في الأكشاك هذا الأسبوع

إبعاد بن كيران.. فك شيفرة الصندوق الأسود

يحيى عمران. الأسبوع  

   بداية، ينبغي أن نتفق حول خلاصة ناشئة عن التجربة السابقة للعدالة والتنمية بعد إقرار وثيقة دستورية جديدة بعد 2011، مفادها أن شخصية بن كيران، تشكل حيزا واسعا من تنظيم الحزب على مستوى الخطاب السياسي من جهة، وطريقة الإخراج أو “الشو Show” عبر الخرجات الإعلامية والقفشات الشعبوية من جهة أخرى.

   على الرغم من الخدمات والامتيازات والمكاسب التي حققتها الدولة في موسم محاصيل الرجل من القرارات اللاشعبية، ممثلة في الإجهاز على  صندوق التقاعد والتقليص من نفقاته ومن نفقات المقاصة وتحرير الأسعار، فإن بن كيران كان ومازال، في قوس السهم وقلب العاصفة، خاصة حينما اكتشف أنه كان جسرا آمنا بقبعة إسلامية للعبور إلى قضاء مآرب الدولة والمخزن، فاكتشف – ربما أخيرا- أن كل العقول شغلت لتهييء قطب مواز لقطبه المزهو بانكشاريته الإعلامية وقواعده المنتشرة وتنظيمه المتماسك، فانقشع الغمام عن الرجل بعد أن أزاح مثار النقع عن مخطط سابق دبر بعناية كانت تعوزها الإرادة الشعبية، مخطط الصقور الكاسرة، وأقصد هنا حزب الأصالة والمعاصرة.

   لقد استفاق الرجل بطبيعته السياسية الفوضوية وكاريزمته المنقطعة النظير في تاريخ السياسة المغربية منذ الاستقلال، فهدد بتفجير الشارع وأعلن العصيان على الكبار واختبأ خلف الكواسر والتماسيح والعفاريت، وتوارى إلى جنب الرخويات والسلاحف.

    هنا بدأت تتشكل شخصية الرجل لدى دوائر الاهتمام، فبدأ الاشتغال على صناعة أشباه بن كيران، فقط في مقتضى الشعبوية والزعيق والتطاول، فكان لشكر على رأس رماد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وخرج شباط الموعود، الذي شعر بالخديعة متأخرا في طليعة حزب التاريخ والجغرافية.

    بعد الشعور بفشل هذا النموذج المشوه، تم التفكير داخل مراكز التفكير الداخلية، في رؤوس نووية بديلة قادمة من الأمازيغ، بعد أن فشل العرب داخل المغرب، فصنع العماري بالمغرب وصنعت آلته الإعلامية.

   لقد تبين بعد “الدوباج”، أن هذه “المكملات والمنشطات” أرهقت رئتيه وكليتيه فأضحى النموذج المعتمد، يحتاج إلى عملية زرع أعضاء سيفقد معهاعافيته زمنا طويلا، فتقرر، بعد مشاورات مطولة وتأن بالغ، استبعاد الأصالة والمعاصرة عن دوائر الاهتمام.

   برز إذن، أن الأشباه أخفقوا في تقليد الأصل المستهدف، لكن مراكز التفكير أبت إلا أن تراهن على رجل يوزن بذهب ويقاس بالماس عله يكبح جماح الفرس الجموح.

    نعم، لقد بدأت معالم التقييد والكبح تظهر مع استسلام بن كيران أمام رئاسة البرلمان التي عادت للخصم اللدود، وانتظاريته الطويلة التي بنى قوامها على القطب المالي، الزعيم الجديد، عزيز أخنوش.

    مرت أكثر من خمسة أشهر، ومرت معها مخلفات وأسماء وأشياء كثيرة تحت جسر الحسابات السياسوية وشهية اقتسام الغنائم وتوزيع الغنيمة الموعودة بين القبائل والأسياد خصوصا، وأصبح أخنوش، الناطق الرسمي باسم أربع تنظيمات تعتبر نفسها وطنية وتاريخية، وحزب “الوردة”، الذي يقول عن نفسه حزبا تقدميا تاريخيا متأصلا، سمح لنفسه أن يختبئ وسط رفوف مغبرة لحزب انبعث من مماته في ظرف أسبوع خطه المخططون وحدده المدبرون.

   لقد تحمل كبش الفداء مسؤولية الانسداد الحكومي (البلوكاج) في وقت سياسي مختار بعناية فائقة، تم فيه صدور تقرير لجنة التقصي التابعة لمجلس المستشارين حول صندوق التقاعد الذي دعت من خلاله اللجنة إلى تجميد خطة الإصلاح دون تحديد المسؤوليات.

   أخيرا، تحمل المسؤولية من يحاول اللعب على الوترين، بعد أن أخفق رئيس الحكومة المكلف سابقا، في إقناع حلفائه بالرضوخ إلى دفتر تحملاته، وبعد أن خانه حدسه التاسع في قراءة مستقبله السياسي، فقال نعم هذه المرة دون تنطعه أو تعنته المشهور، فانتهى الكلام، كل شيء وقع وتم استعماله وتوظيفه من أفكار ووسائل وشخصيات سياسية للوصول إلى مثل هذا القرار.

    لقد أعفي بن كيران بعد أن عينه الملك في وقت سابق، حسب ما جاء في بلاغ الديوان الملكي، دون ترك الفرصة لبن كيران لطلب الاستقالة والإعفاء، فكانت الرسالة، إظهار حقيقة مفادها، أن الإشكال قائم في الشخصية البن كيرانية دون حزب العدالة والتنمية، فتم تحصين القرار بالفصلين 42 و47 من الوثيقة الدستورية حفاظا على تحقيق الانسجام مع الاختيار الدستوري والصلاحيات المكفولة لصاحب الجلالة، الممثل الأسمى للدولة.

   إن المشكل المؤطر لهذا المسار وهذا السيناريو، ليس الانسداد الحكومي وعدم التقاط الإشارات الملكية، بل هو طبيعة الخطاب السياسي لبن كيران المبني على التهديد والترهيب والاحتجاج والتحدي، فالرجل لم يفهم أنه في حضرة الدولة، لا يمكن أن يقال كل شيء، ولا يمكن رفع سقف التحدي والتطاول، ولا يمكن تعامل بن كيران على أنه أكبر مما يحدده له الدستور المغربي.

   بغض النظر عن اختلافي وخلافي مع سياسة الرجل وسلوكه السياسي، يبقى في تقديري، شخصية سياسية كاريزماتية استثنائية ليس لها بديل في دكة احتياط كل السياسيين الموجودين الآن بحزب العدالة والتنمية، لاعتبارات متعددة ذكرنا بعضها سلفا وآثرنا أن نترك أهمها خاتمة مسك، كونه استطاع أن يفرض احترامه على الآخرين، مثلما فرض على الدولة احترام نتائج الانتخابات، والخضوع للمنهجية الديمقراطية بتعبير حكومة التناوب “الملعون”.

error: Content is protected !!