في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | هل يتدخل الديوان الملكي لإيقاف الإساءة للملك عن طريق الإساءة للقضاة؟

كيف تحول ماء العينين من مرشح لرئاسة السلطة القضائية إلى معتقل احتياطي؟

إعداد: سعيد الريحاني

   اهتز الوسط القضائي منذ أسابيع على وقع اعتقال قاض ووضعه رهن الاعتقال الاحتياطي، وبخلاف ما تم تداوله إعلاميا، حيث تمت الإشارة إلى اعتقال القاضي “ماء العينين ماء العينين” متلبسا برشوة قدرها 50 مليون، بينما اكتشف الصحفيون خلال الندوة الصحفية التي عقدتها هيئة الدفاع عن القاضي يوم الإثنين الماضي، أن الأمر بوضع المعني بالأمر رهن “الاعتقال الاحتياطي” لم يصدر إلا يوم 8 مارس خلال جلسة محاكمة حضرها بنفسه(..)، في هذا الصدد يقول كل من المحامي خالد السفياني، والمحامي عبد الرحيم الجامعي: ((إن اعتقال موكلنا نعتبره إجراءا تعسفيا لا غير، غايته إهانته والشماتة فيه، ذلك أنه من جهة أولى، يجب أن نعلم أنه تقرر استعمال المراقبة القضائية قبل قرار الاعتقال لما طالبت النيابة العامة من قاضي التحقيق إغلاق الحدود وسحب جواز سفره، وهو ما يعني اتخاذ قرار بديل عن الاعتقال، ومن جهة أخرى، فقد اعتُبِر السيد ماء العينين قبل اعتقاله، أن له كل الضمانات التي لا تستوجب وضعه بالسجن قبل الثامن من مارس، واقتنع القاضي المكلف بالتحقيق أن بقاءه حرا لا تأثير له لا على مسار التحقيق ولا على بدايته أو نهايته..)).

   بالنسبة لهيئة الدفاع التي عقدت لقاءا صحفيا حول الموضوع، فإن اعتقال القاضي ماء العينين، وفضلا عن تغيير مسار التحقيق، له أسباب أخرى وليس ملفا عاديا كما تم الترويج له إعلاميا(..)، ((إننا نعتقد أن تغيير اتجاه التحقيق وهو في بدايته دون مبرر واضح مسطري ومنطقي واتخاذ الأمر باعتقال موكلنا يوم ثامن مارس، يطرح في نظرنا العديد من التساؤلات حول الهدف من اعتقال إنسان كله ضمانات مثلها مثل تلك المتوفرة لدى القضاة التي تسمح لهم حتى عند الضرورة المسطرية الإبقاء عليهم في حرية وفي سراح، احتراما لطبيعة وظيفتهم وليس امتيازا لهم، والتحول نحو موقف اعتقاله وهو حاضر بكل مسؤولية وطواعية بجلسة الاستنطاق الابتدائي، أي دون أن يجبره أحد على الحضور بالقوة، وقبل أي استنطاق له حول موضوع المتابعة وما نسب إليه، ولا سابق بحث تمهيدي أجري معه من قبل الضابطة القضائية، ولكي لا يقال بأن هناك محضرا تم فيه الاستماع إليه وتوفر لقاضي التحقيق ما يستوجب اتخاذ قرار الاعتقال، ومن دون أن تكون هناك جهة متضررة من بقائه حرا في حالة سراح، كل ذلك يجعلنا نقتنع بأن اعتقال السيد ماء العينين وراءه أسباب أخرى)) (المصدر: مقتطف من كلمة هيئة الدفاع).

