في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | “أيها المغاربة.. قولوا لملككم أن يقلل من الحرير..” (الجنرال الفرنسي بوجو)

بقلم: مصطفى العلوي

   الذي يتتبع حكاية التعديل الوزاري من عهد عبد الإله بن كيران إلى عهد سعد الدين العثماني، وهي تعديلات أو محاولة تعديلات لأن المعوج زمنا طويلا لا يتعدل في وطن اضمحلت فيه الأحزاب السياسية، وانعدم النقاش، وانتهى زمن الزعماء، وأصبحت السياسة عند المغاربة تعادل الفراغ، وحسب أهل الرأي، المتحكمون في ملايير الدولة، أنهم نجحوا في مكاتبهم فقط، عبر التعليمات التي يُتلفنونها إلى بعض المكلفين بمهمة كتابة المقالات، فأسقطوا رئيس الحكومة الثرثار(…)، ليتم تكليف الطبيب النفساني الدكتور العثماني بتهدئة الأعصاب عبر معالجة الوضعية المتردية، فسمعنا هذا الطبيب المتزن، الذي كان يسلب عقول المصلين خلفه في المساجد أيام الجمعة، بأحاديثه الجذابة عن الرسول عليه السلام، وقد فضل في اليوم الأول من تكليفه بأن يلقي كلمة باللهجة السوسية، تماما كما فعل سليله وشريكه الأصلي في الانتماء لتارودانت أيام السلطان السعدي أحمد المنصور، الملك(…) الذي استوزر سوسيا، مثل اختيار الملك محمد السادس للسوسي العثماني، وكان السلطان السعدي قد اختار القطب السوسي عبد العزيز المزوار، الذي كتب صاحب “إيليغ”، الوزير السوسي(…) الأسبق محمد المختار السوسي، بأن الوزير السوسي أيام المنصور السعدي كان يسمى “ولد مولاة الناس”، وقد علق على استوزاره المختار السوسي، وهو يذكرنا بما كان، ولماذا لا يكون: ((لا نشك أن السوسيين يريدون أن يعيدوا التاريخ(…) بأن يؤسسوا من جديد دولة جديدة(…) يجمعون بها كلمتهم المتفرقة، بعد أن تشتت أمر المغرب(…) وبعد أن انتثرت الأطراف(…) وعمتها الفوضى)) (المعسول. محمد المختار السوسي).

   وها هو عمي الطالب الدكتور العثماني السوسي، يكرس في عهد محمد السادس، ما بدأه السوسيون في عهد المنصور السعدي، ويجمع أطرافه(…) في الأيام الأولى لحكمه(…) بسوسي آخر، اسمه وزير الفلاحة عزيز أخنوش، وسوسي آخر اسمه وزير الداخلية، محمد حصاد، وسوسي آخر مستشيرا من حزب الاستقلال في غيبة أمينه العام شباط، سوسيا آخر استقلالي هذه المرة، اسمه السوسي الميساوي، وثريا سوسيا آخر اسمه ساجد، علما بأن السوسيين جميعا، قديما وحديثا متأصلون من الولي الصالح سيدي احماد وموس، الذي فرض سلالته في زمن أشبه بزماننا هذا، وصفه القطب المختار السوسي هكذا: ((لقد زلزلت الأرض زلزالها.. ونالها من الفتن والفساد ما نالها.. فطاش الوقور.. وعاش المحقور.. ووضع النفيس.. ورفع الخسيس.. وفشا العار.. وخان الجار.. ولبس الزمان البؤس.. وجاء بوجه عبوس.. وورد الناس ماء الاختلاف.. ونضب ماء الوجوه والائتلاف.. فطأطأ الحق رأسه.. وأخفى المحق نفسه.. وتبرقعت الحسناء.. وكشفت عن وجهها الشوهاء.. وسدت المسالك.. وعم الجوع.. وتبرأ الكوع من البوع.. فإنا لله وإنا إليه راجعون. فيا لها من مصيبة وما أعظمها)) (المعسول).

   ويفسر النبراس السوسي، المضيء لمسار الدكتور العثماني، هذا الوصف الكارثي لحال المغرب، بأن سبب هذه الكارثة الموصوفة هو ((فقدان الرجال المحنكين الذين يقدرون أن يتداركوا ضعف العرش)) وها هو صاحب العرش، يستجيب لسليل عالم إيليغ، بتكليف واحد من أحفاد سيدي احماد وموس بتشكيل حكومة، اتفق الجميع على تسميتها حكومة الإنقاذ الوطني، وكم نخشى أن تذكرنا هذه الحكومة إن تشكلت، بتلك الحكومة التي كان جد محمد السادس، الملك محمد الخامس، قد مهد لها، حين فتح الزمان له نافذة فرج، أيام الاستعمار الفرنسي، وبالتحديد سنة 1940، حينما احتلت ألمانيا الهتليرية العاصمة الفرنسية باريس، وضرب الزمان بعنف فرنسا، الدولة المحتلة للمغرب، فأوحى الملك محمد الخامس، إلى بعض الوطنيين الذين قبل أن يكتبوا له وثيقة المطالبة بالاستقلال، ليعجلوا بانتهاز الفرصة، ويشكلوا حكومة وطنية يفاجئون بها الدولة الفرنسية، التي أصبحت تعاني هي بدورها مثلنا من الاحتلال الأجنبي.

