في الأكشاك هذا الأسبوع

رسالةٌ إلى صديقي الوحيد: محمد ابن الحسن الجندي

بقلم: حليمة بنت محمد ابن الحسن الجندي

   أبي الحبيب،

   يقولون أنك رحلت وأن عملك انقطع وأننا لن نراك بعد يومنا ذاك.

   انتزعوك من بيننا أنت الذي لا تحب أن تخرج وحيدا أبدا، ووضعوك في قبر على شاهده عنوانك الجديد.. عنواننا الجديد.

   جلسوا بعد خروجك يومها يا أبي يشربون الشاي ويعددون مناقبك أمام العدسات، ثم مناقبهم.. فعلوا تماما مثلما أخبرتني، حتى أن المشهد بدا لي مؤلوفا.. كان هنالك عدسات يا أبي لم تستأذن، ولا وجدت فينا عقلا يأذن لها أو لا يأذن.. اعذرنا أرجوك!

   تذكرت يومها حين جلسنا، أنا أمام شاشتي وأنت خلف أوراقك تستحضر بأسلوبك الصادق البديع الذي لا تكلف فيه ولا اصطناع، أحلك الأيام في حياتك، يوم فقدت السي الحسن، أباك وجدي، وأنت بعد ابن سبع، يومها تمالكت نفسي أمامك يا أبي، كتبت ما أمليتنيه وراجعناه سويا ثم غادرت الغرفة منشرحا طيب البال، فالكتابة مصدر سعادة لك ولنا بسعادتك.

    يومها، ما إن تواريت يا أبي حتى أجهشت ببكاء حار، رأيتك أمامي وأنت طفل ضعيف، حفر الدمع وجنتيك، تنظر إليهم وقد انتزعوا منك السي الحسن ذات سبت وأخذوه بعيدا، فانتهت فجأة الحياة، لأن السي الحسن “كان هو الحياة”، واليوم أنا ذلك الطفل يا أبي وإن جاوزت الثلاثين، حفر الدمع وجنتي وأنا أنظر إليهم ينتزعونك ذات أحد ويؤخذونك بعيدا، فانتهت فجأة الحياة يا صديقي الوحيد، لأنك أنت الحياة.

   لكن مهلا يا أبا الحكم.. مهلا، أمثلك يرحل أو ينقطع له عمل؟ وما الحياة يا أبي وما الرحيل؟

   صوتك الذي لا يُشبه أيا من الأصوات لا ينقطع صداه في أذني، ينبعث من موضع صلاتك الزكي أمام الشرفة في كل الأوقات: “.. فأما الزبد فيذهب جفاءا، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال” صدق الله العظيم.

   هو ذاك يا أبي.. هو ذاك يا ابن السي الحسن ولالة رقية، أعز ألقابك إليك، كنت أيها المَرْضِي كلما أصابتك حسنة إلا وهتفت: “هذا من فضل وبركة دعاء لالة رقية”.. اعلم يا أبي أن كل ما نحن فيه، وما سنكون عليه، هو من فضل وبركة دعاء السي الجندي ورضاه.. أعظمِ الكنوز على الإطلاق..

   يقينا لم ينتزعوك يا أبي من بيننا، لأنهم لا يستطيعون، فرشاة أسنانك المبتلة في مكانها، زجاجة عطرك النصف ممتلئة على الرف، مناديلك الورقية داخل أجياب سترتك كما طويتها آخر مرة تحسبا لأي خروج مفاجئ، نظاراتك.. أوراقك.. طاقيتك الزرقاء.. أدويتك و”حجرة” التيمم الملساء الباردة.. كل شيء في مكانه، لأنك باق وإن رحلنا جميعا.. باق بعملك الصالح وذكرك الطيب وشموخك حيا وحيا..

   لن أبكيك يا أبي، سأحيا تحت ظلك، وفي جلبابك إلى أن ألقاك.

error: Content is protected !!