   ماء العينين الذي صدر الأمر باعتقاله من طرف قاض زميل له في المهنة(..)، هو قاض تابع للمجلس الأعلى للقضاء، ورئيس الغرفة الجنائية بمحكمة النقض، تحول طيلة الأسابيع الأخيرة إلى مادة إعلامية في عدة مواقع، بل إن ظهوره مع رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، في جنازة ابنته (انظر الصورة رفقته)، كان كافيا لتقوم المواقع المؤشر لها بمهاجمة حزب العدالة والتنمية(..) بـ “تغريق” القاضي، على اعتبار أن الهجوم عليه، هجوم على حزب رئيس الححكومة(..)، وحدها بعض المواقع كتبت إن “جهات في سلك القضاء كانت تستهدفه منذ مدة، وأنه وضع وزير العدل والحريات مصطفى الرميد في صورة هذا الاستهداف قبل أسابيع من حادثة اليوم، وبدأت القصة حين  زار القاضي في بيته شخص حضر ليشتري بيتا لابنته في مراكش وحمل معه عربونا عبارة عن 500 ألف درهم، ليفاجأ بالشرطة تدق بابه وتطلب منه إحضار المبلغ الذي صادروه، وبعد ساعات، استدعى المفتش العام للوزارة القاضي المنحدر من عائلة صحراوية عريقة إلى مكتبه واستفسره عن الأمر، فقدم ماء العينين التوضيحات المطلوبة وأخبره بأن لا علاقة تربط بين بيع المنزل وعمل القاضي، وأن المس بسمعته مؤامرة يقف وراءها مسؤولون قضائيون على خلاف مع القاضي الذي سبق وأن منحه الملك محمد السادس صفة “قاضي مدى الحياة” عرفانا لاستقامته وتفانيه في العمل لمدة أربعين سنة أمضاها في سلك القضاء)) (المصدر: عدة مواقع).

   القصة وما فيها إذن، أن شخصا حضر لبيت القاضي ومعه 50 مليونا، ودخلت بعده الشرطة لمصادرة المبلغ باعتباره رشوة مقدمة للقاضي، ليطرح السؤال لماذا لم يتم اعتقال القاضي تفعيلا للمسطرة القضائية في حينها؟

   إن الوجه الآخر للقضية التي حبكت خيوطها في مراكش، أي في نفس المكان الذي تنشط فيه “مافيا العقارات”، الأمر الذي تؤكده عشرات المقالات الصحفية الصادرة طيلة السنين الأخيرة والتي تتحدث على سبيل المثال، عن “تفكيك شبكة متخصصة في تزوير الوثائق الرسمية للاستيلاء على عقارات بالملايير في مراكش”، ولاشك أن المتتبع سيصاب بالذهول عندما يعرف أن هذه “المافيا” كانت سببا في انتحار قاض وهو في بداية مشواره، وقد كتبت الصحف حكاية هذا القاضي الشاب بكثير من الحسرة تحت عنوان: “انتحار القضاة يسائل المسؤولين”.. ((فعلى بعد يوم واحد من عيد الأضحى، فضل قاض بالمحكمة الابتدائية في مراكش، وضع حد لحياته بالانتحار شنقا، واكتشفت جثته معلقة بحبل بسطح منزل في طور البناء، وتعددت الروايات المصاحبة للانتحار، بين من يتحدث عن حلول لجنة التفتيش من المفتشية العامة لوزارة العدل والحريات، لأجل البحث في بعض الملفات التي أصدر بشأنها أحكاما كانت محط شكايات متقاضين، وبين قائل، إنه كان على علم بأنه محط مراقبة، وبين من يورج لوجود تسجيل له مع أحد المتقاضين، غير أن السبب الحقيقي للانتحار يظل غامضا، في انتظار ما ستؤول إليه التحقيقات التي تباشر تحت إشراف النيابة العامة.. الروايات المصاحبة لحالة انتحار القاضي الشاب، والذي لم يمض على وجوده بسلك القضاء سوى 13 سنة، على أبعد تقدير، لا يمكن أن تكون بسبب بحث تجريه معه المفتشية العامة، على اعتبار أنه حتى في حالة وجود شبهة، فالقرارات التأديبية التي يمكن أن يصدرها المجلس الأعلى للقضاء لن تزيد عن العزل كأقصى عقوبة)) (المصدر: 26 شتنبر 2015).

   مافيا العقار إذن، تسببت في انتحار قاض بمراكش، وقضية بيع عقار من طرف قاض آخر هو القاضي ماء العينين، يمكن أن تتطور إلى مضاعفات صحية قد تؤدي إلى وفاته أيضا، قبل اكتمال التحقيق، الذي قد ينتهي بإدانته أو بتبرئته.. ((إننا نعلن بأن اعتقال موكلنا فيه تهديد مباشر لصحته ولحياته، فهو يشكو من سرطان مشهود به من أطبائه الذين يعالجونه وهم يؤكدون أن كل ضغط أو إكراه هو تصرف يتنافى مع طبيعة المرض ومن مضاعفاته، علما بأنه يعاني من أمراض لا تقل مخاطرها عن مرض السرطان كمرض السكري والبروستات وضغط الدم وأمراض أخرى وما ينتج عنها من مضاعفات، ويزيد الوضع قلقا وتهديدا لصحته، ما ترتب عن اعتقاله من ضعف لقوته الجسدية ولمعنوياته وصلابته النفسية نظرا لقسوة قرار الاعتقال في عزلة بعيدا عن رعاية أسرته وأهله وأطبائه” (المصدر: كلمة الدفاع: الجامعي والسفياني يوم الإثنين الماضي بمقر نقابة الصحافة).

