في الأكشاك هذا الأسبوع

سطــل منتــصف اللـيـل

عبد الله ملول. الأسبوع

   حينما يمتد الليل صغيرا في المدينة الكبيرة، تقل خطوات أحذية الليل، ويمر آخر المترنحين من صنف هؤلاء الذين يقيمون في الحانات ويخشعون في المصليات، وفي غفلة من الزمن، وبعد الترصد وسبق الإصرار، يفتح جارنا باب بيته في صمت ودون إحداث أي صوت، ثم يقف على العتبة ينظر ذات اليمين وذات الشمال رافعا رأسه نحو شرفات ونوافذ المنازل المجاورة لرصد انبعاث الضوء والبحث عن النظرات الفضولية من العيون العسلية.

   لقد حضر حظر التجول وخلت الزقاق من بني آدم، ولم يعد يرى إلا كائنات تمشي على أربع وبريق عيونها يضييء كعيون البومة، قطط متشردة ومنحرفة واقفة تنتظره كل ليلة في الموعد، لأنها تعودت على اعتلاء قمم القمامة المنزلية، على عكس القطط الأخرى التي تحمل نظراتها مزيجا من مشاعر الدهشة والاغتراب، لكونها من القطط الوافدة الجديدة والتي لا تنتمي إلى ساكنة الحي كما في علم السيد “مقدّم” الحومة، ويكتفي الجميع بالمتابعة البصرية في انتظار فرصة الانقضاض على الوليمة المتبقية من مخلفات الأطعمة المنزلية، إذّاك خرج سطل القمامة في منتصف الليل يسبق صاحبه، وفي حركة دائرية خفيفة وصامتة من صنف رأس على عقب، تم إفراغ المحتوى بكل قساوة قلب، فزحفت العصارة كالثعبان فوق تضاريس الرصيف، وكالقابض على الجمر، فر هاربا نحو باب بيته يسابق سطله الفارغ ظانا أنه أغلق الباب نهائيا على المنكر.

  لسنا في حاجة للاستئذان لأجل التنديد والتشهير بهذا الصنف من البشر، فجميع الوصايا على الحائط والتي تحض على الحفاظ على نظافة حينا ومدينتنا وبيئتنا، لم تحل دون استشراء داء التلوث الفكري والأنانية المفرطة والمحاكاة “القردية” لتصرفات باقي الجيران من أصحاب الأدمغة المسقوفة من فصيلة المصابين بالأمية البيئية والقائمين على تفكيك محيطنا البيئي بالعمق والمستوى المطلوب بنظام وانتظام وعلى دقات ساعة منتصف الليل.

  إننا لا نبرئ ساحة بعض المستشارين الجماعيين من تهمة التقصير تجاه نظافة البيئة، لأن في نفس الوقت، هناك من هو ليس مستعدا لتغيير عاداته وخرجاته الليلية كالخفاش، في غيبة إحساس حقيقي تجسده عزيمة النهوض بالمسؤولية كمواطن، والالتزام بالواجب تجاه البيئة ونظافتها، فقد غاب دور الأسرة والمدرسة في تعديل السلوكات، وتوقفت رسائل الحث على النظافة التي تساهم في إشاعة قيم النظافة والتدريب على ممارستها، لأن التلفزة قدمت استقالتها من مسؤولية التوعية اليومية للمشاهدين، وركزت إنتاجها فقط في الصيف على وصلات إشهارية منتهية الصلاحية تحث المصطافين على نظافة الشواطئ في كل سنة مرة، أما أنظار فرقة الشرطة البيئية، فلا حول لها ولا قوة، نظرا لمحدودية أفرادها وصعوبة تطبيق القانون على المتلبسين أو فرض الغرامة على أمثال من يفرغ السطل فوق أرصفتنا التي أصبحت تتنفس رائحة القاذورات وأمست تحت أكوام النفايات، أما جارنا حامل السطل الليلي، فقد غير موعده مع منتصف الليل إلى ما بعد الفجر باتفاق ضمني مع قطط الحي.

 

 

error: Content is protected !!