في الأكشاك هذا الأسبوع

المشكل أكبر من تشكيل الحكومة

بقلم: المصطفى المعتصم

   المشكل في مغرب اليوم، ليس في تشكيل الحكومة، فأكيد أن باتخاذه القرار باستقبال جميع الأحزاب، يكون الدكتور سعد الدين العثماني، قد قطع مسافة معتبرة في طريق تأسيس الحكومة، ذلك أن من بين الأسباب العديدة التي عقدت المشاورات على عبد الإله بن كيران، وضعه الخطوط الخضراء والحمراء في تعامله مع الأحزاب، مما أدى منذ اللحظة الأولى لانطلاق المشاورات إلى تقليص هامش المناورة لديه، بل أصبح رهينا لابتزاز أحزاب لم تحصل جميعها على عدد المقاعد التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية في البرلمان، وهي خطوط حددتها صراعات ونزاعات هوياتية سابقة للانتخابات التشريعية وتمثلات ومعيقات إيديولوجية قبلية ودوافع ذاتية.

   من المفروض أيضا أن تستحضر المشاورات التي سيطلقها السيد العثماني منذ اللحظات الأولى لانطلاقها، الأساس الذي كان سببا في حصول الأحزاب على مقاعد في البرلمان، أي البرامج الانتخابية، وأن تناقش معالم البرنامج الحكومي المزمع تبنيه في السنوات الخمس المقبلة ليس بمنطق فرض برنامج هذا الحزب أو ذاك، فهذا لن يكون مطلوبا ولا مقبولا في حكومة ستكون ائتلافية بين أكثر من حزب.

   في هذا الصدد، أتجرأ بالقول، إني اطلعت على أغلب البرامج الحزبية وقارنت بينها واكتشفت باندهاش كبير، مدى تقاربها بما في ذلك برنامج حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة، خصوصا في ما يخص الأوراش الكبرى التي يقودها ملك البلاد، وعلى كل حال، فإن أي برنامج حكومي لا يَنزَّل إلا عندما يحظى بالموافقة الملكية.

   المشكل الكبير بالنسبة لي، هو أننا نعيش في واقع محلي وإقليمي ودولي غاية في التعقيد وصعبا جدا على حزب أو مجموعة أحزاب مهما كانت نيتها وقدرتها ورغبتها في الإصلاح وحل مشاكل المغرب في ظل الإكراهات والأزمات التي تواجهه من أجل تحقيق انتظارات شعبه وآماله وأحلامه.

   نعم، عدم تشكيل الحكومة، عقد الأمور وزاد من وطأة المشاكل وأخر الكثير من الإنجازات، لكننا اليوم في حاجة ماسة إلى تفكير راهن، ومستقبل المغرب خارج المنطق الذي تعودنا عليه إبان الحكومات السابقة، أي التخطيط حسب الكوارث حيث كنا دائما ننتظر حدوث المشاكل لمعالجة آثارها بالكثير من الالتقاطية والتجريبية.

   في عالم يتغير بسرعة مذهلة ولا مستقبل فيه لمن لا يمتلك رؤية وبعدا استراتيجيا ويتفاعل في الزمن الحقيقي مع التحولات الجيوستراتيجية العالمية بما يؤهله بأن يكون شريكا في مواكبة وصنع الأحداث عوض محاولة التأقلم معها والخضوع لنتائجها بعد وقوعها على رأسه، في هكذا عالم، نحن في حاجة إلى تفكير استراتيجي لحاضر ومستقبل شعبنا وبلادنا، فمشاكلنا الاجتماعية والاقتصادية والتنموية مستعصية كما معظم دول الجنوب، ومرد ذلك بالأساس إلى النموذج  التنموي الذي سلكناه منذ خضوعنا لبرنامج التقويم الهيكلي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وتزداد مشاكلنا استفحالا بإخفاقاتنا وبالسعي المستمر للعولمة النيوليبرالية المتوحشة إلى إضعاف الدولة القطرية خصوصا في بلاد جنوب الكرة الأرضية عبر ضرب أدوارها الاجتماعية وتحويلها فقط إلى أداة أمنية وقمعية لحماية مصالح الشركات والأوليغارشيات، التي تلعب دور طفيليات تعمد إلى الهيمنة على خيرات هذه البلدان واستغلال الأيادي العاملة الرخيصة فيها، ومما زاد الطين بلة، أن العولمة النيوليبرالية تسعى للخروج من الأزمة الخانقة التي تضربها منذ 2008 على حساب الدول الفقيرة بالمزيد من النهب ونشر الفوضى الهدامة فيها، مما أضحى يرمي بثقل متزايد على دول الجنوب وينذر بعواقب وخيمة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والأمني لهذه الدول.

   ليس هذا فحسب، بل إن التحولات الجيوستراتيجية العالمية المتسارعة، توحي بأن تمة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب قيد التشكل، إذ لا بد من أن نفكر بعمق وبشكل جماعي لدورنا فيه، إما كأتباع خاضعين لقواه العالمية والإقليمية والمحورية، أو كمساهمين في صناعته ولنا دور ريادي كقوة إقليمية أو محورية في شمال وغرب إفريقيا، كما يواجهنا وضع إقليمي غاية في الاحتقان والتعقيد، سواء في علاقته بما يحدث في الجارة الجزائر أو في ما يحدث في المنطقة المغاربية جمعاء ونتيجة تصاعد التوتر في قضية الصحراء في المدة الأخيرة، وخصوصا “أزمة الگرگرات”.

   لكل ما سبق، أقول أن المشهد المغربي في حاجة إلى تقييم حقيقي لما يتفاعل فينا وحولنا من أجل انطلاقة جديدة تكون بمثابة ثورة أمة تهب لبناء مغرب الكرامة والحرية والديمقراطية والرفاه والتقدم والتعاضد والتعاون بكل الإخلاص والتفاني والتضحيات المطلوبة، مغرب يقطع مع زمن توحد فيه الفقراء والطبقة المتوسطة، إذ كانوا ولا زالوا، يؤدون فاتورة إخفاقات السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ونأمل أن تتوحد الأمة المغربية على كلمة سواء، قوامها المصالحة الوطنية التاريخية بين كل مكونات المجتمع لبناء المشترك وتجاوز الاحتراب والاستقطاب المميت، والاجتماع حول مشروع مجتمعي وبرنامج أولويات نتعاون أو نتنافس في تفعيلهما، وقد نتفق أو نختلف في طريقة تنزيل مفرداتهما، وقد آن الأوان أن نفكر في المغرب وهمومه وأزماته وإكراهاته وانتظاراته، حاضره ومستقبله، تفكيرا جماعيا، نتحمل فيه الصعاب والتضحيات جماعيا ونستفيد من الإنجازات جماعيا.

 

error: Content is protected !!