   يمكن القول إن اعتقال الشيخ ماء العينين، له تطورات أخرى تحصل بعيدا عن المكاتب المكيفة في العاصمة الرباط، أقلها الاحتجاجات التي ربطت القضية بملف الصحراء، ((فالذين خططوا لمتابعة الشيخ ماء العينين ماء العينين، والذين نصبوا منه، بهذه الأزمة، أميرا لقبيلة ماء العينين، الممتدة عبر الأرجاء المغربية والصحراوية والموريطانية، وحتى في مالي وأطراف إفريقية أخرى، كان بإمكانهم تفادي هذا الشرخ(…) الذي جعل أقطاب هذه القبيلة المؤثرة، يوجهون لملك البلاد، محمد السادس، رسالة يكشفون فيها الشكوك بأن ملك البلاد لا علم له بما جرى، فيقولون في رسالتهم له: خطابنا مع الملك مباشرة، ولا نعترف بأحد آخر(…) وهذا في حالة ما إذا كان الملك يسمعنا، وهو يعرف ما هي قبيلة الشيخ ماء العينين، وحتى البوليساريو وموريطانيا يعرفون، ونحن لنا خيارات(…) ونملك جنسيات موريطانية وإسبانية، وما وقع، هو فاصل نحدد فيه علاقاتنا(…) بهذه الدولة، المغرب، والتي لم نحصل منها على أي شيء(…) قبل أن تقدم على حبس أبنائنا)) (المصدر: الأسبوع عدد الخميس 16 مارس 2017).

   إن تطورات القضية تفرض الحزم، فالإساءة للجسم القضائي، تدخل في إطار المخطط الكبير للإساءة للملك، فلم يعد خافيا على أحد المخطط الدولي الذي يهدف لسحب الصلاحيات القضائية للملك من خلال إلغاء وإصدار الأحكام القضائية باسمه، وسحب صلاحية العفو منه، لفسح المجال للتلاعب الكبير الذي لن يمس المتقاضين فقط، بل سيمتد لتقسيم البلاد بضغط دولي ممهد له منذ مدة، ماذا يعني أن تكتب الصحافة عن قضاة فاسدين في المجلس الأعلى الذي يوجد على رأسه الملك؟ وماذا يعني أن تربط المواقع الإخبارية بين قتل البرلماني مرداس وصديق مفترض له في المجلس الأعلى، أليس الغرض من كل ذلك، تصنيف الجهاز القضائي كجهاز فاسد، يوجد على رأسه الملك، بينما الواقع أن الصلاحيات الملكية في القضاء، ضمانة لكل المتقاضين من الظلم ومن التلاعب؟ إنه الأمر الذي يحتم متابعة الديوان الملكي لقضية قاض معين من طرف الملك، قاضيا مدى الحياة.

   تقول هيئة الدفاع: ((إن موكلنا اليوم رهينة داخل السجن في محيط من التداعيات التي لا علاقة لها بعدالة الإجراءات، أريد له أن يعاقب قبل أي بحث أو محاكمة، وهذا هو ما يسمى في الفقه الدستوري والشرعية الدولية لحقوق الإنسان، الاعتقال القسري والتحكمي، لأن الدستور يمنع الاعتقال إلا وفقا لما يقرره القانون، ويعلم الجميع أن القانون لا يسمح باعتقال أي إنسان إلا استثنائيا، أي إن لم تتوفر فيه الضمانات أو كان إنسانا خطيرا يهدد السلم العمومي ومصالح الآخرين، وهي أسباب منتفية في حالة اعتقال ماء العينين، ولا يمكن أن يقول أحد بتوفرها قانونيا إلا غافل أو متحامل عليه، من هنا لا يقبل القانون ولن نقبل معه اعتقال السيد ماء العينين قبل كشف الحقائق والوقائع ودراسة وسائل الإثبات وسلامتها ومدى مشروعيتها والتي سنوضح في الوقت المناسب طبيعتها وحجيتها)) (المصدر: كلمة دفاع القاضي ماء العينين).

error: Content is protected !!