فكيف يقدر كاتب للضبط في محكمة، أجرته معروفة، أن يدفع للمحكمة 300 مليون؟

   الجواب جاء باتفاق كامل بين المطلعين، وخاصة محامي الضحايا على أن الركني المنتحر هو العلبة السوداء، التي تتضمن أسماء الكبار(…) القابعين خلف تلاعبات القضاء، وها هو الصحفي محمد الهروالي يكتب في موقع “هنا 24”: ((إن الشرطة القضائية استدعت زوجة مسؤول في المجلس الأعلى(…) صديق للنائب البرلماني المقتول أخيرا في الدار البيضاء، مرداس، وقد أكدت الزوجة أنها شاهدت مرداس وزوجها يتشاجران بسيارة رباعية مع غرباء(…) كما شاهدت سيارة مرداس تتعرض للتكسير أمام منزلها، في عز انتخابات المجلس الأعلى للقضاء(…) التي شابت تمويلها(…) العديد من الشكوك، خصوصا وأن مرداس الذي يملك أموالا باهظة في إسبانيا مثله مثل زوج السيدة المصرحة هو صاحب نفوذ قوي بالقضاء(…) يستطيع أن يوجه الملفات كما يشاء(…))).

   وإذا عرفنا ظروف اغتيال مرداس هذا، وليست قضية علاقة زوجته بالقاتل، كما ورد في محضر اعتقال هذا القاتل، إلا حادثة عرضية.. وها هم رجال المباحث، يتعمقون في هذا القاضي الذي أصدر تعليمات بتوقيف البحث في قضية ضبط أربعين طنا من الحشيش في مدينة الجديدة، لنفهم لماذا يتضمن ملف المقتول مرداس أنه خلف في صندوق بيته بالدار البيضاء فقط، وديعة قرابة مليار سنتيم نقدا.

   إن الجدية التي أصبحت تطبع تعامل إدارة أمن المدير الحموشي، تحظى بثقة كبرى في أن تكشف عن خبايا الجوانب الأخرى(…) وها هم قضاة كبار، أصبحوا يضعون الانتخابات الأخيرة لعضوية المجلس الأعلى للقضاء موضع الشك، حيث الخشية الكبرى هي أن يكون رجال العصابات المتخصصين وقد غيب الموت اثنين من أقطابهم بطريقة أشبه بأساليب العصابات السينمائية، خوفا من أن يكون مخططهم يستهدف تنصيب شركائهم والمعنيين السامين بملفاتهم، هم أصحاب القرار، في مجالس القضاء العليا، بينما أسس الدولة السليمة، تضع أعضاء المجالس العليا تحت الرقابة الملكية والتعيين الملكي.

   وصدق الرئيس المصري، اللواء السيسي عندما قرر الهيمنة على الحكم المصري منطلقا من قراره الأول بتوقيف رئيس المجلس الأعلى المصري، عبد المجيد محمود، المدعي العام، الذي قالت الصحافة المواكبة: ((بأن هذا المدعي العام كان أكبر قوة أضعاف أضعاف من وزير العدل)).

   السيسي لم يجد أن العصابات الماكرة هي التي هيمنت بقوة أكبر من قوة وزير العدل، ولكن لأن الإخوان المسلمين، هم الذين تدخلوا في القضاء والبوليس منذ أيام مبارك.

  ونحن في المغرب، أيضا وبدون تشقلب ولا انقلاب، محتاجون إلى أن تشمل التعليمات الملكية، مجالات المجالس العليا للقضاء، وليس سرا، أن في هذه الأجهزة من أسلموا مقاليد قراراتهم التي لا تناقش، إلى أقطاب التوجيه السياسي الكبار(…) بينما القرارات التلفونية لبعض كبار المجالس تنفذ الأوامر بدون نقاش(…) لتنتهز الفرصة لقضاء أغراضها الخاصة، وفي ذلك خراب للدولة.

   وأي خراب أنكى من أن يكتب عن مقتول بالرصاص في باب بيته، مرداس، وكان في بداية حياته سائقا لسيارة رجل أعمال يسمى “أمهال”، أصبح بين عشية وضحاها من أغنى أغنياء المغرب، يشهد المتابعون في ملف مقتله أنه كان لا يفارق القاضي الأعلى فلان، وأن المقتول أو المنتحر الثاني كان يتعارك في باب بيته مع القاضي الأعلى فلان، وها هما جمعيتان مهنيتان للقضاة تطالبان الوكيل العام بالبحث في شأن تسجيلات سينمائية وصوتية نشرت في القنوات الإلكترونية تفضح أكثر مما جاء في هذا الموضوع بين السطور.

error: Content is protected !!