   وحتى نقترب أكثر من صلب هذا الموضوع، موضوع أول حكومة أمر الملك محمد الخامس، رجال الحركة الوطنية بتشكيلها سنة 1940، ننقل بالحرف، شهادة رجل شامخ في مجال الجدية والعظمة السياسية، مؤسس المدرسة الحسنية بفاس، مولاي الطيب العلوي، الذي حضر تشكيل حكومة 1940، وكتب عنها: ((لا أنس اجتماعا حضرته بفاس سنة 1940 كانت أكثريته من الذين يعدون أنفسهم وطنيين، بعد أن جرت مذاكرة حول انهيار فرنسا، وقال أحدهم: وكيف نشكل حكومتنا.. فانبرى الذي تكلف بتشكيلها وذكر أسماء الوزراء، ورئيس الوزراء، مشيرا إلى أسماء عدد وزرائها الثمان عشرة، وكلهم من فاس(…) ليلتفت إليهم واحد من الحاضرين، ويقول لهم: بالله عليكم، كيف تتصورون رد فعل بقية المغاربة، فأجابهم المرشح لرئاسة الحكومة، نتصورهم بشرا، وفاس دماغهم، فأجابه المتدخل: أرى أنكم سترتطمون بصخرة المغاربة التي كسرت جميع الأدمغة في العالم، ولا أكتمكم أنكم مغرورون، فهل تظنون أن المغرب كله ليس فيه رجل صالح للإدارة)) (مولاي الطيب العلوي. تاريخ المغرب السياسي).

   هذا المؤرخ الذي كان جدا مقرب من الملك محمد الخامس في تلك الفترة الهامة في تاريخ المغرب، يحكي أن جميع أعضاء الحركة الوطنية لم يكونوا متفقين على هذه الهيمنة الفاسية(…) مثلما لن يقبل المغاربة اليوم، أية هيمنة سوسية ولا عرقية، فكتب للتاريخ جزئية من الأهمية بمكان: ((دخلت يوما مع علال الفاسي إلى بيت اليزيدي بالرباط، وكان مرفوقا بالحاج أحمد بلافريج، وكان اليزيدي متكئا، وعندما دخلنا عليه، جلس وقال لعلال: “يا أهل فاس، ما تزالون تخلقون لنا المشاكل، فكلما حل بين أظهركم رجل فاضل حر النفس، تعملون على إخراجه فيصبح علينا، بعد أن كان معنا”)) ( نفس المصدر).

   ألا تذكرنا هذه الحكمة القديمة، بحاضر واقع حزب الاستقلال اليوم، وهذا العمدة الفاسي شباط يعلن الحرب صراحة ويريد طرد ياسمينة بادو لأنها مكناسية، وطرد توفيق حجيرة لأنه وجدي.

   حقا إنها مكونات التشتت التي تكرس الضعف المغربي، والانحطاط السياسي، كما أوجزه الفيلسوف السوسي المختار السوسي، وكما خلدته جزئيات من المبررات التي مهدت لاحتلال المغرب، حوالي مائة عام قبل فقدان المغرب لاستقلاله، انطلاقا من معركة إيسلي (1845)، التي نسي المغاربة دروسها وهي التي كانت سبب سقوط المغرب المادي والمعنوي، في زمن كان فيه المغرب يتحدى الإمبراطورية العثمانية المحتلة للجزائر، وعندما تغلب الفرنسيون على الدولة العثمانية، كان عليهم أن يهزموا الدين الإسلامي في المغرب، رغم عظمة سلطانه المولى عبد الرحمن الذي بعث جيشه لدعم الأمير عبد القادر الجزائري الذي يحكي الاستقصا أنه تعجب لهذا البذخ المغربي وهذه النخوة المغربية، فقال الأمير عبد القادر الجزائري للأمير المغربي رئيس الجيش، كما جاء في الاستقصا: ((إن هذا الفرش والأثاث التي جئتم بها لباب جيش العدو ليست من الرأي في شيء، والعدو كلما رأى الأخبية الحريرية مضروبة، إلا وأتى عليها)).

   وكان سمو الأمير في واجهة معركة إيسلي على أطراف وجدة، يهتم بالوقار أكثر من الضرب بالنار، ليلحق به الجيش الفرنسي هزيمة أبعدت الجيش المغربي إلى تازة، وقد ترك خيامه الحريرية والأخبية الملونة(…) وعندما دخل الضباط عند الحاجب الأميري وكان يسمى الطيب بوعشرين، ليخبروه بخطورة الموقف، قال لهم: إن سمو الأمير الآن نائم، ولست بقادر على إيقاظه)) (الاستقصا).

   ليضرب الجنرال الفرنسي وكان يسمى “بوجو” بعنف جعل المغاربة يستسلمون، ويفاوضون، وأثناء المفاوضات جلس أمامهم وقال لهم حكمته المسجلة في التاريخ الفرنسي: ((قولوا لملككم أن يقلل من الحرير، ويكثر من الحديد)) لتدخل معركة إيسلي، الحريرية، تاريخ الهزائم المغربية التاريخية.

   وإلا سنكون محقين في نصح الدكتور العثماني بالوصية السوسية: “سوس أسكرس تسونفوت”، التي تعني ضع الحمولة الثقيلة واسترح

error: Content is protected !!